يوميات الموصل: دولة داعش لا يهمها حتى لو تسمم الناس من المياه

Image caption لا يستطيع الكثير من الناس قضاء حوائجهم بسبب انقطاع شبكات الاتصالات.

سيطر عناصر تنظيم "الدولة الاسلامية" الذي كان يعرف اختصارا بـ "داعش" على مدينة الموصل منذ يونيو/ حزيران الماضي، معلنين إقامة ما وصفوه "دولة الخلافة".

ومنذ ذلك الحين، بدأ مسلحو التنظيم في فرض نظام للحكم يتماشى مع مفهومهم المتشدد عن الإسلام والذي يتضمن فرض عقوبات شديدة القسوة ومعاملة متزمته مع النساء وموقفا متطرفا ضد أي شكل من أشكال المعارضة أو المقاومة.

يشرح عدد من سكان الموصل في سلسلة المذكرات هذه طبيعة الحياة في المدينة بعد سقوطها بأيدي تنظيم "الدولة الاسلامية". وقد تم تغيير أو حجب أسماء

المشاركين في اليوميات حفاظا على سلامتهم.

12 ديسمبر/كانون الأول 2014

ميِس: دولة خلافة داعش لا يهمها حتى لو تسمم الناس من المياه

بعد انقطاع شبكات الهواتف النقالة ، وبعد معاناة طويلة تمكنت اختي من ايجاد طريقة لكي تبعث لي بخبر مرضها الشديد.

فذهبت مسرعة انا وزوجي الى بيتها الذي هو في الجانب الاخر عبر الجسر الخامس من المدينة وفي نظرة تأمل لنهر دجلة قلت لزوجي: حتى النهر غير صافي فمتى يصفى وضعنا هذا لكي يصفى ماؤنا.

وصلنا الى بيت اختي ووجدتها تعاني مرضا شديدا، فأخذناها بسيارتنا، وذهبنا بها إلى المستشفى العام في المدينة، التي كانت ممتلئة بالناس.

وتبين لنا أن كثيرين يعانون الأعراض نفسها. وبعد الفحوصات المختبرية تبين أن هناك حالات تسمم واضحة في المدينة، ولا يوجد سبب واضح لكل حالات الإصابة غير الماء.

وهذا ما قاله لنا الطبيب في حالة أختي: حالة تسمم شديدة بسبب الماء.

مياه معلبة

هذا الماء يأتي عن طريق محطات ضخ المياه الى المدينة.

وبسبب شح المواد اللازمة للتعقيم، كانت المحطات تضخ المياه الى المدينة عبر شبكاتها لتصل الى البيوت ومن دون تصفية ومواد تعقيم.

وهنا تذكرت حالة مياه نهر دجلة. فكأن منظر الماء الذي شاهدته من على الجسر كان هو حال الماء الذي يأتي الى بيوتنا مباشرة.

ونحن وفي المستشفى رأيت أحد أقاربنا. كان هو الآخر يعاني التسمم بسبب الماء.

ولهذا الحال انتشر في المدينة وفي أسواقها وعلى الطرقات بيع المياه المعلبة المعالجة بالتصفية.

هَم آخر

وبسبب كثرة الطلب، تتزايد الأسعار مع الازدياد في الاسعار.

ولكون مدينتنا لا يوجد فيها سوى معملين احدهما مغلق، لكون صاحبه مسافرا إلى خارج المدينة، والآخر يعمل بطاقة انتاجية بسيطة.

والسبب الآخر هو انقطاع الطرق من حولنا، وخاصة مع محافظات اقليم كردستان الذي تكثر فيه معامل تعبئة المياه المعقمة نظرا لكثرة عيون الماء الطبيعية في شمال العراق.

عدت الى بيتي وانا قلقة جدا على وضع اختي، وعلى وضع الناس بشكل عام.

فلا يوجد مواد تعقيم للمياه في محطات ضخ المياه، وداعش لا يهمها هذا الامر ولا يعنيها في شئ.

وقررت أن أعقم المائي، في بيتي، بطريقتي وهي الغلي ، ليضاف الى مهام البيت هم آخر وشغل جديد.

