هل يصمد استقرار الجزائر النسبي بعد انخفاض اسعار النفط؟

بوتفليقة يدلي بصوته في انتخابات الرئاسة عام 2014 مصدر الصورة Reuters
Image caption رغم تدهور حالة بوتفليقة الصحية، وظهوره بكرسي متحرك، إلا أنه خاض انتخابات الرئاسة عام 2014 ليتولى بذلك فترة رئاسة رابعة.

ظلت الجزائر رمزا للاستقرار النسبي في المنطقة التي هزتها الثورات العربية والمسلحين الإسلاميين. لكن مع تقدم رئيس الجمهورية في السن والتفاوت في أسعار البترول، هل يمكن أن يستمر هذا الحال؟

تجددت الإشاعات مع سفر الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى فرنسا في رحلة علاجية جديدة في نوفمبر/تشرين الثاني. وسكتت وسائل الإعلام المحلية عن الأمر، تاركة الجزائريين – كالمعتاد – لتقارير وتكهنات وسائل الإعلام الأجنبية.

وطالما اكتنف الغموض الحالة الصحية للرئيس الجزائري، البالغ من العمر 77 عاما. ولدهشة البعض، خاض الرئيس انتخابات الرئاسة في أبريل/نيسان 2014 لفترة رئاسية رابعة، وذلك بعد مرور أقل من عام على تعرضه لأزمة قلبية.

وندر ظهور الرئيس في اجتماعات الحكومة أو الخطابات العامة. وأصبح يظهر جالسا على كرسي متحرك، وأوردت تقارير أنه يعيش في فيلا في ضواحي العاصمة الجزائرية، ويضع مكبرا للصوت ليظهر صوته واضحا في الاجتماعات.

وقال رئيس حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم إن بوتفليقة سيستمر في منصبه كرئيس للجمهورية، وإن "قواه العقلية وقدراته الإدراكية" على ما يرام.

إلا أن اختفاء الرئيس من الساحة العامة يعد علامة على انتهاء عهد. وقد أصبح هذا الأمر مدعاة للسخرية، ومادة للأغاني الفكاهية والرسوم الساخرة.

وقال علي ديلام، رسام الكاريكاتير الأشهر في الجزائر، إن الوضع "فكاهي. لدينا رئيس مريض بشدة. وتنتشر شائعات كل أسبوع عن وفاته. وهو رئيس شارف عمره على الثمانين في بلد تقل أعمار 70 في المئة من سكانه عن الثلاثين عاما".

وأضاف ديلام: "أصبح وجوده في الرئاسة أمرا مسلما به. السؤال الأهم الآن هو ما يمكن أن يحدث بعد ذلك، وهو سؤال لا نطرحه كثيرا، بل نحاول الاستفادة من الوضع الحالي قدر الإمكان".

ويمكن اعتبار التخمين المكثف بخصوص صحة الرئيس تشتيتا للانتباه، إذ أن السلطة عادة ما كانت محل نزاع بين أطراف مختلفة، لها جذورها في السياسة الجزائرية، وهي الجيش، ومؤخرا طبقة رجال الأعمال الذين كونوا ثرواتهم من أرباح البترول.

وقال أحمد بن بيتور، رئيس وزراء بوتفليقة بين عامي 1999-2000، والذي نافسه في انتخابات الرئاسة العام الماضي، إن الجزائر "ليس فيها قوة مركزية لا يمكن منافستها، بل لدينا أقسام صغيرة، يرى كل شخص فيها أنه مصدر قوة".

وأضاف أن النظام السياسي في الجزائر استبدادي، وأبوي، ووراثي، "فالرئيس محاط بمجموعة من الأفاقين الذي يهللون لإرضاءه والاستفادة من عطاياه. وهذه العطايا قد تكون معلومات، أو مناصب هامة، أو عقود أعمال".

مصدر الصورة AFP
Image caption الأوضاع السياسية في الجزائر غير واضحة، ولا توجد قناة اتصال بين النخبة الحاكمة والشعب، مما يدفع الكثيرين لتنظيم مظاهرات تنادي بمطالبهم.

ويعتمد النظام السياسي على وعود أمنية، كبديل للعودة لصراع دام مع الجماعات الإسلامية على غرار تسعينيات القرن الماضي. كما تشير الحكومة دائما إلى الأخطار الإقليمية التي تهدد البلاد، وتدعم وجودها بمجموعة من خطط الدعم الحكومي والمساعدات.

وتمول الحكومة هذه المساعدات من مبيعات الهيدروكربون (المحروقات)، وهي تمثل حوالي 98 في المئة من صادرات البلاد، والتي أصبحت مهددة بسبب انخفاض أسعار البترول.

وفي عام 2011، بعد أن أطاحت ثورات الربيع العربي بقادة تونس والمغرب وليبيا، زاد الدعم الحكومي ورواتب القطاع العام بشكل كبير، وزادت ميزانية القوات المسلحة بنسبة 176 في المئة، لتزيد عن عشرة مليارات دولار منذ 2004، مما يجعل الجزائر الدولة الأكثر إنفاقا على الجيش في أفريقيا.

