هجوم تونس: رائدة "الربيع العربي" تحت التهديد

مصدر الصورة AP
Image caption هتف المتظاهرون ضد الحكومة العلمانية الحالية وسابقتها الاسلامية وحملوهما مسؤولية الهجوم

كشف هجوم يوم الأربعاء على متحف باردو الشهير في مدينة تونس عن وجود تهديد من جانب متطرفين يصل إلى قلب العاصمة التونسية.

فقد اختار المهاجمون هدفا كبيرا في رمزيته، إذ يقع المتحف إلى جوار مبنى البرلمان التونسي، كما اختاروا قطاعا اقتصاديا مهما وهو القطاع السياحي ليهاجموه. وقالت الرئاسة التونسية نتيجة ذلك إن البلاد "تواجه ظروفا استثنائية."

ولكن الهجوم مثل أيضا تصعيدا في العنف في تونس كان يخشاه كثيرون لمدة طويلة، ولذا فقد جوبه ببيانات تعبر عن المرونة والتصميم على أن البلاد لن تغير مسارها.

فقد قالت عايدة عياري البالغة من العمر 37 عاما اثناء حضورها مسيرة مناوءة للارهاب جرت في العاصمة التونسية في اليوم الذي أعقب الهجوم "كانت صدمة كبيرة، فتونس ليست كذلك. نحن بلد منفتح"، مضيفة "ولكننا لن نبقى مصدومين."

وكما أشارت عايدة وغيرها فإن هذه الهجمات يمكن أن تحدث في أماكن أخرى، وقد حدثت فعلا.

"موجودون في مدينتنا"

ولكن حظوظ تونس السياسية، باعتبارها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمكنت من انجاز التحول الى الديمقراطية بنجاح، وحكومتها التي يقودها علمانيون ربما جعلها هدفا للمتطرفين.

وهناك مشكلتان تجعل تونس معرضة لهذا الشكل من الهجمات بشكل خاص: ففي ليبيا، جارة تونس الشرقية، تنهار الدولة وتجد كميات كبيرة من الأسلحة طريقها الى دول الجوار، وفي المناطق الحدودية المهملة، تمكن المسلحون الاسلاميون من الاستحواذ بسهولة على هذه الاسلحة بعد أن اقاموا علاقات مع العصابات الاجرامية التي تقوم بتهريب السلاح والمخدرات.

في غضون ذلك، استقطبت الحملات التي يقودها اسلاميون في سوريا والعراق عددا كبيرا نسبيا من المقاتلين التونسيين عاد المئات منهم إلى موطنهم.

فلتنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي تبنى في شريط مسجل نشره الخميس هجوم العاصمة التونسية، وجود متنام في ليبيا، البلد الذي يستخدمه المسلحون المتوجهون الى سوريا والعراق كساحة تدريب.

إذ يعتقد أن زهاء 1500 من التونسيين المحسوبين على تنظيم أنصار الشريعة الاسلامي المحظور - والمتحالف مع "الدولة الإسلامية" - يتلقون تدريبا في ليبيا استعداد للعودة إلى تونس والاستحواذ على موقع قدم فيها حسبما تقول بدرة غلول التي تترأس مركزا للأبحاث الأمنية في تونس.

وتقول غلول إن السياسات المتبعة لمحاربة الارهاب فشلت في الحد من الظاهرة بسبب قيام المسلحين بتغيير استراتيجياتهم.

فقد برهن المسلحون "على أنهم موجودون في مدينتنا وفي أحيائنا، وان باستطاعتهم تنفيذ الهجمات في وضح النهار في أماكن تكون درجة الاستعداد الأمني فيها عالية."

وتضيف أن المسؤولين الأمنيين والاستخباريين "يتفهمون خطورة الموقف، ولكنهم يفتقرون إلى التنسيق والخبرة اللازمة."

استقطاب

يقع متحف باردو مقابل ثكنة عسكرية ومجاور مبنى البرلمان الذي يتمتع بحراسة مشددة.

وعندما سمح رجال الشرطة للمتظاهرين بالاقتراب من المتحف بعد 24 ساعة فقط من الهجوم، كانت بقع الدم ما زالت ظاهرة على الأرض كما شاهدنا قطع الرخام وهي مهشمة جراء صعود مدرعة فوقها.

وقال أحد رجال الشرطة إن قوات الأمن قد وصلت الى مكان الهجوم بسرعة، ولكنهم لم يتمكنوا من احتواء المسلحين اللذين كانا يطلقان النار عشوائيا بسهولة.

وهتف المتظاهرون ضد الحكومة العلمانية الحالية وسابقتها الاسلامية وحملوهما مسؤولية الهجوم.

وفي حقيقة الأمر قد يكون من شأن قانون مكافحة الارهاب الجديد - الذي كان على وشك أن يناقش لحظة وقوع الهجوم - أن يعالج بعض الثغرات.

فالقانون الجديد ينص على تكليف الجيش بالقيام بواجبات الشرطة في بعض المدن، وتزويد قوات الأمن بسلطات أكبر لمحاربة التطرف.

وعبر أحد المحامين الذين شاركوا في مسيرة الخميس عن أمله في أن يمنح القانون الجديد السلطات تخويلا بمراقبة المكالمات الهاتفية وتنفيذ الاعتقالات السريعة.

وقال "لا اعتقد أن الوضع في تونس سيتدهور تلقائيا، ولكن ينبغي أن نكون أكثر وعيا وحذرا."

تواجه تونس استقطابا حادا بين علمانيين ينحدرون من النخبة الناطقة بالفرنسية والتي تسكن المناطق الساحلية من جهة ومتدينين محافظين فقراء يقطنون المناطق الجنوبية والداخلية من البلاد. والحياة السياسية التي انتجها هذا الاستقطاب قد عجزت عن بلورة سياسة فعالة لمواجهة الاسلاميين.

ولكن يمكن للمجتمع الدولي أن يساعد تونس باسداء النصيحة حول السبل الأنجع لمحاربة الارهاب، والتدريب والدعم التقني لمراقبة الصحراء الشاسعة التي تفصل تونس عن ليبيا، حسبما يقول مايكل بشير عياري المحلل في مجموعة الأزمات الدولية.

ويقول "الجانب الإيجابي لهذه المأساة أنها أيقظت شعورا من التضامن مع تونس في نضالها لتحاشي المصير الذي وصلت اليه ليبيا."

وختم بالقول "إذا يقيم العالم ما أنجزته تونس منذ عام 2011، فعليه أن يتحرك."

المزيد حول هذه القصة