هل تمثل تونس نموذجا يحتذى في العالم العربي؟

مصدر الصورة Getty
Image caption حزب النهضة الإسلامي في تونس حظي بإشادة لتبنيه نهجا سياسيا بناء

حينما يدلي التونسيون بأصواتهم في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية في وقت لاحق من هذا الشهر، ستكون هذه المرة الرابعة التي يتوجهون فيها لصناديق الاقتراع منذ سنوات عديدة.

لم تطلق تونس فقط شرارة الربيع العربي، لكنها تقود الطريق في التطور الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

أطلق مرشح الرئاسة الباجي قايد السبسي البالغ من العمر 88 عاما، حملته معتمدا على عاملين رئيسيين وهما الخبرة ومناهضة الإسلاميين.

وقد حاز حزب "نداء تونس" الذي ينتمي إليه السبسي على دعم اكثيرين من أنصار نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي أطيح به من السلطة عام 2011.

ورغم أن السبسي هو مرشح الحزب، فإن منافسه الرئيس الحالي منصف المرزوقي هو سياسي يساري ومعارض سابق أكد أن أولويته تتمثل في الحفاظ على الثورة.

وبالنظر إلى أنه ينحدر من جنوب تونس المحافظ والأشد فقرا، فإن المرزوقي على الأرجح سيحصد أصوات الإسلاميين.

حصل السبسي في الجولة الأولى على 39 في المئة من الأصوات، بينما حاز الرئيس الحالي المرزوقي على 33 في المئة.

ولا يعرف حقا كيف ستكون نتيجة جولة الإعادة في هذه الانتخابات.

وأيا تكن النتائج، فإن تونس تؤكد بقوة أنها تعاملت مع تداعيات الربيع العربي بصورة أفضل من أي دولة أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وبعد أن خرج محتجون إلى الشوارع في سوريا واليمن وليبيا، كانت النتيجة فوضى وحرب أهلية.

في مصر، تُتهم الحكومة الحالية المدعومة من الجيش باتباع سياسة أكثر قمعا من سياسات نظام الرئيس السابق حسني مبارك.

وهناك أماكن أخرى لم يصل إليها الربيع العربي مطلقا حتى الآن.

فعلى سبيل المثال، رفضت الأسرة الملكية في البحرين مطالب التغيير على أساس أن البلد ليس مستعدا للديمقراطية.

وهناك أسباب عديدة توضح لماذا أن تونس أفضل حالا.

أقلية من المتشددين

وعلى عكس العديد من نظرائه في الشرق الأوسط، فإن الجيش التونسي دأب على أن ينأى بنفسه عن السياسة.

وساعد التوزيع السكاني للإسلاميين في أن تتمتع تونس بوضع أفضل، فبالرغم من وجود عناصر سلفية متشددة في هذا البلد، فإن عددهم قليل.

بالإضافة إلى ذلك، فإن أغلبية البلد من السنة، وهو ما يساعده في تجنب انقسامات طائفية قد تزعزع استقراره.

ويعني التقارب الثقافي الوثيق بين العديد من التونسيين، خاصة أولئك الذين يعيشون بالقرب من الساحل، وفرنسا أن هذا البلد يميل إلى الاتجاه نحو الغرب وليس الشرق في استلهام مساره السياسي.

لكن حزب النهضة الإسلامي المعتدل، وهو فرع الإخوان المسلمين في تونس، يجب أن ينسب إليه بعض الفضل في الوضع الأفضل الذي تتمتع به تونس.

حينما فاز حزب النهضة بالانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2011 عقب انتفاضات الربيع العربي، أعرب بعض التونسيين عن خشيتهم من أن الحزب سيفرض عليهم حكومة إسلامية.

مصدر الصورة EPA
Image caption السبسي ينتمي إلى حزب "نداء تونس" ويلقى تأييد أنصار الرئيس المخلوع بن علي الذي أطيح به من السلطة عام 2011.

