العلاقات بين مصر والغرب تعود لسابق عهدها

مصدر الصورة AFP
Image caption استئنأفت واشنطن مساعداتها العسكرية لكنها أعربت عن مخاوفها من "مواصلة مصر سجن النشطاء والمحاكمات الجماعية"

جاء استئناف المساعدات العسكرية الأمريكية إلى مصر على الرغم من مرور البلاد، كما يقول مراقبون، تحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضع أسوأ مما كانت عليه تحت قيادة سلفه حسني مبارك، الذي فقد دعم الأمريكيين إبان الانتفاضة الشعبية في 2011.

وقدمت الولايات المتحدة مساعدات عسكرية واقتصادية كبيرة إلى مصر خلال الأربعة عقود الماضية.

وينظر كثيرون إلى مصر على أنها عامل رئيسي في استقرار المنطقة.

ويشير أحد التقديرات إلى أن الولايات المتحدة قدمت إلى مصر مساعدات أجنبية بلغت قيمتها 76 مليار دولار في الفترة بين 1948 و2015.

ويشمل هذا 1.3 مليار دولار في شكل مساعدات عسكرية منذ 1987 حتى الآن.

وتوقف هذا النوع من المساعدات مؤقتا بعدما أطاح السيسي في 2013 بالرئيس المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي.

وفي أكتوبر/ تشرين أول من هذا العام، أعلنت الولايات المتحدة تجميد تسليم مصر مساعدات عسكرية، تشمل مقاتلات إف 16 وطائرات أباتشي وصواريخ هاربون ودبابات، وجعلتها رهنا بإحراز تقدم ملموس نحو الديمقراطية.

وطرأ تغير على الموقف العام الماضي عندما سُمح بتسليم مصر طائرات أباتشي لمساعدتها في العمليات العسكرية لمكافحة الإرهاب في سيناء.

ومنذ أسابيع قليلة، أعلن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، تخصيص 12 طائرة إف 16 و20 صاروخ هابرون و125 دبابة "أبرامز إم-1" لتسليمها إلى مصر قائلا إن هذا يصب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي.

وفي الوقت ذاته، جدد أوباما مخاوف بلاده المستمرة حيال "السجن المتواصل للنشطاء السلميين والمحاكمات الجماعية في مصر."

مصدر الصورة Reuters
Image caption كانت الولايات المتحدة قد فرضت حظرا على إرسال طائرات أباتشي إلى مصر

وعلى الرغم من ذلك، ليست الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تعيد التعامل مع مصر كسابق عهده.

فقد أجرت فرنسا مفاوضات، هذا العام، مع مصر لإبرام صفقة أسلحة بقيمة 5 مليارات، تشمل شراء طائرات مقاتلة وفرقاطة بحرية.

وباعت فرنسا، العام الماضي، أربع فرقاطات بحرية لمصر في صفقة قدرت بنحو 1.3 مليار دولار.

وفي سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، أعنلت روسيا أنها أبرمت صفقة أسلحة مع مصر بلغت قيمتها 3.5 مليار دولار.

ولم يكشف عن مزيد من التفاصيل حول هذه الصفقة، لكن الاتفاق يشكل جزءا من صورة تعكس تحسن العلاقات الروسية المصرية تتسم بزيادة التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين.

وفي فبراير/ شباط من العام الجاري، زار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتن، مصر وتعهد بمساعدتها في إنشاء محطة لتوليد الطاقة النووية.

وتتلقى مصر كذلك دعما ماديا مُعتبرا من دول مجلس التعاون الخليجي، قدر بـ 20 مليار دولار على الأقل خلال العام ونصف العام الماضيين، حسبما ذكرت بعض التقارير.

وأسفر المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في مدينة شرم الشيخ المصرية، الشهر الماضي، عن التزامات استثمارية بمليارات الدولارت.

وتعهدت المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة والكويت وعمان باستثمار 12 مليار دولار في مصر.

وبشكل أو بآخر، لا ينبغي أن يثير هذا دهشة.

ولطالما كانت مصر دولة مهمة في الشرق الأوسط، وينظر إليها البعض على أنها صوت قوي ووازن في العالم العربي.

ونظرا لموقعها في المنطقة، ينظر إلى مصر على أنها عامل حاسم في تحقيق سلام أشمل بين الدول العربية وإسرائيل.

وتتحكم مصر في قناة السويس، التي يمر بها كل عام نحو عشرة في المئة من حركة الشحن العالمية.

