مراجعات الاخوان المسلمين في مصر: اتفاق على الضرورة واختلاف على الكيفية

مصدر الصورة epa

تعالت في الآونة الأخيرة، الدعوات المطالبة بشروع جماعة الاخوان المسلمين في مصر في إجراء مراجعات واصلاحات هيكلية وفكرية داخلية على نحو عاجل.

جديد تلك الصيحات أنها لم تجئ من انصار للجماعة او حتى منتقدين لها أو منشقين عنها فحسب، لكنها جاءت كذلك من أسماء بارزة داخل الجماعة وبعض كبار مؤيديها، في وقت حاولت فيه الجماعة على مدى عقود ان تبقي أحاديث المراجعات أو الانتقادات داخل جدرانها فلم يخرج منه الكثير للعلن ومتى شاءت ان يخرج ذلك.

أحدث تلك الدعوات جاءت في مقالات كتبها عصام تليمة الباحث في جمعية قطر الخيرية عضو الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين والمقيم في تركيا والذي عمل مديرا لمكتب الداعية الاسلامي يوسف القرضاوي المؤيد لجماعة الاخوان المسلمين وسكرتيرا خاصا له على مدى سنوات.

ويعرف عن تليمه أنه من الوجوه التي ظهرت كثيرا على شاشة الجزيرة بقطر التي تركها الى تركيا موجها انتقادات حادة للسلطات المصرية بعد عزل الرئيس الاسلامي محمد مرسي في يوليو/ تموز عام 2013.

المراجعة كما يراها عصام تليمة

طالب تليمة بعزل جميع قيادات الصف الاول الحالية في جماعة الاخوان المسلمين بمصر لصالح جيل جديد من الشباب، وبالفصل بين العمل الدعوي والعمل الحزبي داخل الجماعة، وكذلك بتجديد ادبيات الجماعة ذات الطابع الاصلاحي لتتناسب مع "مرحلة العمل الثوري" الحالية بحد وصفه.

كما ذهب تليمة الى ضرورة قبول اعضاء الجماعة للنقد الموجه اليهم وللجماعة باعتبار ذلك وسيلة لاصلاحها، بل طالب بإعمال مبدأ محاسبة قيادات الجماعة في مجال النجاحات والاخفاقات على السواء.

وفي مقابلة هاتفية مع بي بي سي قال تليمة إن "الأداء السياسي لجماعة الاخوان المسلمين خلال فترة وجودهم في السلطة لمدة عام لم يكن موفقا، لانها تعاملت بنهج كان يتطلب اداء أفضل لا سيما في التعامل مع الدولة العميقة."

واضاف أنه بعد وصول الاخوان لسدة الحكم في مصر "انقلبت الجماعة بجميع افرادها من العمل الدعوي الى العمل السياسي وهذا لم يكن صوابا وكان يتعين ان تعمل الجماعة على خطين لا ان تدمج بينهما".

واردف "الجماعة تعاملت مع ملفات الدولة كما تتعامل مع ملفات الدعوة وشتان بين الامرين، وتعاملت مع الامور بمنطق اصلاحي جزئي ولم تتعامل معه بمنطق ثوري ولا توجد في ادبيات الاخوان ما يعرف ابناءها ادبيات الثورة وكيفية التعامل معها".

ومن مآخذه على الجماعة أنها "بعد ثورة يناير انسحبت من الميادين مع باقي الناس في حين كان يتعين ان تبقى هناك لان النظام لم يكن قد سقط كله بعد."

ونصح تليمة الجماعة "بالقيام بالمراجعة سواء بأشخاص من داخلها او بالإستعانة بخبرات من خارجها لانه احيانا الانسان لا يرى خطأه. "

"تغييرات فعلية"

وكانت الجماعة أعلنت مستهل العام الجاري تعيين متحدث اعلامي لها قالت انه من جيل الشباب إعمالا بمبدأ إتاحة الفرصة لجيل جديد من ابناءها لمواقع الصدارة، كما اعلنت الشهر الماضي انها اجرت انتخابات ادت الى تغييرات واسعة طالت ستين في المئة في صفوف قيادات مكاتبها الادارية داخل مصر وأن نحو 90 في المئة من الوجوه الجديدة هي من الشباب في العقد الرابع من العمر.

كما دشنت الجماعة الشهر الماضي ما عرف بمكتب شؤون جماعة الاخوان المسلمين خارج مصر وأسندت رئاسته الى احد الوجود غير المعروفة اعلاميا وهو أحمد عبدالرحمن الذي قال في تصريحات تلفزيونية لاحقة إن المكتب ليس بديلا عن مكتب ارشاد داخل مصر الذي يضم عادة الرموز الكبيرة بالجماعة، ولكنه معاونا له، ومعني بالاساس بأمور اعضاء الجماعة في الخارج وادارة ملفاتها الخارجية.

وفي مقابلة مع بي بي سي، قال جمال حشمت رئيس ما يعرف باسم البرلمان المصري في الخارج ومقره تركيا وهو كيان ضم أعضاء الاخوان بآخر برلمان مصري قبل حله تزامنا مع سقوط نظام الرئيس السابق محمد مرسي ممن فروا الى تركيا، قال لبي بي سي إن الجماعة قامت مؤخرا بعدة اجراءات تجاوبا مع المتغيرات.

