المصريون يدفعون ثمن الاحتجاج

مصدر الصورة Reuters
Image caption اعتقل ألاف الأشخاص في حملة على المحتجين المناهضين للحكومة منذ 2013

"يطلقون عليه اسم ’يوسف الإرهابي‘، ولذا عندما أزوره في قسم الشرطة أقول لهم إني والدة الإرهابي. ماذا عساي أن أقول؟"

بتلك الكلمات بدأت أم يوسف حديثها عن نجلها البالغ من العمر 15 عاما، والذي اعتقل في سبتمبر/أيلول الماضي وهو في طريقه إلى المدرسة.

ومنذ ذلك الحين، يقبع يوسف في قسم الشرطة بمدينة الفيوم جنوب القاهرة، ولم يحدد موعد محاكمته حتى الآن.

ولم تعرف أم يوسف مكان اعتقال نجلها لمدة أربعة أيام بعد اعتقاله. وقال يوسف إنه تعرض للضرب والصعق بالكهرباء أثناء التحقيقات.

ويواجه يوسف اتهامات بتفجير كشك في المدينة، واعترف بتلك الاتهامات بعد الأيام الأربعة التي قضاها في قسم الشرطة.

ونفى اللواء أبو بكر عبد الكريم، أحد مساعدي وزير الداخلية، وجود تعذيب أو صعق بالكهرباء في أقسام الشرطة المصرية.

وأضاف أنه " لو حدث ذلك، فسيقدم ضباط الشرطة للمساءلة."

السبيل الوحيد أمام المحتجين

تمكنت ياسمين حسام الدين، محامية يوسف، من رؤيته في اليوم الخامس لاعتقاله، وتظهر صورة التقطتها له وجود خدوش على وجهه. وتقول ياسمين إنه لا يوجد دليل على إدانة موكلها.

وقتل والد يوسف أثناء فض اعتصام مناهض للحكومة بالقوة في العاصمة المصرية القاهرة عام 2013. وتعتقد أم يوسف أن هذا هو السبب وراء اعتقال نجلها – لأن الشرطة تخشى أن يثأر لوالده.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption المحامية ياسمين حسام الدين تنتقد قانون التظاهر بشدة

وتقول أم يوسف إن أسرتها لا تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة حاليا في مصر، ولكن عندما سألتها عما إذا كانت تشارك في المسيرات الأسبوعية للجماعة سكتت برهة ثم قالت: "في الواقع، نعم أشارك ولن أكذب لأن هناك نار بداخلي وأشعر بأن الناس مثل عائلتي ليس لهم حق في الحياة وبأن الاحتجاج هو السبيل الوحيد الذي يثير انتباه السلطات".

لكن الاحتجاج في مصر أصبح محفوفا بمخاطر جمة، وأصدرت الحكومة قانونا في نهاية 2013 يلزم المتظاهرين بالحصول على تصريح من وزارة الداخلية قبل تنظيم أي احتجاج.

ويرى نشطاء أن هذا القانون يهدف إلى حظر التظاهر، وألقى القبض على مئات الأشخاص بموجب هذا القانون ويواجهون المحاكمة أو السجن.

ومع ذلك، يقول اللواء عبد الكريم إن القانون "صدر للسيطرة على الوضع الأمني ومواجهة العنف من جانب المتظاهرين غير السلميين."

وأضاف: "إنه لا يحظر التظاهر، وإنما يعطي الحق في التظاهر لكن في إطار الحفاظ على السلمية".

نظام غير فعال

وتقول ياسمين حسام الدين، أحد أفراد فريق الدفاع عن حالتين في القاهرة تواجهان تهما باختراق قانون التظاهر: "يواجهون تهما بأنهم لم يحصلوا على تصريح للتظاهر، لكن من غير المنطقي أن أطلب تصريحا للاحتجاج على قانون منع الاحتجاج!"

ومن بين المتهمين يارا سلام، وهي محامية حقوقية وباحثة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ألقي القبض عليها وهي تشتري زجاجة مياه من كشك بالقرب من تظاهرة، حسب والدتها، راوية صادق، ومحاميتها.