وتعتبر كذلك إلى حد كبير أكبر دول عربية، إذ يبلغ عدد سكان 83 مليون نسمة، ويتوقع أن يتجاوز العدد 100 مليون بحلول عام 2030.

مصدر الصورة AP
Image caption أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، مصري الجنسية

وتشير إحصاءات إلى أن 50 في المئة من إجمالي عدد المصريين هم أقل من 25 عاما.

والعاصمة المصرية القاهرة، هي مقر جامعة الدول العربية، وتعتبر نبراسا قائدا في الثقافة الإسلامية.

ورغم ذلك، تعد مصر كذلك ساحة معارك بين الإسلاميين المعتدلين والمتشددين.

ويعتبر دور المتشددين المصريين في تنظيم القاعدة وغيرها من الحركات المماثلة مؤثرا ومُعتبرا.

ويحمل كل من محمد عطا، الذي قاد المجموعة المنفذة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، وأيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة الحالي، الجنسية المصرية.

وأخيرا وليس آخرا، تشكل مصر مع المملكة العربية السعودية محور القوة السياسية للمسلمين السنة في الشرق الأوسط.

وتشكل مصر رقما حاسما في حسابات الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط.

لكن مراقبين يقولون إنها لم تعد بنفس القدر من الأهمية كما كانت في الماضي، وإن دولا مثل الأردن والإمارات العربية أصبحت حلفاء أكثر أهمية لواشنطن في الوقت الحالي.

وفي الحقيقة، لم يكن تقارب مصر مع أمريكا قائما منذ فترة طويلة.

فخلال فترة الخمسينيات والستينيات، كانت تنظر أمريكا إلى مصر بعين الريبة، وكان ينظر إلى مواقف أمريكا في إطار الحرب الباردة والقومية العربية والعلاقات الاستراتيجية المهمة التي تربطها بإسرائيل.

وكان الأمريكيون يتعاملون بارتياب مع الزعيم المصري الراحل، جمال عبد الناصر.

ونتيجة لذلك، اتجهت مصر للاتحاد السوفيتي بحثا عن الصداقة والدعم العسكري.

وعندما مات عبد الناصر عام 1970، عمل الرئيس الجديد، أنور السادات، على تقريب مصر من الولايات المتحدة، وبلغ الأمر ذروته في توقيع اتفاقيات كامب دافيد عام 1978 التي أدت في النهاية إلى اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1979.

وظل هذا التقارب تحت حكم الرئيس السابق حسني مبارك، الذي كان ينظر إليه حتى آخر لحظة على أنه حليف مفيد.

وتشير الواقعية السياسية، كما يقول البعض، إلى أن واشنطن تسعى إلى تبني نهج جديد في التعامل مع القاهرة في محاولة لاستعادة الاستقرار في منطقة مزقتها الحروب.

لكن هذه السياسة الواقعية هي بالضبط ما تغضب منتقدي الرئيس السيسي.

فالسجون المصرية تفيض بالمعتقلين.

وأعيد حظر جماعة الإخوان المسلمين. وصنفتها السلطات المصرية تنظيما إرهابيا.

وحُل حزبها، الحرية والعدالة، بأمر قضائي.

والكثير من قادة الجماعة في السجون الآن.

وحكم على مرشد الجماعة، الدكتور محمد بديع، بالإعدام.

وحكم كذلك على محمد مرسي، الرئيس الإسلامي المنتخب الذي أطاح به الجيش منذ عامين، بالسجن 20 عاما، بتهمة إصدار أوامر باعتقال وتعذيب متظاهرين احتجوا ضد حكمه.

ولم يزرف الكثير من المصريين الدموع على مصير الإخوان المسلمين.

ولم يعد لدى الجماعة الدعم الشعبي الهائل، ونظر إليها الكثير من المصريين على أنها أساءت استخدام السلطة التي حصلت عليها عبر الانتخابات بنسبة ضعيفة خلال فترة حكمها القصيرة للبلاد.

لكنها كانت، رغم ذلك، حكومة منتخبة ديمقراطيا، وأطيح بها بالقوة.

والآن، ليست جماعة الإخوان المسلمين وحدها من تجد نفسها تحت الحصار.

فالصحافة تعاني رقابة صارمة، ولم يعد الكثير من منظمات المجتمع المدني يعمل بفاعلية.

وتعكس تلك الأوضاع، في أحيان كثيرة، تلك الأسباب التي أدت إلى الانتفاضات التي عرفت باسم الربيع العربي، وهذا هو ما يقلق أولئك الذين يعقدون آمالهم على إحراز تقدم وتحقيق سلام في مصر وفي المنطقة برمتها.

المزيد حول هذه القصة