ومع ذلك، فإن المهمة ليست سهلة بسبب شح الوقود، لتصعب الحياة علينا اكثر واكثر في ظل دولة الخلافة.

5 ديسمبر/كانون الأول 2014

نزار: انقطاع شبكات الاتصالات والانتظار الطويل

بعدما قررت أن أعمل وأترك الفراغ الذي سببه تنظيم "الدولة الإسلامية" لدينا، وبعد توفر فرصة عمل لي عن طريق شركة توزيع، تفاجئت اليوم بانقطاع الشبكة في خدمة شركة آسيا-سيل للهواتف المحمولة مما أربكني إرباكا فظيعا لا أعرف كيف أتخلص منه.

إن جميع أعمالي تعتمد على الاتصالات، مثل حال كل أصحاب الأعمال. ولسنا نحن فقط أصحاب العمل الذين نعتمد على الاتصالات، بل جميع الناس في المدينة، يعتمدون على شبكات الاتصالات في حياتهم اليومية.

وبعد ساعات من انقطاع شبكة آسيا-سيل في المدينة، التي تتمتع بحصة كبيرة من المشتركين من أهل المدينة، انقطعت الخدمة أيضا في شركات كورك، وزين، وفانوس، وخدمة إنترنت ماكس نيت، لتغرق المدينة في ظلام مطبق، ونعود إلى العصور القديمة.

وأصبح الاتصال والتواصل مع بعضنا بعضا والعالم من حولنا، يعتمد على الشركات الأهلية للإنترنت المهددة هي الأخرى بالانقطاع.

لا أحد يعرف

حاولت أن أعرف لماذا حدث هذا ومتى ستعود الخدمة من خلال الاستفسار من أصدقائي وجيراني، ولكن لا أحد يعلم كيف ومتى؟ والكل مندهش لما حدث. منهم من يتهم الحكومة في بغداد، ومنهم من يقول إن التنظيم هو من فعل هذا.

وما بين بغداد وتنظيم "الدولة الإسلامية" ضاعت الموصل وضاع أهل المدينة.

والمصيبة الكبرى هي أنه لا يوجد حل بديل لهذا الأمر. فمن نريد أن نتكلم معه، علينا الذهاب إلى بيته، أو محل عمله، واحتمال الالتقاء به أو عدم اللقاء به غير معروف.

الوضع الجديد

وهذا بالضبط ما حدث معي عندما حاولت العثور على أحد أصحاب المحلات ممن يمكن أن أتبضع منه، وكان هو الآخر مشغولا في البحث عن شخص بينه وبينه حسابات عمل يجب تصفيتها. وبقيت فترة انتظر عسى أن تعود إحدى الشبكات فأنجز مهام عملي، وأحصل على متطلبات البيت، ولكن دون جدوى.

وعدت إلى البيت من أجل أن أصحب والدي المريض إلى عيادة الطبيب، الذي لا أعرف عنه شيئا، ولا أعرف إن مكان موجودا في عيادته أو لا.

وفي النهاية تمكنت من إنجاز كل أعمالي العائلية والتجارية، وتوزيع بضاعتي على الأسواق بشق الأنفس. ولا أعلم إن كان هذا الحال سيستمر، أو إن كان علينا أن نبرمج حالنا على هذا الوضع الجديد.

فيصل: قنينة غاز الطبخ بـ60 ألف دينار عراقي

مصدر الصورة Reuters
Image caption بلغ سعر قنينة غاز الطبخ في الموصل 100 دولار، وهي غير متوفرة.

اتصلت بي والدتي وطلبت مني أن أجلب لها قنينة غاز للطبخ، لأن قنينة الغاز في البيت قد نفد الغاز فيها. أخذت القنينة الفارغة وذهبت بسيارتي إلى محل تبديل القناني وسط البلد. وفوجئت بأن سعر القنينة تجاوز الـ60 ألف دينار عراقي، أي ما يقارب الـ50 دولارا.

صعقت لما سمعت ورأيت، لأن قنينة الغاز في السابق قبل دخول تنظيم الدولة الإسلامية كان سعرها لا يتجاوز الـ7 دولارات. ومع دخول مسلحي التنظيم بدأ السعر في التزايد شيئا فشيئا.