ويقول عبدالرحمن حاج ناصر، المحافظ السابق للبنك المركزي الجزائري إن ثمة عاملين لا يمكن للناس التغاضي عنهم، "فمن ناحية، هناك التلويح بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه في التسعينيات، أو الأوضاع في ليبيا وسوريا. ولا يوجد ما يمنع من افتراض إمكانية حدوث الشيئ نفسه في الجزائر".

وتابع حاج ناصر: "ومن ناحية أخرى، هناك فساد مستشر. طورنا نظم إقراض للشعب بأكمله. يمكنك الحصول على إسكان مجاني أو قروض لتمويل المشروعات الصغيرة. لكن الكثير من الشباب يدعون الاستثمار، ويستخدمون القروض لشراء سيارات أو للزواج".

وحقق الإنفاق العام لمئات المليارات من الدولارات بعض النمو الاقتصادي بمعدل ثابت، وكذلك أسهم في إنشاء بعض مرافق البنية التحتية، والإفراط في استهلاك البضائع المدعمة والمستوردة.

ولكن مع زيادة فساد الطبقة السياسية، واتساع الفجوة بينها وبين الشعب، يخرج العديد من الاحتجاجات والمظاهرات المحلية التي تنادي بالمزيد من المطالب.

ويقول حاج ناصر "في غياب وسيط سياسي، أو قناة تواصل بين الطبقة العليا والطبقة السفلى، أصبح العنف هو الوسيلة الوحيدة للحصول على حقك".

وبالنسبة للممارسة السياسية الرسمية باتت التضليل هو المعيار وباتت موقعا نظريات المؤامرة.

ويقول سعيود سليمان، شاب في الثلاثين من عمره، إن الجزائريين "لا يعلمون ما يحدث حقا في السياسة، لأن كل المعلومات مقتضبة. هل تدار البلاد بالتأثير الأجنبي أم يديرها الرئيس الموجود على الملصقات الدعائية؟ لا نشعر أنه الرئيس لأنه غائب كليا".

وفي هذا السياق، تظهر أمثلة على غياب دور الدولة، كحملة انتشرت مؤخرا لتنظيف الأماكن العامة وطلاء السلالم، والتي بدأت في مدينة سوق أهراس، شرقي البلاد، وانتشرت في أنحاء أخرى بما فيها العاصمة.

مصدر الصورة Reuters
Image caption تأثر الاقتصاد الجزائري كثيرا لانخفاض أسعار البترول، ويرى المحللون أن البلاد بحاجة لتحقيق تنمية اقتصادية حقيقية بعيدا عن البترول، مما يضمن استقرار اقتصادها.

ويرى البعض أن الحملة رد فعل لاستبيان أجرته وحدة الاستخبارات الاقتصادية، والتي صنفت فيها العاصمة "الجزائر" كواحدة من أسوأ عشرة مدن للمعيشة، وذلك بعد بحث شمل 140 مدينة.

لكن النشطاء والساسة المعارضين، والمحللين يرون أن استمرار النظام السياسي الحالي يجعل من الانتقال السياسي السلمي أمرا صعبا، ويبطئ عملية الإصلاح.

ويقول عبدالرازق مقري، قائد حركة مجتمع السلم الجزائرية، وهو حزب إسلامي معتدل معارض، إنه "من غير الواضح أننا سنتولى زمام الأمور في المستقبل القريب، لأن ميزان القوة ما زال في صف النظام الحالي".

وحركة مجتمع السلم هي جزء من تحالف أسس في الصيف الماضي، ويضم عدد من الأحزاب الأخرى العلمانية، إذ يجمع مختلف الأطياف الفكرية في قوى المعارضة.

وحذر مقري من أنه "في حال عدم التحرك خلال السنوات الثلاث أو الأربع القادمة، و عدم محاولة استغلال الموارد المتاحة من أجل تنمية اقتصادية حقيقية لا تعتمد على البترول، أخشى أن تصبح الجزائر على وشك الانهيار".

ويعتمد الكثير من الأمور على أسعار البترول.

وبحسب صندوق النقد الدولي، تحتاج الجزائر إلى زيادة سعر البرميل إلى أكثر من 120 دولار لتجنب الصعوبات الاقتصادية، رغم أن لديها احتياطي أجنبي بقيمة حوالي 200 مليار دولار، وتمويل احتياطي بترول بقيمة أكثر من 50 مليار دولار.

وفي خطاب الشهر الماضي، أعرب بوتفليقة عن قناعته بأن الجزائر ستتجاوز أزمة سعر البترول "بدون صعوبات خطيرة".

لكن حاج ناصر أعرب عن قلقه حيال الموقف، "فمبلغ 200 مليار دولار يكفي الإنفاق لمدة ثلاث سنوات. لكن المصاعب التي ستواجه الدولة ليست في عدم توافر النقود، بل في اللحظة التي سيتعين فيها على الشعب تقبل فكرة زيادة أسعار الوقود، والخبز، وكل المنتجات المدعمة".

وأضاف: "لا أعتقد أن النظام الحالي قادر على مناقشة هذا الوضع مع المواطنين".

المزيد حول هذه القصة