وقال حشمت المتهم في عدة قضايا ويحاكم غيابيا في مصر إنه "تم الزج بعدد كبير من الشباب في صفوف الجماعة، كذلك تم تعظيم مشاركة المرأة اضافة الى اسناد كثير من الامور لمتخصصين وكانت في الماضي تسند الى غير المختصين".

واقر حشمت بوجود قصور في السابق قائلا "عندما نتحدث عن الرؤية فمعنى ذلك ان الرؤية كانت مفتقدة، وعندما نتحدث عن التخصص معنى ذلك ان الاستعانة بالمتخصصين كانت مفتقدة، وعندما نتحدث عن العمل المؤسسي معنى ذلك ان العمل المؤسسى كان في حده الادنى، وعند الحديث عن مشاركة الشباب والمرأة معنى ذلك ذلك انه ربما لم تكن الفرصة غير متاحة للشباب والمرأة رغم وجود تمثيل للشباب بشكل ملحوظ في هياكل الجماعة لكن ربما في فئة اكبر سنا."

ودعى حشمت الى مشاركات من القوى الاخرى خارج الاخوان في ادارة المشهد المصري قائلا: "هناك الآن مشاركة من غير الاخوان في القضية المصرية لأن المشاركة من خارج الاخوان كانت غائبة في السابق. الجماعة لا تريد تصدر المشهد وتريد من أي قوة او جماعة ثورية اخرى التقدم لصدارة المشهد كي تقدم له دعمها لكن احدا لم يفعل".

الانتقادات لاتزال قائمة

لكن تليمة انتقد التغيرات التي اعلنت الجماعة عنها، وقال "ما تم لا أراه كافيا او كاملا... هناك أصوات من تلك القيادات من الصف القديم الذي كان وقت الازمة وكل من كان سببا في الأزمة عليه ان يتنحي ويتجه للعمل التربوي لأنهم فشلوا في ادارة الصراع مع الثورة المضادة ومع الدولة العميقة."

واضاف تليمه ان هناك ايضا توضيح "ما هو المشروع الذي تقدمه الجماعة للأمة حتى في حال سقوط الانقلاب... كذلك تحتاج الى مراجعة علاقاتها مع المختلف طائفيا ومذهبيا خاصة وان الجماعة يقينا قصرت في التواصل مع خصومها".

كما ابدى باحثون في شؤون الجماعات الاسلامية تحفظا على مصداقية التغيرات المعلنة داخل الجماعة في الفترة الاخيرة.

ويقول مصطفي زهران الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الاسلامية لبي بي سي إن "الممارسات على الارض والاليات المتاحة والمشهد القائم لا يقول إن جماعة الاخوان المسلمين خرجت بمراجعات حقيقية كالتي عهدناها من جماعات اخرى في مصر او غيرها".

واضاف انه حتى ان كانت هناك تغييرات فإنها جاءت للعوز الى قيادات نتيجة غياب كثير من رموز الجماعة في السجون او غيرها "لكنها مراجعات او تغيرات لم تطل أدبيات الجماعة وميراثها الفكري".

ويرى زهران هناك فجوة حالية كبيرة بين شباب الجماعة وقادتها، مشيرا الى ان تصعيد الجيل الجديد من شباب الاخوان من شأنه أن يمنحهم الفرصة لتجربة مسالك جديدة.

غير انه قال ان الدولة هي من ستحدد توجه هذا الجيل الجديد "تصعيدا أو تهدئة" من خلال سياساتها الأمنية.

وأد المراجعات في المهد

وعلق حسن نافعة استاذ العلوم السياسية بجماعة القاهرة على حدث المراجعات بالجماعة قائلا إنه يتعين الترحيب بأي من تلك الدعوات وتشجيعها. لكنه قال ان نجاح تلك الدعوات يتوقف على عدة عوامل.

وقال ان من بين تلك العوامل "الوضع التنظيمي لأصحاب الدعوات وتأثيرهم داخل الجماعة... وقوة وتأثير الأفكار التي تطرح من جانب هؤلاء وعلى هي قادرة على خلق تيار داخل الجماعة وتجذب الاعضاء وتدفع نحو التغيير".

واشار الى ان مستقبل المراجعات والجماعة يتوقف على "الفصل بين الدعوي والسياسي. لكن ذلك يعني حل الجماعة وتشكيل حزب سياسي يقوم على اساس شفافية التمويل والعضوية وهذا سيكون صعبا للاخوان في الوقت الحالي".

وقال في حديث لبي بي سي إنه يتعين "تغيير البنية الفكرية والتنظيمية بالكامل كي تتحول الجماعة الى الديمقراطية الكاملة بداخلها اولا بحيث تفسح المجال للرأي والرأي الاخر"، واشار الى ان هذا لا يتم بقرار ولكن بتغيير جوهري في البنية الشكلية والجوهرية.

ويعتقد نافعة ان الجماعة تمر بمخاض عسير وهي بداية تفاعلات بطئية. لكنه يرى ان النظام المصري الحاكم حاليا لا يساعد على الاسراع بهذا المخاض.

وقال " ان استراتيجية الاستئصال التي يمارسها النظام السياسي في مصر حاليا لن تساعد في عملية الاصلاح، ولكن ربما تؤدي إلى قتل تلك المبادرات والمراجعات في مهدها".