هل تسقط حلب في نهاية المطاف في يد الجيش السوري؟

مصدر الصورة AFP
Image caption يفرض الجيش النظامي السوري حصارا خانقا على المناطق التي لا يزال مسلحو المعارضة يسيطرون عليها في حلب

على جانبي شطري المدينة، يتوقع كثيرون الآن أنها مسألة وقت فقط قبل أن تسقط ثاني أكبر المدن السورية في يد الجيش السوري، ليسقط معها رمز من رموز الانتفاضة ضد حكم الرئيس بشار الأسد.

وقال عدنان حداد من "مركز حلب للإعلام" في اتصال معي عبر سكايب بعد أحدث زيارة قام بها إلى حلب إن الفترة الحالية تمثل "نقطة تحول".

هذه المساحة من الأرض لا تزال تخضع لسيطرة مجموعة من قوات المعارضة، لكن القوات السورية تحاصرها من جهات مختلفة لمنع خطوط الإمداد إليها في محاولة لإجبارها على الاستسلام والهزيمة.

وأوضح عدنان إن حلب هي "المدينة الكبيرة الوحيدة التي تسيطر عليها جماعات المعارضة المعتدلة، التي تحاول الإبقاء على جذوة الثورة".

لكن الزخم في حلب ينظر إليه حاليا على نطاق واسع بأنه يميل إلى صالح الجيش السوري، بدعم من مقاتلين من إيران ولبنان وأفغانستان، حسبما ذكرت تقارير.

مصدر الصورة AP
Image caption ضعفت صفوف مقاتلي المعارضة بسبب الاقتتال الداخلي، وفتح جبهات أخرى ضد تنظيم الدولة الإسلامية

وقال أحد المعلقين في المدينة في تصريح لي إنه "في العام الماضي، لم يكن واضحا إذا كان النظام سيقاتل بجميع الموارد والعزيمة الضرورية للإبقاء (على حلب)، لكن تمكن من ذلك".

وضعفت صفوف مقاتلي المعارضة بسبب الاقتتال الداخلي، وعانت من التشتت بسبب فتح جبهات أخرى ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي يسيطر على مساحات واسعة من شمال سوريا، من بينها مدخل استراتيجي لمدينة حلب.

عرضت علي مجموعة من الخرائط جمعتها إحدى وكالات المساعدات، والتي توضح التقدم المستمر الذي حققه مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية في الأشهر الأخيرة، بالرغم من الضربات الجوية المتتالية التي نفذتها دول غربية وعربية ضدهم.

وسيمثل هزيمة المزيد من القوى المعتدلة هنا ضربة قوية للمعارضة المدعومة من الغرب والتي كانت تنظر دائما إلى حلب باعتبارها نقطة انطلاق محتملة نحو الجنوب.

منطقة آمنة؟

وقال إدوارد دارك أحد الصحفيين القلائل الذين لا يزالون موجودين في المدينة في مقال له بصحيفة "آل مونيتور" إن "سقوط شرقي حلب على الأرجح بشكل كبير سيسرع من انهيار مذهل لصفوف المتمردين (المعارضة)، وسينذر بنهايتهم كعنصر فعال في الصراع الأهلي (في سوريا)".

ويعتقد البعض أن هذا قد يمهد الطريق لخطة جديدة من الأمم المتحدة لفرضة "منطقة آمنة"، تهدف إلى منع تفاقم أعمال العنف من خلال هدنة محلية وفتح المجال أمام تسليم المساعدات الإنسانية.

مصدر الصورة Reuters
Image caption خلفت المعارك الضارية في مدينة حلب دمارا شاملا لحق بالمنازل التي أصبحت غير قابلة للسكنى

لكن عدنان حداد اعتبر أن "خطة الأمم المتحدة مثيرة للجدل".

وقال إن "بعض المقاتلين يريدون تفادي حصار طويل وهم على استعداد للقبول بتجميد القتال، لكن آخرين يريدون مواصلة القتال".

ومن المؤكد أن الحكومة السورية، وهي تستشعر قرب انتصارها، سترفض وقف زحف قواتها إلا بعد "تجميد" الموقف لصالحها تماما.

وخلال زيارتنا لمدينة حلب هذا الأسبوع، اصطحبنا الجيش إلى خطوط المواجهة الأولى في المنطقة التي خرج منها مسلحو المعارضة مؤخرا.

وفي منطقة العرقوب، تبرز المنازل المهجورة مظاهر الدمار الذي وقع نتيجة للمعارك الأخيرة، بينما كان هناك عدد قليل من العائلات لا يزال يعيش داخل بعض المجمعات السكنية التي أصبح العيش فيها صعبا.

وفي حديثي مع وائل، وهو مراهق في السادسة عشرة من عمره ممن يعيشون في تلك المنطقة، قال لي: "لا يمكننا تحمل نفقات المعيشة في مكان آخر."

قال ذلك وهو يسير متخطيا تمركزا عسكريا سوريا بينما كان يحمل أكياسا مملوءة بالمواد الغذائية التي أحضرها من أحد الأحياء المجاورة لأفراد عائلته التي تنتظره.

وأضاف وائل: "كانت هناك اشتباكات عنيفة، إلا أن الوضع أصبح أفضل، والآن ستجد الجنود يقفون حتى خارج منزلنا."