عدت إلى البيت وأنا في حيرة من أمري. فكيف لي أن أدبر ثمن قنينة الغاز، وأنا في وضع مادي حرج؟ وماذا سنفعل من دون قنينة غاز الطبخ؟

"رضينا بالهم ..."

وبعد النقاش مع والدتي قررت أن أذهب إلى السوق في اليوم التالي، واشتري القنينة، من أجل ديمومة الحياة في البيت، فربما تنتهي الأزمة قريبا، وتعود القنينة إلى سعرها القديم. وذهبت صباحا إلى السوق، وإذا بسعرها في اليوم التالي وصل إلى 100 دولار، وتكاد تكون غير موجودة في المدينة بالكامل، فلقد سمعت السعر، لكني لم ار أي قنينة، وكما يقول المثل (رضينا بالهم والهم ما رضي بنا).

عدت إلى البيت والأفكار تكاد تفجر دماغي، ولا أعرف ماذا أفعل وكيف سنقضي بقية الأيام، والبيت من دون غاز الطبخ.

وقررت وأنا في طريقي إلى البيت أن أذهب إلى مطعم قريب من بيتنا لكي أشتري وجبة الغداء، وأجلس بهدوء وأفكر كيف سندبر الأمر. وتفاجأت عند وصولي بأن المطعم مغلق، وعندما سألت عن السبب قالوا لي إن ارتفاع سعر قنينة غاز الطبخ هو السبب، فصاحب المطعم لا يستطيع أن يرفع أسعار وجبات الطعام بسبب الوضع المادي التعس في المدينة، ولا يستطيع الاستمرار في العمل بهذه الأسعار لقناني غاز الطبخ.

لا كهرباء ولا ماء ولا غاز

لهذا قرر أن يغلق المطعم، وأن يسرح ما يقارب 13 عاملا كانوا يعملون في المطعم. أي أن 13 عائلة فقدت مصدر رزقها بسبب قنينة غاز الطبخ، وأغلقت أغلب مطاعم المدينة أبوابها لهذا السبب، إلا من لديه مخزون من القناني، فهو ما زال يعمل.

وهناك من بدأ يخترع وسيلة أخرى للطبخ، بدلا من الغاز، فمنهم من اتجه إلى الحطب، و(تنور الطين)، ومنهم من استخدم السخان الكهربائي ذا الأمبير العالي، ومنهم من اعتمد على المدفأة النفطية في تدبير أمور البيت من طبخ وغير ذلك.

لقد تعبنا مما نحن فيه، فدولة الخلافة لا كهرباء فيها تسعفنا ولا ماء صافيا يروينا، ولا نفط نوقد به مدافئنا، ولا غاز نطبخ عليه طعامنا. فكيف لنا أن نعيش في ظل دولة الخلافة؟

28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014

فيصل: فوضى دينار تنظيم "داعش" الذهبي

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption "داعش" يريد إلغاء العملة العراقية الرسمية ليحل محلها الدينار الجديد وسيحرم التعامل بالدولار وغيره

اغتسلت وتوضأت ولبست ملابس الجامع وذهبت الى صلاة الجمعة لأستمع إلى الخطيب وماذا يقول لنا في خطبته قبل الصلاة.

في خطبة الجمعة هذه، جرى الحديث عن دينار الذهب في العهود الاسلامية القديمة، وكيف كانت قيمة الدينار والتعامل به، وكيف ازدهرت التجارة في ذلك العهد.

وقال الخطيب إن "جماعة من الرجال المؤمنين الصالحين في تنظيم الدولة الإسلامية" ارتأوا سك عملة من ذهب وفضة ونحاس وطبع عملات ورقية بفئات عدة، سنراها قريبا في المصارف والأسواق. وإن جماعة منهم تكفلت بالعمل الدعائي ووثقت ذلك بالصور.

والهدف أن يكون الدينار"عملة المسلمين وأن تكون له هيبة وسطوة ونفوذ ضد الدولار الذي يطبع في دولة الكفر" حسب كلام خطيب الجامع مع العلم بأنها كانت خطبة موحدة من قبل تنظيم الدولة في جميع مساجد الموصل.

