البحرين ما بين الثورة والإصلاح

متظاهر يرفع علم البحرين مصدر الصورة Reuters
Image caption يقول دبلوماسيون غربيون إن الأوضاع في البحرين أصبحت أكثر استقرارا، وبلغ العنف في الشارع أدنى مستوياته.

في مطلع عام 2011، بدا أن البحرين ستكون أول دول الخليج العربي التي تصل إليها حركات التغيير، فيما اصطلح عليه باسم "الربيع العربي".

خرج الآلاف في الشوارع، يطالبون بإصلاح، ثم إسقاط الأسرة الحاكمة. ووقعت اشتباكات مع قوات الأمن، سقط على إثرها ضحايا وحدثت انتهاكات عدة لحقوق الإنسان، وأجرت هيئة تحقيق دولية تحقيقات في هذا الشأن.

لكن اليوم، وبسبب الصراعات المنتشرة في العالم العربي، اختفت البحرين من نشرات الأخبار، وأصبحت الأجواء فيها هادئة بشكل عام.

فما الذي حدث للثورة والآمال في الإصلاح؟ تعتمد إجابة هذا السؤال على من تتحدث إليه.

يقول أحد الدبلوماسيين الغربيين، "العنف في الشارع بلغ أدنى مستوياته منذ سنوات، مما يعكس حالة التعب التي وصلت إليها القرى (ذات الاغلبية الشيعية)".

مصدر الصورة Reuters
Image caption اتهمت الشرطة البحرينية بانتهاك حقوق الإنسان وتعذيب المتظاهرين المحتجزين لديها.

انتصار القبضة الحديدية؟

لكن منظمة هيومان رايتس ووتش لحقوق الانسان تقول إن الأوضاع في البحرين تستمر في الانهيار.

وقال أحد معارضي الحكومة، الذي رفض نشر اسمه، "انتصرت الشرطة بقبضتها الحديدية. الكثيرون في السجون، سواء متظاهرين أو مدونين. استطاعت الشرطة إخماد الاحتجاجات، وعزل المناطق الشيعية في غضون ثلاثين دقيقة. لا يوجد حوار حول الديمقراطية، ولا مشهد إيجابي في الأفق."

لكن الأمين العام لاتحاد المغتربين في البحرين، بيتسي ماثيسون، من اسكتلندا، ترى أن الأوضاع في تحسن، "فالاقتصاد يزدهر. نسبة إشغال الفنادق في ازدهار، والحكومة تستثمر في السياحة بشكل كبير."

وتابعت "على من يريد التغيير أن يدفع باتجاهه بشكل ديمقراطي، وليس بالشغب. تحتاج البحرين إلى معارضة قوية وموثوقة، وهي فرصة فاتتهم."

التصويت للتغيير

وتشير ماثيسون بحديثها إلى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي قاطعها حزب الوفاق، أكبر الأحزاب المعارضة، وهي الخطوة التي انتقدها المراقبون الدوليون.

وقال الدبلوماسي الغربي: "عندما قاطع حزب الوفاق البرلمان، انتخبن العضوات الشيعيات كمستقلات، وهي خطوة إيجابية".

وكان زعيم حزب الوفاق، علي سلمان، قد اعتقل في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي. ومن المنتظر أن يحكم عليه في 16 يونيو/حزيران القادم، ويخشى أن يأجج الحكم الاحتجاجات في الشوارع.

وقال المتحدث باسم حزب الوفاق، على الأسود: "حاليا، لا يوجد حوار بين المعارضة والحكومة. كل شيئ معلق، وقادتنا في السجون. البحرين غير مستقرة، وتوجد أزمة اقتصادية.

ومن بين المعارضين المسجونين، الناشط المعارض نبيل رجب، مما سبب القليل من الاحتجاج الدولي. وهو قليل لأن حلفاء البحرين، كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة، تتعامل مع الإصلاح في البحرين بهدوء، إذ يطلبون من الأسرة الحاكمة بهدوء أن يوفروا المزيد من الوظائف والفرص والحريات السياسية للغالبية الشيعية من سكان البحرين.

مصدر الصورة Getty
Image caption توجد قاعدة بحرية للأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، وتعرف بميناء سلمان. كما يجري إنشاء قاعدة بريطانية دائمة بالقرب منها.

صلات بحرية

يسميها الدبلوماسيون "التدخل الحرج والبناء". لكن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تخشيان الإلحاح في الدفع بالبحرين باتجاه التغيير، إذ تملكان قاعدة عسكرية حيوية في هذه المنطقة.

والقاعدة تعرف بميناء سلمان، وهي مقر الأسطول البحري الخامس للولايات المتحدة. وبجانبها يجري إنشاء أول قاعدة بريطانية دائمة في الشرق الأوسط منذ عام 1971.

