تعقيدات تكتنف إعادة إعمار غزة

صورة لمباني مدمرة مصدر الصورة Reuters
Image caption تحولت المباني الخرسانية إلى تلال من الأتربة والأنقاض.

اقترب فصل الشتاء في قطاع غزة، وستزيد لياليه الطويلة ومطره الشديد من مأساة آلاف الأسر التي دمرت منازلها في الحرب التي دارت في الصيف.

ويعيش اللاجئون الجدد حياة بائسة، في مكان يعج بأبناء اللاجئين القدامى الذين تشردوا بعد إعلان قيام إسرائيل عام 1948.

والدمار شديد في أجزاء من غزة، وقال عنه الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي-مون، إنه "دمار يفوق الوصف".

ولا يمكن لمن رأى قوة الأسلحة والذخائر أن يخطيء في تقدير قدراتها التدميرية، إذ تحولت المباني التي بنيت بآلاف الأطنان من الخرسانة إلى غبار وتلال من الأنقاض، كأن طوابقها هبطت فوق بعضها.

وفي مناطق مثل الشجاعية وجحر الديك، يتكرر مشهد الدمار في المنازل والشوارع.

احتياجات متعددة

وعندما انتهى مؤتمر الداعمين لإعادة إعمار غزة في القاهرة بتخصيص حوالي 5.4 مليارات دولار، بدا وكأن المساعدة ممكنة. لكن الحقيقة أن الوضع أكثر تعقيدا.

ففي البداية، هناك تقسيم الأموال. وسيخصص نصف المبلغ للإصلاح المباشر لآثار الحرب، مثل إعادة بناء المباني، والطرق، وخطوط الكهرباء، وشبكات الصرف الصحي.

وليس من الواضح كيف ستنفق بقية التبرعات، لكن احتياجات غزة لا تنتهي. فالمال يلزم لتحسين مياه الشرب، وطرق التخلص من مياه الصرف الصحي، والطرق، وغير ذلك من أعمال البنية التحتية.

وبالطبع هناك الأزمة الدائمة الخاصة بتمويل الوزارات التي تديرها حماس في غزة. كما تبرز أهمية الأجور الحكومية بسبب الحصار الاقتصادي المصري والإسرائيلي على الاقتصاد الحر في القطاع.

وكان عدم سداد الأجور لمدة شهور في مطلع هذا العام، والضغط الشعبي على قيادات حماس، أحد العوامل التي دفعت إلى الصراع مع إسرائيل، إذ يقول البعض إن حماس تعي أن المطالبة بتنازلات سياسية أسهل في وقت الحرب منه في وقت السلم.

لذا، من المؤسف أن جمع المال سيكون هو المشكلة، لا إنفاقه.

مصدر الصورة Reuters
Image caption انتهى مؤتمر إعادة إعمار غزة بجمع تبرعات فاقت خمسة مليارات دولار، لكنها لا تضمن إعادة البناء دون وجود حل سياسي للأزمة.

دوافع متعددة

ومن المعلوم أن الحكومات لا تحافظ على الوعود التي تقطعها في أوقات الأزمات الدولية. فمثلا، قال المسؤولون الفلسطينيون إن التبرعات التي أعلن عنها بعد صراع غزة مع إسرائيل عام 2009 لم تصلهم قط.

لذا، تظل قيمة التبرعات نظرية، ولكن يفترض أن كمية معقولة من النقود في طريقها للقطاع.

ولا شك أن كل الدول المانحة تسعى لمساعدة أهل غزة. كما أن لبعضهم دوافع سياسية واستراتيجية أيضا، فأكبر المتبرعين، قطر، التي تبرعت بمليار دولار، والسعودية التي تبرعت بـ500 مليون دولار، تتصارعان على النفوذ في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

كذلك الأمر بالنسبة لتركيا والإمارات العربية المتحدة، التي تبرعت كل منهما بمبلغ مئتي مليون دولار.

وبالنسبة للولايات المتحدة (التي تبرعت بـ212 مليون دولار)، والاتحاد الأوروبي (الذي تبرع بـ568 مليون دولار)، فقد تكون المساهمة جزءا من الثمن الذي يدفعانه لاستمرار دورهما في الشرق الأوسط، بجانب الاعتبارات الإنسانية الأخرى.

كما أن بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل المملكة المتحدة التي تبرعت بـ32 مليون دولار، يحركها خليط من الاعتبارات السابق ذكرها.

وسياسيا، يفترض أن يكون الرابح هو السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس، التي عقدت مصالحة مؤخرا مع حماس.

إلا أن القوى الغربية تحديدا تصر على أن تكون أموال إعادة الإعمار في يد السلطة الفلسطينية، لأنها قوة معتدلة، ولمنع حماس من استخدام المال لإعادة التسليح.

مصدر الصورة AP
Image caption انضمت آلاف الأسر إلى اللاجئين بعد تدمير منازلها في الصراع الذي دار بين إسرائيل وحماس أثناء الصيف.

لا نزع للسلاح

ولم تحضر إسرائيل مؤتمر الداعمين. وهو أمر متوقع، إذ لن يرحب بها في مؤتمر عربي لمناقشة الدمار الذي ألحقته غاراتها وأسلحتها بالقطاع. لكنها عانت من نوع من الهزيمة السياسية في القاهرة.

وكررت إسرائيل أثناء فترة القتال أنها تربط أي تمويل لإعادة الإعمار بالتحركات نحو نزع سلاح حماس. لكن لا أحد يضع هذا الشرط في الاعتبار، ويتوجب على إسرائيل القبول بتسوية أقل.

ولا بد أن تمر كل مواد البناء المستخدمة في إعادة إعمار غزة عن طريق الأراضي الإسرائيلية. في حين تقول السلطات المصرية إن معبر رفح الحدودي مع غزة مناسب لنقل الأفراد فقط، ولا يتحمل مرور بضائع.

وبذلك، تقع في يد إسرائيل المسؤولية الكاملة للتأكد من أن حماس لن تستخدم جهود إعادة الإعمار في إعادة التسليح.

عمليات تفتيش

ويستوعب المعبر الرئيسي بين غزة وإسرائيل، وهو كرم سالم، 450 شاحنة في اليوم. ويمكن شراء مواد البناء من أي مكان في العالم، لكن سينتهي بها الحال في هذا المعبر.

ولدى إسرائيل احتياطات الأمنية. منها تفتيش كل جوال من الأسمنت للتأكد من خلوه من الأسلحة والذخيرة وقطع الصواريخ.

والثاني "الاستخدام المزدوج" للمواد، وهي كل المواد التي يمكن أن تستخدم في بناء المنازل وكذلك الصواريخ، مثل الأسمنت أو المعادن.

ويتعين على إسرائيل البحث عن طرق لقياس كميات المواد التي تدخل غزة وتلزم أعمال البناء. وإن اكتشف أي فارق بين الكميات المستخدمة والكميات الواردة، فسيكون ذلك مؤشرا إلى استخدام المواد في حفر الأنفاق.

لذا، فإن العناوين الصحفية التي كتبت عن مؤتمر إعادة إعمار غزة مشجعة، لكن يجب تحقيق الكثير قبل حلول الشتاء. ومراجعة كل المخاوف السياسية السالف ذكرها هي أزمة سياسية بسيطة.

والواقع يشير إلى أن سرعة جمع التبرعات لا تضمن إعادة بناء أي شيء في غزة خلال سنة أو أكثر، ما لم يحدث أي تقدم سياسي بين إسرائيل والفلسطينيين. وغالبا ما ستدمر الحرب القادمة كل ما يعاد بناؤه.

المزيد حول هذه القصة