وفي ظل تضييق الخناق على المنظمات غير الحكومية، تعتقد والدتها أنها قد اعتقلت بسبب عملها في مجال حقوق الإنسان.

وتقول: "أغضب حقا عندما أتذكر دائما أنهم اعتقلوها بالقوة وهي بمفردها."

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption أحيلت المحامية والناشطة الحقوقية يارا سلام (في الخلف، اليسار) للمحاكمة مع 22 متهمين آخرين

وصدر حكم قضائي بسجن يارا و22 متهمين آخرين ثلاث سنوات والوضع تحت المراقبة ثلاث سنوات أخرى، قبل أن يخفف الحكم إلى عامين بعد الاستئناف. ويعمل المحامون الآن على تقديم استئناف أخر.

ويتسم نظام العدالة في مصر بالبطء والبيروقراطية، وهو ما تسبب في مشاكل لسنوات عديدة، حسب ياسمين حسام الدين.

ولا تستعين أغلب الأعمال القضائية بالحاسبات، ومن ثم تخضع عملية اتخاذ القرارات اللوجستية لأفراد من القضاة.

وأحيانا يسمح للصحفيين بحضور الجلسات وبدخول الكاميرات والهواتف وأحيانا أخرى لا يسمح بذلك.

وفي كثير من الأحيان يمنع أفراد الأسرة من الدخول، لكن راوية صادق كان لديها تصريح صحفي للدخول يوم محاكمة ابنتها يارا.

وقالت الأم: "القفص الذي يوجد به المتهمون مصنوع من شبكة حديدية سميكة بحيث لا يمكن رؤيتهم بسهولة. رأيتها وكانت غاضبة ولم أكن أعرف ماذا أفعل. كنت أريد أن أحتضنها وأهدئ من روعها، لكنها قالت ’لا تبك يا والدتي ولا تنزعجي‘."

وأضافت: "قبلت أصابعها التي أخرجتها من بين القضبان الحديدية ولم أكن أعرف ما يتعين علي القيام به."

ثورة قادمة ضد القضاء

بعد ثورة 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك، اعتقد النشطاء في مصر أنهم حصلوا على الحرية. لكنهم يشعرون الآن أن هذه الحرية سلبت منهم.

وتعتقد ليلى سويف، التي تعتقل ابنتها الصغرى سناء سيف مع يارا سلام، أن الموجة الثورية الجديدة ستكون ضد القضاء.

وتقول: "يعرف الناس أن الشرطة قمعية، لكن القمع الجديد يأتي من القضاة."

ويحرص اللواء عبد الكريم على التأكيد على أن النظام القضائي يعمل بشكل صحيح، قائلا: "تصدر المحكمة حكمها بناء على الأدلة والوثائق."

ويضيف: "عندما يحال متهم إلى القضاء فهذا يعني أن التحقيقات أظهرت أن هذا الشخص ارتكب جريمة، وتم الإفراج عن عدد كبير بعد اعتقالهم أو محاكمتهم."

وترى محامية يوسف أن هناك أمل في التغيير.

وتقول ياسمين حسام الدين: "كل ما أحلم به الآن هو الإفراج عن المتهمين، كما أحلم بوجود قضاء غير مسيس. يمكن تحقيق كل ذلك إذا كان لدينا إصرار بما يكفي."

وأضافت: "حتى لو تحقق ذلك في اليوم الأخير من حياتي فسوف أواصل العمل من أجل ذلك."

وبالرغم من أن يارا سلام وزملائها المتهمين سيقضون عاما ونصف العام في السجن، فإنها لا تزال تشعر بالأمل، حسب والدتها التي أضافت: "تقول يارا في أحد خطاباتها: ’لا أشعر بأنني معتقلة، فقد يكون الشخص في الشارع لكنه يشعر أنه سجين وقد يشعر المعتقل بأنه حر لأنه مقتنع بأنه يدافع عن شيء صواب. الحرية لا تنتزع بأي ثمن."

المزيد حول هذه القصة