وتبعث البحرين بأمراءها لتلقي التدريب العسكري في الأكاديمية الملكية الحربية في بريطانيا، حتى أن إحدى قاعاتها سميت باسم الملك حمد، حاكم البحرين الذي تلقى تدريبه هناك.

ورأى البعض أن السفير البريطاني السابق، جايمي بودين، شديد التودد للمعارضة، وشديد النقد للحكومة. وانتهى الأمر بأن همشته الحكومة البحرينية.

لكنه شهد أثناء فترة إقامته في العاصمة البحرينية، المنامة، أسوأ موجات العنف.

وعندما زرت البحرين في أبريل/نيسان 2011، كانت فعليا تحت القانون العسكري. كانت المدرعات في الشوارع، وفرض حظر للتجوال من الفجر وحتى الغروب، وانتشرت دوريات الشرطة في الشوارع ومعها بنادق رصاص مطاطي، لتهدد السائقين الشيعة.

وحضرت مؤتمرا صحفية لوزيرة حقوق الإنسان، فطيمة البالوشي، نفت فيه الاتهامات بتعذيب الشرطة للمتظاهرين المحتجزين.

وقد واجهتها أمام الكاميرا بأني شهدت في صباح هذا اليوم جنازة في ضاحية السهلة الشمالية، وكان المتوفى محتجزا لدى الشرطة، وقد كشف جزء من جسده.

مصدر الصورة EPA
Image caption من المنتظر صدور حكم قضائي ضد على سلمان، زعيم حزب الوفاق المعارض. ويتوقع أن يعيد الحكم الاحتجاجات إلى شوارع البحرين.

ندوب صادمة

كان ظهر المتوفى مخططا، حيث ضربه محتجزوه حتى الموت.

ودفعت مثل هذه الحوادث الملك حمد إلى تكليف هيئة لتقدم تقرير شديد المكاشفة والنقد، نادى بإجراء الكثير من الإصلاحات، خاصة في الشرطة.

وقد التقيت بالملك حمد في أواخر عام 2011، قرب موعد إصدار التقرير، وكان متوترا بشأن الأحداث الدائرة في البلاد.

وقال لي "لماذا يقول الناس إنني ديكتاتور. أنا لست مثل بشار الأسد. أنا أستمع إليهم وأريد الإصلاح".

وما زال المراقبون يناقشون ما إذا كانت هذه الإصلاحات كافية.

انتهاكات الشرطة في أماكن الاحتجاز أصبحت أقل بكثير. وأصبح لزاما على الضباط حضور تدريب لحقوق الإنسان في أوروبا، ووضعت كاميرات مراقبة في أماكن الاستجواب. لكن الثقة محدودة في كبار المسؤولين.

وأصبحت أخبار البحرين غير متواجدة بشكل كاف في وسائل الإعلام.

وابتعد محررو الأخبار الذين يزورون البحرين عن إظهار الصور الدرامية، إذ أن شوارع المنامة أصبحت هادئة.

ويحتاج تصوير الاشتباكات إلى زيارة القرى الشيعية في نهايات الأسبوع، لتغطية الاشتباكات بين الشباب وقوات الشرطة، حيث يلقى المحتجون قنابل المولوتوف المحلية، في حين ترد الشرطة بقنابل الغاز والضرب بالهراوات.

مصدر الصورة AFP
Image caption لا يعتبر الملك حمد نفسه ديكتاتورا، إذ يرى أنه يستمع لخصومه ويميل إلى الإصلاح.

الحاجة إلى الإصلاح

ولإحداث توازن في التقارير، يلجأ الصحفيون إلى تمثيل الحكومة من خلال المسؤولين الذين يجرون حوارات في مكاتبهم المكيفة، ويؤكدوا على استقرار الأوضاع في البحرين.

وبين الفريقين، يضيع آلاف المواطنين العاديين، كأصحاب المحال ورجال الأعمال، سواء من السنة أو الشيعة، الذين يريدون متابعة أعمالهم، وتقليل الفساد بين كبار المسؤولين.

ويقع بذلك المواطنين البحرينيين بين مطرقة المتطرفين الشيعة، الذين تتهمهم الحكومة بتلقي تمويل إيراني، ويريدون الإصاحة بالنظام، وبين سندان المتشددين السنة الذين يريدون سحقهم بلا رحمة.

ومن زياراتي، يمكنني القول بأن هذه الغالبية الصامتة لا تسعى إلى الثورة، ولكنها بحاجة إلى الإصلاح. وكلما حكمت البلاد بإنصاف، كلما زادت الفرص في تجنب عودة أيام 2011 المظلمة.

المزيد حول هذه القصة