على الجانب الآخر من عين العرب

مصدر الصورة AFP
Image caption نازحة تبكي مقاتل كردي قتل خلال المواجهات مع مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية.

تغطية مناظق النزاعات دون وجود مباشر في ساحة المعركة قد يسبب قدرا من الإحباط لدى المراسل الذي يريد نقل الأحداث من عين المكان، خصوصا لو كانت أحداثا مفصلية كتلك التي تعيشها المدينة السورية عين العرب/ كوباني.

ولكن هذا الإحباط يعتبر بسيطا إذا ما قورن بما يشعر به النازحون من سكان عين العرب أنفسهم الذين يتوجهون كل صباح إلى التل المشرف على مدينتهم والذي يقع على مسافة اقل من كيلومترين داخل الحدود التركية.

كثيرون منهم يقضون النهار وأحيانا الليل وأنظارهم صوب المدينة. ومنهم من استعان بالنواظير، يحاولون من خلالها لمحَ حيِهم أو حتى منزلِهم عبر الحدود. يفعلون ذلك وهم على يقين بأن أغلب بنايات المدينة دكتها بالكامل القذائف والصواريخ.

تحدثت إلى بعضهم أكثر من مرة خلال وجودي على ذلك التل.

أعرب أغلبهم عن أحاسيس متداخلة مثل الخوف على ذويهم وأحبائهم الذين ظلوا في المدينة، أو الندم على تركهم أمام تقدم عناصر الدولة الإسلامية. كما هناك أيضا شعور بالغضب حيال من تخلوا عنهم وتركوهم يواجهون مصيرهم، حسب تصور الكثيرين ممن قابلتهم.

"نشكر الأمريكان والألمان وأوروبا. أما العرب والأتراك، فحسبي الله ونعم الوكيل" حسب أحد النازحين. قال هذا بالرغم من اشتراك دول عربية عدة فيما يعرف بالتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

الروح القومية

لقد لمست بالفعل أن أحداث عين العرب/ كوباني قد أيقظت الروح القومية الكردية لدى العديد من الأكراد السوريين النازحين بل وبين الأكراد الأتراك أيضا.

ففي مدينة سروج الحدودية ذات الغالبية الكردية، وجدت أن أكراد سوريا لا يعاملون كأغراب هناك، بالرغم من العبء الاقتصادي الذي قد يشكله توافد عشرات الآلاف منهم على المدينة.

فهناك في سروج شبكة من التكافل والتضامن، تحاول استيعاب آلاف الأسر النازحة.

فهناك من يتولى توفير السكن، وهناك من يتولى توريد الأغطيةِ والأثاث، وهناك من يجلب ملابسَ وحليبَ الأطفال.

أما إطعام النازحين، سواء في المنازل أو في مخيمات اللاجئين، فهو مَهمَة جسيمة تتولاها منظمات كردية تركية ومتطوعون جاء بعضهم من مناطق بعيدة جدا كدياربكر أو بحيرة "وان" على بعد مئات الكيلومترات.

"دفعة كبيرة"

التقيت في سروج بناشط تركي كردي يدعى صبري ألتين يدير محلا للمعدات الكهربائية. كان قد صدر في حقه حكم بالإعدام تحول بعد ذلك إلى عقوبة سجن امتدت أحد عشر عاما.

قال لي إن أزمة عين العرب/ كوباني أعطت "دفعة كبيرة" لأكراد تركيا، الذين باتوا اليوم يحلمون بوطن قومي لهم، بعدما كان منتهى طموحِهم هو الحصول على نوع من الحكم الذاتي واعتراف بهم كأكراد وليس كأتراك الجبل كما كانت توصفهم السلطات التركية.

هذا الشعور المتنامي بالقضية الكردية لم يحركه فقط المعنيون. فالاهتمام الإعلامي بحصار عين العرب/ كوباني جعلها محط اهتمام ومتابعة العالم. وهناك أيضا مساهمة الحكومة التركية نفسها، للمفارقة.

فرفضُها التدخل ثم ترددُها الواضح في السماح للمقاتلين الأكراد بدخول عين العرب جعل أكراد تركيا يفقدون الثقة في عملية السلام التي كانت توشك على تحقيق انفراجة نسبية للمواجهة التركية الكردية منذ أكثر من ثلاثة عقود.

هذا ما قاله لي عدد من الأكراد السوريين والأتراك في مدينة سروج الحدودية التي بات أي توتر فيها ينذر بالانتقال سريعا إلى بقية أنحاء تركيا.

فمصير عين العرب/كوباني سيحدد الكثير من القضايا المعلقة بين أنقرة والأكراد.

المزيد حول هذه القصة