حيرة وارتباك

وعدت الى البيت قلقاً في حيرة من أمري، فانا صاحب عمل تجاري ولديّ ارتباطات حسابية خارجية وتعاملات مصرفية وتجارة مع دول أخرى. كيف لي ولغيري تداول هذه الفلوس وهي معترف بها فقط داخل حدود تنظيم الدولة المسيطر عليه.

العملة العراقية الرسمية ستحل محلها عملة "داعش" وسيحرم التعامل بالدولار وغيره. لا أدري ما عساني أن أفعل. جلست انا وأصدقاء لي ليلا في منزل احدهم وتحدثنا عن مصير أموالنا وأعمالنا.

الجميع وافق على ان نستبدل كل ما نملك من عملة عراقية لنحصل على قيمتها بالدولار، او نشتري مصوغات ذهبية كي نحافظ على رؤس أموالنا. نحن جميعا نرى أن خطة داعش ليست أمرا سياسيا أو دينيا بقدر ما هو اجرامي من اجل سرقة اكبر قدر ممكن من اهالي المدن الواقعة تحت سيطرة التنظيم وتجريدهم من أموالهم ومدخراتهم من قبل مسلحي داعش ومن يتبعهم.

وفي اليوم التالي شهدت الأسواق فوضى كبيرة، فالجميع يريد ان يحافظ على أمواله ويتخلص من الفلوس العراقية والحصول على الدولار أو الذهب بدلا منها.

وتوزع الناس بين من يسعى الى الدولار من يريد الذهب ومن يبتغي الاثنين معا، وهناك من يتمنى أن يبقى للوطن بقية. .

21 نوفمبر/تشرين الثاني 2014

فيصل: كان يا ما كان في بلادنا ماء وكهرباء

مصدر الصورة Reuters
Image caption تمتد معاناة العراقيين من شح المياه إلى مخيمات النازحين الذين أجبروا على ترك منازلهم في الموصل.

كان يا ما كان في قديم الزمان، كان في بلاد النهرين، بلاد النفط، كان هناك ماء وفير وكهرباء كثيرة، والآن في ظل دولة الخلافة نحن نعيش أصعب وأقسى أنواع الحياة، فلم يعد عدنا ماء كما كان، بسبب الانقطاعات المتواصلة لمضخات الدفع التي تتعطل بسبب انقطاع الكهرباء عنها.

لقد أخذت في تجميع مياه الأمطار في حديقة بيتي، كما جمعت والدتي مياه المطر المتساقط على سطح البيت عن طريق "المزاريب"، لكي نستفيد منها في الغسيل وتنظيف البيت، فالشتاء جاء قبل موعده والبرد ظالم لا يرحم أحدا.

والماء الدافئ من أهم متطلبات الحياة في شتاء العراق، ولكن من أين لنا هذا، وكهرباؤنا الوطنية لم نرها منذ شهر أو أكثر بقليل، وكل اعتمادنا في الكهرباء على تشغيل المولدات الخاصة التي تمتلئ بها مدينتي الحبيبة. ولولا المولدات لكانت الحياة مستحيلة، بالرغم من صعوبتها حاليا.

لقد فكرت مع أهالي منطقتي، وحفرنا بئرا إرتوازيا للحصول على المياه الجوفية، لكي تغطي حاجاتنا من المياه أثناء الانقطاع المستمر.

وأصبحت مسألة حفر الآبار في الموصل قضية تخص كل شخص في كل منطقة، فقد أخذ الجميع في المشاركة في هذا العمل للحصول على الماء، في بلاد النهرين.

والآن نخزّن أيضا مادة النفط الأبيض لتشغيل المدافئ، وهي مادة مفقودة من الأسواق، وأدى هذا إلى ارتفاع أسعارها ارتفاعا فاحشا، إذ يصل سعر البرميل إلى ما يقارب 250 دولارا، وإن كان السعر في الأسواق العالمية لا يتجاوز 100 دولار.

ولكن لاغرابة في ذلك، فنحن نعيش في أرض المعجزات، في العراق.