مصدر الصورة Reuters
Image caption لا يزال هناك 300 ألف شخص، بينهم الأطفال، يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في مدينة حلب

كما استعادت القوات النظامية السورية أيضا منطقة الشيخ نجار الصناعية، الواقعة في الطرف الشمالي من المدينة.

وتحولت تلك المنطقة إلى أرض مهجورة تضم مصانع محترقة وأكواما من العوارض المعدنية الملتوية.

وكان أحد المخازن القريبة لا يزال يحمل الراية السوداء لجبهة النصرة، بينما غطيت جدران ذلك المكان بالرسوم.

أما فارس الشهابي، الذي أعيد انتخابه مؤخرا كرئيس للغرفة التجارية في مدينة حلب، فيؤكد على أن "التجول هناك يعتبر انتحارا".

وتقوم هذه الغرفة التجارية بأعمالها في الوقت الحالي من منزل فخم داخل أحد الأحياء الراقية وسط المدينة.

وكان مقرها الرئيسي قد دمر بالكامل بمتفجرات كانت موجودة داخل أحد الأنفاق الهامة التي تمر تحت المبنى وكانت قوات المعارضة تستفيد منها بشكل كبير.

براميل متفجرة

وفي الطريق إلى المنطقة الصناعية، كان يجري تحويل طريق المركبات لتمر من خلال ثكنات عسكرية لتفادي نيران القناصة.

ويقول الشهابي إنه وجد داخل مصنعه المدمر مليئا بالأوراق وغيرها من المواد، حيث كان مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية يستخدمونه "كمركز إعلامي".

وقال: "نريد من الجيش أن يجهز عليهم جميعا، لقد لقي أهالي حلب ما فيه الكفاية."

مصدر الصورة AFP
Image caption تسبب استخدام النظام السوري للبراميل المتفجرة في إحداث دمار شامل بالمدينة وسقوط أعداد لا حصر لها من المدنيين

وتساءلت عن استخدام الحكومة للبراميل المتفجرة التي لا تفرق بين مدني أو مسلح، والتي تسببت بالفعل في سقوط أعداد لا حصر لها من المدنيين.

فأجابني بأنه "وبالرغم من سقوط بعض الضحايا من المدنيين للأسف، إلا أن تلك القنابل تستهدف جميع الإرهابيين"، وعد أمامي قائمة من الأعداء ضمت تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة.

وفي جامعة حلب، حيث بدأت انتفاضة هذه المدينة السورية بمظاهرات سلمية خرجت عام 2012، نقل سكن الطلبة بالجامعة إلى أحد الأحياء التي تؤوي المهجرين.

ويعتبر هذا الحي في الوقت الحالي مأوى لـ 40 ألفا ممن تمكنوا من الفرار من مناطق أكثر خطورة في المدينة.

وانتقل التجار إلى تلك الأحياء داخل متاجر صغيرة يبيعون فيها المواد الغذائية والملابس رخيصة الثمن، كما توجد هناك أيضا بعض ألعاب الأطفال.

بينما تقف دنيا، تلك المعلمة الشابة ذات العينين البراقتين والابتسامة المشرقة، لتجمع حولها عددا كبير من الأطفال ويغنوا معا بعض الأغاني التي تثير لديهم الحماسة.

إلا أنه وداخل أحد الممرات الضيقة المظلمة، توجد هناك غرفة صغيرة تضم سريرين مزدوجي الأدوار يقيم فيها أم مع بناتها الثلاث وأخيهن.

وقالت الأم متنهدة: "لقد تعبت جدا، لا أريد سوى أن تعود الأوضاع إلى طبيعتها. كل الأمور سيئة الآن."

طاقة متضائلة

مصدر الصورة Reuters
Image caption تتزايد كل يوم صعوبة نقل المؤن إلى المناطق التي لا يزال يسيطر عليها مسلحو المعارضة

وقد فر حوالي 400 ألف سوري إلى الجانب الأكثر أمنا من المدينة، لكن يقدر أن 300 ألف شخص ما زالوا يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها مسلحو المعارضة.

وما زال الطعام متوفرا، لكن الحصار يخنق المدينة، والأسعار في ارتفاع، وما يتوافر للناس يكفي بالكاد للبقاء على قيد الحياة.

ويقول ماثيو هولينغوورث، رئيس برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في سوريا: "نطالب الحكومة بأن تسمح لنا بالوصول لكل المناطق."

وقد نجحت الوكالات الأممية، بالتعاون مع جمعية الهلال الأحمر السوري، مؤخرا في اختراق جبهات الحرب، إلا أنه ما زال اختراقا محدودا.

وما زالت طرق حي غرب حلب تحدها الأشجار، وتتواجد بها المطاعم الفاخرة التي تقدم أكلاتها الشهية.

لكن الكهرباء تتوافر لساعات قليلة على مدار اليوم، سواء كنت تعيش في أي من جانبي المدينة.

كذلك تتضاءل طاقة سكانها للاستمرار في قتال فاقت تكلفته كثيرا ما توقعه أي منهم.

وفي الحرب السورية السوداء، يلقي مصير حلب الآن بالكثير من الظلال.

المزيد حول هذه القصة