تحديات تعترض الدوحة في قمتها

مصدر الصورة BBC World Service

أثار قرار لم يعلن رسميا بتقليص مدة قمة قادة مجلس التعاون الخليجي في العاصمة القطرية الدوحة من يومين الى يوم واحد الكثير من التساؤلات، خاصة وأن جدول اعمال الاجتماع حافل بالكثير من القضايا الاستثنائية، ليس على مستوى العلاقات داخل البيت الخليجي الذي عصفت به خلافات غير مسبوقة العام الحالي، وإنما بالنظر لتعاظم التحديات التي تواجه المنطقة، والتي يستشعر قادة الخليج ان دولهم لم تعد بمنأى عنها.

وأثيرت شكوك كبيرة الشهر الماضي بشأن إمكانية انعقاد القمة في الدوحة، بسبب اتهام كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين لقطر بـ "العمل على تقويض أمنهم الداخلي" على خلفية اتهامهم لها بدعمها تيارات الإسلام السياسي وعلى الأخص "الإخوان المسلمين".

جسر الهوة

ونجحت قمة طارئة جمعت قادة المجلس في الرياض منتصف الشهر الماضي في إنقاذ قمة الدوحة، حيث اتفق الجميع على خارطة طريق سميت "اتفاق الرياض التكميلي" لم تنشر تفاصيله رسمياً،.وتوج ذلك بقرار بعودة سفراء كل من السعودية والإمارات والبحرين إلى الدوحة.

ويفترض أن الاتفاق جاء تكملة لاتفاق لم ينفذ، أصطلح على تسميته "اتفاق الرياض" وفي بعض الأحيان "وثيقة الرياض"، تم التوصل إليه في نوفمبر تشرين الثاني العام الماضي.

وكنتيجة لعدم الإلتزام ببنوده، حسب ما أعلن في حينه، سحبت كل من السعودية والإمارات والبحرين سفرائها من الدوحة في مارس آذار الماضي.

نص الاتفاق - الوثيقة لم ينشر رسمياً على الاطلاق، وأشارت الكثير من البيانات التي تلته إلى ضرورة تطبيق بنوده دون الكشف عنها.

لكن الكثير من التسريبات غير الرسمية قالت إنه يتضمن التزام قطر بالتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج والدول الاخرى، وعدم تجنيس مواطنين من دول المجلس، وكذلك إبعاد كل العناصر المعادية لدول المجلس والمطلوبة قضائيا عن أراضيها خصوصا جماعة الاخوان المسلمين، وايضاً وقف الحملات الإعلامية.

وكانت مصادر في الفرع المصري لحركة الإخوان المسلمين قد اكدت طلب قطر من سبعة من قيادات التنظيم مغادرة الدوحة في سبتمبر أيلول الماضي.

لكن جولة سريعة في افق القضايا الخلافية العالقة بين دول المجلس تبين أن الكثير من الملفات لم يتم حسمها بعد، خاصة تلك التي تتعلق بالأزمات الكبرى التي تشهدها دول عربية كمصر وليبيا واليمن، والتي باتت جزءاً لا يتجزأ من الأمن الإقليمي الخليجي.

مصر اولاً

منذ إسقاط المؤسسة العسكرية لنظام الإخوان المسلمين في مصر في يونيو حزيران عام 2013، واعتقال قيادة التنظيم، بدأت الخلافات تظهر للعلن بين أركان البيت الخليجي.

إذ أعلنت كل من السعودية والإمارات دعمهما للإطاحة بحكم الإخوان بقيادة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي الذي ترشح لاحقاً لمنصب رئيس الجمهورية.

وعارضت قطر ما وصفته بالانقلاب على الشرعية، وفتحت أبوابها لاستقبال الكثير من مسؤولي وأعضاء التنظيم والحكومة المقالة.

وحرصت على إفراد مساحات كبيرة من تغطية قنواتها الإعلامية للحديث عما تقول إنه انتهاكات ترتكبها أجهزة الأمن والجيش بأوامر من الرئيس السيسي.

وبعد قمة الرياض الشهر الماضي، أشار العاهل السعودي الملك عبد الله إلى أن الاتفاق أكد "حرص الجميع على الوقوف إلى جانب مصر" و"التطلع إلى بدء مرحلة جديدة من الإجماع والتوافق". ودعا القيادة المصرية الجديدة لإنجاح هذا المسعى. قوبل الأمر بتأييد القاهرة التي أكدت في بيان رئاسي على التجاوب الكامل مع دعوة الملك عبد الله.