ولم يثق الكثيرون في تطمينات الزعيم الروحي للحزب راشد الغنوشي بأنه بالرغم من رغبته في تطبيق نظام سياسي إسلامي، فإنه سيطبقه فقط إذا تمكن من إقناع التونسيين بفوائده.

لكن نظرة المتشككين ثبت خطؤها، ففي حين أن البعض كان مترددا في مساره في دول أخرى، حافظ حزب النهضة على وعده للتونسيين.

وبالرغم من الانتصار الذي حققه عام 2011، فقد سلم الحزب السلطة إلى حكومة تكنوقراط مؤقتة لإدارة الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وقدم تنازلات.

وبالرغم من نصوص الشريعة في دساتير العديد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، فإن حزب النهضة تخلى عن هذا الشرط في الدستور التونسي الجديد، الذي نص على أن "الشعب هو مصدر جميع السلطات".

وترجع المرونة التي أبداها النهضة بدرجة ما إلى مصالح ذاتية يبتغيها الحزب ذو التوجهات الإسلامية.

نهج حذر

وبعد أن رأى النهضة قادة جماعة الإخوان المسلمين يتلقون أحكاما بالإعدام في مصر، تبنى الحزب موقفا حذرا، إذ أن أعضاءه لديهم مخاوف حقيقية بأن الأمر قد ينتهي بهم في غياهب السجون مرة أخرى.

وواجه حزب النهضة صعوبات بسبب وضعه كأقلية سياسية في تونس.

في عام 2011، حصل الحزب على 37 في المئة من الأصوات، وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تراجع الدعم الذي حصل عليه من الناخبين إلى 25 في المئة.

في المقابل، فازت جماعات الإخوان المسلمين والأحزاب السلفية في مصر معا بـ 68 في المئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي جرت عامي 2011 و2012.

ويعتقد البعض أن حزب النهضة ربما أصبح حالة مشابهة للأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا.

لكن آخرين ممن يتشككون بشدة في أهداف الإسلاميين طويلة المدى يرفضون مثل هذه الرؤى ويصفونها بأنها ساذجة.

يخفى هذا التجاذب بشأن دور الإسلام في السياسة قضايا أساسية أخرى.

ذكر صحفيون كانوا يتابعون حملة الانتخابات الرئاسية أن معظم التونسيين كانوا مهتمين بقضايا الاقتصاد أكثر من الدين.

وكان العديد من التونسيين الذين ينتمون للطبقة الوسطى يتمتعون بوضع مقبول في نظام بن علي، إذ حصلوا على وظائف آمنة كانت توفر لهم دخلا كافيا لتلبية احتياجات أسرهم.

وليس فقط الأثرياء هم من يتوقون إلى النظام الاقتصادي القديم.

وسقط بن علي في نهاية المطاف لأنه لم يتمكن من توفير وظائف للشباب من ذوي المؤهلات التعليمية العليا في تونس.

ولا يمتلك أي من السياسيين الحاليين في تونس خطة ذات مصداقية يمكن أن تعالج هذه المشكلة.

ويقول مسؤولون اقتصاديون دوليون يقيمون في تونس إنه يمكن إطلاق نشاط اقتصادي كبير من خلال كسر الاحتكار التجاري الذي ترعاه الدولة والذي يصب حاليا في صالح العائلات الراقية والبارزة.

لكن حتى مثل هذه الإصلاحات البسيطة، ناهيك عن الإصلاحات الأخرى الأكثر تعقيدا، تبدو أنها بعيدة المنال بالنسبة للجيل السياسي الجديد في حقبة ما بعد بن علي.

مخاوف بشأن الاستقرار

هناك أسباب تدعو للقلق بشأن استقرار تونس.

إذا خسر السبسي في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية، فإن القوى المختلفة التي انضوت معا تحت مظلة حزب نداء تونس قد ينفرط عقدها.

وهناك أيضا مخاوف من أن الفوضى في ليبيا المجاورة قد تشجع السلفيين على لعب دور أكثر فاعلية على الساحة في تونس.