14 نوفمبر/تشرين الثاني 2014:

ميس: بدأ العام الدراسي في (ولاية نينوى)، وهو ليس ككل الأعوام

كانت التشديد على الهيئة الإدارية وعلى التلاميذ والطلاب هي الشغل الشاغل لجماعة الدولة الإسلامية.

ذو القرنين اسم جديد يطرق مسامع أهل مدينتي، ويزين تعميمات الدولة الإسلامية بتوقيعه في ذيل الكتب، بعتباره أعلى سلطة في هرم مديرية التربية بمحافظة نينوى.

مصدر الصورة Reuters
Image caption بعض مدارس العراق تحولت إلى مأوى للنازحين من الموصل بعد سيطرة تنظيم الدولة على المدينة.

وهو مصري الجنسية، وكان تركيزه الأساسي على فصل التلاميذ في المدارس الابتدائية عن بعضهم بعضا، بحيث تكون الإناث في بناية، والذكور في بناية أخرى، مع التنبيه على ضرورة لبس (النقاب والعباءة) للفتيات اللائي تبدو أجسامهن أكبر من سنهن. ولا يسمح للمعلمين الشباب بتدريس الطالبات، كما لا يسمح للمعلمات بتدريس الطلاب.

وكان هذا القرار بالغ الصعوبة من حيث التنفيذ، من قبل إدارات المدارس الحكومية بشكل عام، والمدارس الخاصة على وجه الخصوص. إذ إن المدارس الحكومية تمولها مديرية التربية، أو الوزارة مباشرة، وبإمكانها أن توفر لها كادرا نسائيا وكادرا رجاليا، وبناية للذكور وبناية للإناث، رغم صعوبة الأمر.

أما بالنسبة للمدارس الخاصة فهي مشروع علمي تجاري لمواطنين لا تتوفر لديهم تلك الإمكانات، لتوفير كادرين أو بنايتين. إذ إن كل ذلك سيؤدي إلى زيادة الأجور، وبالتالي سينخفض الإقبال على المدارس الخاصة، من قبل الأهالي، في زمن انعدم فيه العمل، وقلت مصادر الرزق، وأصبح الدينار عزيزا وغاليا.

إلغاء الفن

لقد غيرت جماعة الدولة الإسلامية مناهج التعليم، فلم تعد التربية الرياضية موجودة، واستحدث بدلا عنها التربية الجهادية. وهي مادة يتعلم التلاميذ والطلاب فيها حب الجهاد وكيفية الجهاد في سبيل الله. وألغيت مادتا التاريخ والجغرافية، ثم تراجعت الجماعة عن قرار الإلغاء.

وكذلك حذفت عدة نشاطات من مادة التربية الفنية، مع الإبقاء على الزخرفة والخط الإسلامي فقط. ومنعت الجماعة استخدام الأقلام الملونة و(التلوين) في المدرسة.

وهذه الأمور كلها تصعب من مهام الإدارة، بل تجعلها مستحيلة، خاصة في موضوع التعامل مع التلاميذ ومنعهم من ممارسة أشياء من قبيل الرياضة، والرسم بالألوان، تشكل كل حياتهم.

5 تشرين الثاني/ نوفمبر:

نزار: الذين فعلوا ما فعلوا بالمسيحيين لا دين لهم

لم يعد هناك بيت للمسيحيين في الموصل ألا وسكنه "الدواعش" أو نهبوا كل ما فيه من أثاث ومقتنيات. ولم يتركوا في بعض البيوت شيئا يذكر.

ومن احتل البيوت منهم وسكنها، يتصرف فيها وفي جميع محتوياتها بما في ذلك الملابس، وكأنها ملك صرف ورثه من أهله.

انتشر مسلحو "داعش" وقطنوا كل مناطق الموصل واعتبروا منازلها، بحسب قياساتهم، "غنائم حرب". وجعلوا من المسيحيين واليزيدين أعداء يستبيحون كل ما يتعلق بحياتهم.

لقد أصبح هؤلاء بسبب أفعالهم عبئاً على مناطقنا ويظهرون منظرا قبيحا فيها.