ولكن حتى اليوم لا يبدو أن خطوات جدية قد اتخذت لإزالة التوتر بين مصر وقطر، ويتضح حجم الهوة لدى استعراض ما تزال تبثه وسائل إعلام قطرية خاصةً بعد تبرئة أبرز رموز النظام السابق مؤخراً من تهم قتل وفساد، في مقدمتهم الرئيس المخلوع حسني مبارك.

وليس من الواضح كيف سيكون مستقبل العلاقة بين الدوحة وتنظيم الإخوان المسلمين التي تضغط دول خليجية وعربية لقطعها نهائياً.

ويرى محللون تحدثوا لبي بي سي أنه من الصعب جداً الرهان على فك الارتباط بين قطر والتنظيم، كونه الرافعة التي استطاعت من خلالها هذه الدولة الخليجية الصغيرة جغرافيا لكن الغنية جداً، أن تفرض حضوراً سياسياً كبيراً في المنطقة خلال العقدين الماضيين.

وكان تنظيم الاخوان المسلمين قد حقق حضورا لافتاً عقب الثورات العربية التي أطاحت بالنظام التونسي والمصري والليبي عام 2011، إلا أنه سرعان ما فقد مكاسبه في غالبية هذه المناطق.

إذ بعد إسقاط حكمهم في مصر، ضيق الجيش بشدة على حركة "حماس" في قطاع غزة بعد اتهامها من قبل حكام مصر الجدد بدعم حكم محمد مرسي.

كما خسر الإخوان في الانتخابات النيابية في ليبيا ما أدى لاحقاً لاقتتال لا يزال مستمراً بين برلمانين وحكومتين شرقي وغربي البلاد.

وفي تونس، إستطاع حزب "نداء تونس" الفوز بالغالبية النيابية على حساب حزب "النهضة" الذي كان حقق انتصاراً كبيراً في الانتخابات الأولى التي أعقبت الثورة.

رئاسة قطر

لكن كل ذلك لم ينعكس تغييرا على السياسة القطرية بحسب ما يقول منتقدوها، إذ لا تزال الدوحة متهمة بدعم الإخوان سياسياً وعسكرياً وإعلامياً في كل هذه المناطق.

وبحسب الأمين العام لمجلس التعاون عبد اللطيف بن راشد الزياني فإن جدول اعمال القمة يتضمن بحث "تصاعد خطر التنظيمات الإرهابية المتطرفة وحالة عدم الاستقرار وانعدام الأمن في بعض الدول الإقليمية وتزايد التدخلات الإقليمية في الشؤون العربية".

ورغم ما يعكسه حديث الزياني من توافق حتى فيما يتعلق بتصاعد خطر التنظيمات الإرهابية، إلا أن التدقيق في العبارة سيذكر على الفور بأن الأمر لا يتعلق فقط بتنظيم "الدولة الإسلامية" وفروع "القاعدة"، وإنما ايضا بتنظيم "الإخوان المسلمين" المصنف “إرهابيا" من قبل كل من السعودية والبحرين.

وهو أمر لم يتضح بعد كيف ستتعامل معه قطر التي ستتسلم قيادة المجلس للعام المقبل، إلا أنه من المؤكد أن فترة رئاستها ستشكل تحديا كبيرا للأمير تميم بن حمد آل ثاني للعبور بالمجموعة الخليجية إلى بر الأمان في خضم أزمات غير مسبوقة يشهدها المحيط الاقليمي لشبه الجزيرة العربية برمته.

توافقات عامة

ويفترض أن تتطرق القمة الى بقية الملفات الشائكة التي تعصف بالمنطقة، خاصة في اليمن والعراق وسوريا، بالإضافة للملف النووي الإيراني والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتتخذ دول المجلس مواقف متقاربة في العموم إزاء غالبية هذه الملفات، ويتوقع أن تعيد التأكيد عليها خلال القمة الحالية.

كما يتوقع أن تقر القمة العديد من المشاريع الاقتصادية المشتركة بين بلدان مجلس التعاون، خاصة فيما يتعلق بالسوق الخليجية المشتركة ومشروع الربط المائي وإنشاء سكة الحديد وتكاملها مع شبكات السكك الحديدية في دول المجلس.