لكن بالرغم من كل مواطن الضعف التي تهدد الوضع التونسي، فإن المكاسب الديمقراطية التي حققها هذا البلد كانت مذهلة.

ويثير سجل حزب النهضة تساؤلات بشأن ضرورة أن تكون النظرة إلى جماعة الإخوان المسلمين أوسع.

تصنف مصر وسوريا والسعودية والإمارات والبحرين جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا.

وأجرت بريطانيا مراجعة شاملة في أنشطة وأفكار وسياسات الإخوان المسلمين. ورغم أن نتائج المراجعة لم تعلن بعد، فإن التسريبات تشير إلى أنها جماعة لا تنتهج العنف بشكل كبير ولا يجب وصفها بالإرهاب.

وأثار هذا اتهامات بأن بريطانيا لم تدرك المخاطر التي يشكلها الإسلام السياسي.

وإذا كان الأمر قد استغرق قرونا استخدم خلالها نهج سياسي اتسم بالعنف في أغلب الأحيان للحد من سلطة الكنيسة في الغرب، إذن لماذا لا تريد العواصم الغربية دعم الأنظمة التي تبذل جهدا مماثلا لإبعاد الدين عن السياسة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

من جانبهم، يشكو الإسلاميون من أن القوى الغربية لا تقدم دعما يذكر للعملية الديمقراطية.

حينما فازت الأحزاب الدينية بالانتخابات في الجزائر وقطاع غزة، رفض الغرب الاعتراف بالنتائج.

حتى في مصر، فقد قبل الغرب على ما يبدو بحكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي التي ينظر إليها على أنها حكومة مستبدة وسط ارتياح واضح.

ويشير تراجع شعبية حزب النهضة بين عامي 2011 و2014 إلى أن أولئك الذين يخشون من الإسلام السياسي، سواء في أوروبا الغربية أو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يجب أن يتحلوا بقدر أكبر من الصبر.

مصدر الصورة AP
Image caption الرئيس الحالي المرزوقي هو سياسي يساري ومعارض سابق لنظام بن علي المخلوع

مشاكل مستقبلية

سيتجاوز حجم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على الأرجح جهود أي حكومة مهما كانت الأسس الأيديولوجية التي تتبناها.

وبمجرد وصولهم للحكم، فإن الإسلاميين على الأرجح سيفشلون تماما مثل أي شخص آخر.

يفتقد قادة الأحزاب الإسلامية السائدة، والذين قضى العديد منهم سنوات في السجن، في أغلب الأحيان المعرفة والمهارة الكافية لإدارة الوزارات الحكومية الحديثة.

وتسبب الحكومات الأكثر تشددا قدرا أكبر من المشاكل لنفسها.

وتبنت الحكومات التي قادها متشددون في أفغانستان وغرب باكستان والآن أجزاء من العراق وسوريا نهجا أكثر وحشية، ما دفع كثيرا من المتعاطفين المحتملين للتراجع عن دعمهم لهذه الحكومات.

لكن بالنسبة للعديد من معارضي الإسلام السياسي، فإن المسألة الرئيسية تتمثل فيما إذا كان الإسلاميون فور وصولهم للسلطة سيجرون انتخابات حرة ونزيهة يمكن أن تسفر عن هزيمتهم.

بالتأكيد، العديد من السياسيين العلمانيين في المنطقة غير مستعدين لإعطاء الإسلاميين هذه الفرصة.

فهل هناك أي سبب يدفع للاعتقاد بأن الإسلاميين سيتصرفون بصورة أفضل؟

من الصعب التعميم في هذا السياق، فالإخوان المسلمين لديهم تاريخ للسماح بالتنظيمات على المستويات المحلية بأن تمضي في طريقها وتحدد خياراتها.

لكن في تونس، فاز الإسلاميون بالسلطة وأثبتوا استعدادهم للتخلي عنها.

وهذا واحد من الأسباب الرئيسية في أن التطور الديمقراطي لهذا البلد لا يزال على مساره الصحيح.

المزيد حول هذه القصة