هل يمكن للموسيقى أن تزيل "وصمة الإعاقة" في غزة؟

Image caption الأغاني تشكل العمود الفقري لجلسات علاج الأطفال المعاقين في المركز الوطني للتأهيل المجتمعي بغزة

أحد المراكز في غزة يقدم خدمات العلاج بالموسيقى للأطفال الذين يعانون من إعاقات في التعلم، فهل يمكن أن يساعد ذلك في إزالة الوصمة المرتبطة بالإعاقة في المنطقة؟

لا تبدو الأغاني التي يتردد صداها من نوافذ المركز الوطني للتأهيل المجتمعي في مدينة غزة كحفل موسيقي معتاد، فالأطفال يصفقون على نغمات الموسيقى ويمكن سماع الكبار وهم يشجعونهم على مواصلة التصفيق والعزف.

تشكل هذه الأغاني العمود الفقري لجلسات علاج الأطفال، الذين يعانون من إعاقات بدنية وصعوبات شديدة في التعلم في هذا الجزء الفقير من الأراضي الفلسطينية.

العلاج بالموسيقى هو أمر نادر في مدينة غزة، لكن المتخصصين في هذا المركز العلاجي يستخدمون تقنية حديثة وغير تقليدية لعلاج الأطفال، ويهدف المركز إلى دمج هؤلاء الأطفال في مجتمع لا يزال ينظر إلى الإعاقات على أنها من العيوب.

ويؤكد خبراء المركز أنهم حققوا نتائج إيجابية.

وتقول إيلين عبد الله - وهي طبيبة نفسية في المركز -: "الموسيقى من واقع تجربتي واحدة من أنجح وسائل العلاج للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، إذ إنها تزيد الثقة بالنفس وتساعد الأشخاص على اكتساب وسائل للتعبير عن عواطفهم ومشاعرهم".

ويمكن مشاهدة علامات الفرح والبهجة ترتسم بوضوح على وجوه الأطفال، فعزف الموسيقى يمنحهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم والتفاعل مع غيرهم من الأطفال، وهي أمور لا يفعلونها في أغلب الأحيان.

وقال لي طفل ممن تحدثت إليهم: "أحب المركز وأحب الموسيقى، أشعر بسعادة بالغة حينما أغني. أقول دائما لوالدي بأنني أريد الذهاب إلى المركز، وهو يشجعني على الذهاب".

وكرر هذا الرأي طفل آخر قائلا: "لقد توقفت عن الدراسة، لكن بفضل هذه الجلسات استطعت العودة للمدرسة، أشعر بالفعل براحة مع العاملين هنا، واستمتع بالدروس، ولا يفوتني أي درس مطلقا".

حياة صعبة

ويعيش 1.8 مليون شخص في قطاع غزة المزدحم، الذي يمتد طوله إلى 40 كيلومترا فقط وعرضه عشرة كيلومترات.

وعانى القطاع الصغير من صراعات متلاحقة بين المسلحين الفلسطينيين وإسرائيل، كان لها آثار بدنية ونفسية على سكانه.

وتشير تقديرات إلى أن عدد المعاقين في قطاع غزة يتراوح بين 126 ألف و270 ألفا، بحسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2012. وتسببت الحرب التي اندلعت الصيف العام الماضي واستمرت 50 يوما في إصابة عدد كبير آخر بإعاقات طويلة الأمد أو دائمة.

لكن بالرغم من وجود أعداد كبيرة من المعاقين في القطاع، فإن الأطفال المعاقين لا يزالون يعانون من وصمة اجتماعية، والعديد من الآباء يفضل عدم إظهار أبنائهم المعاقين أمام أعين العامة.

لبنى ناصر واحدة من هؤلاء وهي أم لطفلين. تقول لبنى "قبل 17 عاما، رزقت بتوأمين، كلاهما يعاني من صعوبات في التعلم. ومنذ ذلك الحين حياتي أصبحت جحيما، وأتجنب الاختلاط مع العائلة والأصدقاء، وبعض أقاربي لا يعرفون حتى أن لدي أطفالا معاقين".

وفي هذه البيئة، من السهل أن تعرف لماذا أن مشاريع مثل دروس العلاج بالموسيقى تنطوي على قدر كبير جدا من الأهمية.

ولا تقتصر جلسات العلاج لهؤلاء الأطفال المعاقين على الموسيقى، إذ يمنح الأطفال أيضا الفرصة للمشاركة في أعمال مسرحية أو قراءة الشعر أو الفنون، وحتى الآباء يشاركون مع أبنائهم في بعض الجلسات من بينها لعب أدوار في مسرحيات.

وقال والد أحد الأطفال: "من خلال المشاركة في الأنشطة مع الأطفال، فإننا نرى إلى أي مدى تزيد ثقتهم بأنفسهم. من الواضح أنهم يستمتعون بالفعل بالجلسات ويبدأون الاختلاط مع غيرهم من الأطفال".

ويأمل العاملون في المركز في أن تساعد هذه الأنشطة ليس فقط في تعليم الأطفال شيئا جديدا، بل أيضا تعليم آبائهم والمجتمع بشكل عام كيفية التفاعل مع الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.

لكن هذا المركز يلبي فقط جزءا من هذه المطالب، خاصة في ظل وجود عدد قليل جدا من المنشآت الطبية في القطاع.

وأكد مؤسسو المركز تزايد الطلب على هذا النوع من العلاج، لكن قلة الاستثمار وفرص التوسع تمنع المركز من إطلاق مشروعات مماثلة في أماكن أخرى من القطاع.

وقال مدير المركز، وائل أبو رازق: "في السنوات القليلة الماضية، أثرت قلة الدعم للمؤسسات التي تهدف إلى مساعدة الأطفال المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة أثرت بالفعل على أنواع الأنشطة المتاحة لهؤلاء الأطفال، وهذا أثر بالطبع أيضا على الأطفال الذين نقدم لهم هذه الخدمات".

وربما تكون الحياة في غزة مليئة بالمصاعب، لكن في هذا المركز على الأقل فإنه يمكن للأطفال أن يتطلعوا إلى قدر ولو قليل من البهجة والسعادة.

المزيد حول هذه القصة