مصدر الصورة AFP

كم نشعر بالخجل من أصدقائنا المسيحيين والأيزيديين. لم يعد لدينا وجه نقابلهم به لم يعد لنا القدرة على الاتصال بهم حتى هاتفيا،، وكأنني أنا وأقربائي وأصدقائي، من ارتكبوا الجريمة النكراء بحق هؤلاء، لكني أعود وأقول لا ذنب لنا نحن في ذلك.

لقد قررت ان لا أتكلم او أبادر بالسلام على أي "داعشي" غاصب لبيت مسيحي من حولي. لم أعد قادرا القدرة على تحمل النظر اليهم الى وجوههم الممتلئة بالشر.

تأثير الغارات

لاحظت ما يفعله "الدواعش" القاطنين في المناطق السكنية اثناء شن غارة لقوات التحالف. أول ما يفعلونه يطفئون جميع الأنوار مباشرة في البيوت التي يحتلونها. ومنهم من يغادرها بالسيارات التي سرقوها الى جهات غير معلومة.

ومن ثم يعودون الى أماكنهم بعد انتهاء القصف. مرة تجرأ احد اصدقائي وسأل أحدهم في منطقته: لماذا انتم تفزعون اثناء القصف وتتركون محلات سكناكم؟

فأجابه بأنهم يخشون أن يستهدف القصف بيوت المسيحيين التي سكنوها، فقد يكون المسيحيون قد أبلغوا قوات التحالف عن مواقعها.

صديق اخر حاول الاقتراب من بيت يسكنه "داعشي" ومعه عائلته لمعرفة ماذا يحصل في البيت. لكنه لم يفلح في ذلك لأن الدواعش لا يتركون الباب مفتوحا ولا يتحدثون في حديقة البيت.

قررت ومعي اصدقائي بأن نحاول أن نعيد تأثيث بيوت أصدقائنا المسيحيين بعد ان تتطهر مدينتنا من الاوساخ والقاذورات لنبين للعالم أجمع ولأصدقائنا المسيحين بأن من فعل هذا بهم لا دين له.

24 أكتوبر/ تشرين الأول 2014:

فيصل: الضربات الجوية لم تغيّر شيئا والخوف تضاعف

مضى أربعة أشهر على فرض مسلحي "داعش" (تنظيم الدولة الاسلامية) سيطرتهم على المدينة. ومنذ ذلك الحين غير صديق لي محل سكنه وبات يختبىء بشكل دائم إذ كان يعمل حارسا خاصا لبعض القضاة الذين تركوا المدينة فور سقوطها.

لا يستطيع صديقي التحرك في شوارع المدينة فعناصر التنظيم منتشرون في كل مكان تقريباً. وينصب مقاتلوه بين الحين والآخر نقاط تفتيش لفحص هويات المارة بحثا عن المطلوبين وفق مقاييس "داعش" الذي يعتبر هؤلاء مرتدين أو مجرمين.

والمطلوبون بحسابات "الدواعش" هم العاملون في السياسة أو في الجيش والشرطة أو السلك القضائي أو في مجلس محافظة نينوى أوالمرشحون لعضويته وإن لم يفوزوا، أو ممن يعتقدون أنهم تسببوا في القبض على عناصر من التنظيم ومحاكمتهم قبل سقوط المدينة. لكن معظم هؤلاء فرّ خوفا من أحكام الإعدام التي قد يصدرها التنظيم ضدهم.

مصدر الصورة AP

وبسبب هذه الأفعال الإجرامية لعناصر التنظيم التي طالت المدنيين المسالمين البسطاء أصيب كثيرون بالذعر والفزع، خصوصا عندما يشاهدون أفعال هؤلاء وهم ينفذون أحكاما بالإعدام ضد ناشطين وحتى ناشطات في الطريق العام أمام أعين الناس.

ويرتدي عناصر هذا التنظيم اللباس الأسود ويطلقون لحاهم ويتركون شعرهم مرسلا وبعضهم يبدو وكأنه لم يستحم منذ زمن طويل. وفي كل يوم نراهم يكثرون في الشوارع يوما بعد يوم ويتمركزون ويثبتون مواقعهم، دون أن تسهم الضربات الجوية في تغيير الوضع على الأرض، ما تغير بالفعل هو حياتنا فقد تضاعف الذعر وأصبح الواقع الذي نعيشه كل يوم أكثر رعباً.

ميس: المسلحون يجوبون الشوارع والحياة صعبة للغاية

أعمل في التعليم في إحدى مدارس مدينتي الحبيبة الموصل. حالي مثل كثير من الأمهات العراقيات فأنا أعمل لمساعدة زوجي، ولو بالقليل، في تحمل الأعباء المادية وصعوبات الحياة وشدتها في زمن قاسٍ رغم غنى بلدنا.

ومع بدء عطلة الصيف، ومثل كل عام، قررت السفر إلى بغداد في زيارة للأهل والأقارب وحضور مناسبة عائلية خاصة في بداية حزيران/ يونيو.

وعقب انتهاء الحفل وبينما ما زلنا وسط الفرحة وأجواء الاحتفال والوجود وسط الأحباب، سمعنا بأنباء حظر التجوال في مدينة الموصل، وبدء القتال بين عناصر ما يسمى "الثوار" وكذلك مسلحي"داعش" (تنظيم الدولة الاسلامية) من جهة والقوات الحكومية من جهة أخرى.

وفي ذلك الوقت بدأت احاول التواصل مع زوجي بشكل يومي عبر الهاتف لمعرفة أخر الأخبار. وبسبب القلق، قضيت أسوأ ايام حياتي في بغداد المدينة التي كانت قد شهدت براءة طفولتي وأحلامي كامرأة في العشرينات وكنت سعيدة فيها سعادة لا توصف، ولم أتركها إلا عندما تزوجت وانتقلت إلى الموصل.

مرت أيام القتال الخمسة الاولى في رعب وجزع وخوف فكنت لا أعلم مصير زوجي الحبيب. وكان السؤال الذي يشغلني باستمرار هو: هل ستجمعني الأيام بزوجي مرة أخرى؟

ومع دخول ما يوصفون بـ "الثوار" أو "رجال الطريقة النقشبندية" ومسلحي "الدولة الاسلامية" إلى الموصل، بدأت أخطط مع زوجي لعودتي إلى المدينة، لكن لا طريق لذلك بسبب المعارك بين بغداد والموصل. وجميع الطرق كانت مغلقة بسبب احتدام القتال، وبسبب سقوط عدد من المدن خلال ساعات - وليس أيام - بعد انسحاب القوات الحكومية، وهو الأمر الذي فاجأ الجميع ولا يعرف أحد لماذا حصل.

وبعد عدة محاولات وبفضل اتصالات زوجي الواسعة في بغداد واربيل والسليمانية، تمكنا من حجز مستعجل لتذكرة طيران من بغداد إلى شمال البلاد. لكن العقبة الأخرى التي واجهتنا هي انني لم احضر هويات ابنائي معي لأننا جئنا للعاصمة عن طريق البر، ولا يمكن الحجز للسفر جوا دونها.

وبفضل الله تمكنت من الحصول على الاوراق عن طريق صديق غادر الموصل بسيارته ثم تمكن من الطيران من أربيل إلى بغداد. ومن ثم تمكنت من اصطحاب ابنائي وعدنا إلى أربيل جوا ومن ثم سافرنا براً إلى منزلنا في الموصل. وعند الوصول بعد منتصف الليل صليت وقررت الصيام ثلاثة أيام والبقاء حبيسة المنزل لعدة أيام محاولة الاعتياد على ما نعيشه من أوقات صعبة لن يسهل نسيانها.

وقد بدأت أدرك ما يحدث وصدمت بما شاهدته فقد كان المسلحون يجوبون شوارع المدينة في كل الأوقات. لكن الخوف كان يملأني لما تراه عيناي من مظاهر مسلحة في الشوارع بشكل غريب على الرغم من رؤية هذه المناظر من قبل مع وجود قوات الجيش والشرطة سابقا. لكني لم أعش لحظة دخول هؤلاء المسلحين كما عاشها زوجي وأهل المدينة. ولا تزال الحياة صعبة للغاية بشكل لم اعتده من قبل.

المزيد حول هذه القصة