هل يتجه "الإخوان" في مصر نحو المواجهة المسلحة الشاملة مع الدولة؟

مصدر الصورة Reuters
Image caption لاقى البيان الذي دعا إلى "عودة مرسي للسلطة باعتباره الرئيس الشرعي لمصر" ترحيب جيل الشباب في الإخوان

"حصل بعض التشوش لدي شخصيا ولم أعد أفهم ماذا يجري" هكذا بدأ ياسر، الجامعي ذو التسعة عشر ربيعا، عضو جماعة الإخوان المسلمين، حديثه عبر الهاتف وقد بدأ على صوته التأثر الشديد.

فقد خرجت بيانات وتصريحات متتالية من أعضاء يمثلون جيلين بالجماعة أحدهما هو "الحرس القديم" والآخر يمثل "الجيل الجديد"، بدت فيها جليا خلافات حادة حول إدارة الصراع مع الدولة المصرية، وهو الصراع المشتعل منذ عزل الرئيس محمد مرسي وفض اعتصامي النهضة ورابعة العدوية في يوليو/ تموز وأغسطس/ اب عام 2013.

وأضاف ياسر المشارك في فعاليات ما يعرف بـ"التراس نهضاوي" التابع للجماعة "خلال الشهور الماضية حدثت خلافات بين أعضاء المكتب الإداري القديم وأعضاء جدد، ازدادت حدة في الأيام الاخيرة، حتى حسمها محمد منتصر، المتحدث الإعلامي باسم الجماعة، بأنه تم انتخاب أعضاء جدد للمكاتب الادارية، وأن القدامي لم يعد لهم صفة داخل الهيكل الإداري الجديد".

وقال ياسر إن البعض بات يرى أن "السلمية لم تعد تجد نفعا مع النظام الحالي في مصر".

وأضاف " البعض يرى أن يتجهوا نحو حمل السلاح ضد السلطة والجيش وهذا بسبب ماحدث من قتل واعتقال وتعذيب للشباب الاسلاميين خلال العامين الماضيين. فترك بعض الشباب الإخوان وانضموا لداعش وبعض الجماعات الأخرى التي تتبنى العنف".

بيانات وتصريحات نارية

وكان القرار الصادر في السادس عشر من مايو / آيار الماضي من محكمة جنايات القاهرة بإحالة أوراق الرئيس المصري المعزول محمد مرسي مع زهاء مئة وعشرين آخرين لمفتي البلاد لاستطلاع رأيه في اعدامهم في قضيتي "التخابر مع جهات أجنبية واقتحام السجون والهروب منها" منعطفا مهما في خطاب الجماعة.

فقد خرج المتحدث الإعلامي باسم الجماعة محمد منتصر يطالب "بثورة لاتبقى ولاتذر...ثورة تجتز الرؤوس" في إشارة إلى الحكومة المصرية والقضاة والشرطة والجيش والإعلاميين ممن يؤيدونها.

ولم يكن هذا هو البيان الأول من نوعه من قبل الجماعة بهذا المعني الذي فهم على أنه دعوة صريحة للثأر والمواجهة العنيفة.

فقد صدر عن الجماعة بيان في نهاية يناير / كانون الثاني الماضي جاء فيه "على الجميع أن يدرك أننا بصدد مرحلة جديدة نستدعي فيها ما كمن من قوتنا، ونستحضر فيها معاني الجهاد".

وتبع ذلك عدة كتابات من أعضاء بارزين بجماعة الإخوان ومناصرين لها يدعون صراحة إلى مواجهة "ثورية" قوية مع الدولة لاسيما بعد تكرار أحكام الاعدام الاولية والسجن المشدد بحق عدد كبير من رموز الجماعة وأنصارها.

ومن هؤلاء عضو الجماعة حازم سعيد الذي نشر عدة مقالات على مواقع وصفحات منسوبة لجماعة الاخوان المسلمين تنتقد "السلمية" من جانب الجماعة في تعاملها مع السلطات في مصر.

ظهور مفاجئ للقدامي

مصدر الصورة Reuters
Image caption محكمة جنايات القاهرة قضت بإحالة أوراق مرسي مع زهاء 120 آخرين لمفتي البلاد لاستطلاع رأيه في إعدامهم

ودفعت تلك الدعوات فيما يبدو إلى عودة عدد من رموز الجماعة المختفين عن المشهد لشهور طويلة داعين إلى التزام السلمية كنهج أصيل لجماعة الاخوان المسلمين في أزماتها عبر الأجيال المختلفة.

ففي الشهر الماضي، كتب محمود غزلان عضو مكتب إرشاد الجماعة، الذي قبض عليه مطلع الشهر الجاري، مقالا بمناسبة مرور سبعة وثمانين عاما على تأسيس الجماعة تحت عنوان " دعوتنا باقية وثورتنا مستمرة".

وقال غزلان "الذي نريد أن نؤكده هنا أن السلمية ونبذ العنف من ثوابتنا التي لن نحيد عنها أو نفرط فيها".

وانضم إلى غزلان أيضا عضو مكتب الإرشاد مفتي الجماعة عبد الرحمن البر، الذي قبض عليه أيضا مع غزلان، فكتب مقالات في ذات الاتجاه رغم آرائه السابقة عن مواجهة "نوعية" مع الدولة.

وفيما يبدو أن كتابات غزلان والبر استفزت عددا من زملائهم في الجماعة فكتب كلا من حازم سعيد وعاصم المصري مقالات تنتقد غزلان والبر صراحة بل وتنصحهما وغيرهما بالابتعاد عن المشهد.

وقد أثارت تلك الخلافات العلنية جدلا كبيرا داخل الجماعة لم يكن الإعلام بعيدا عنه.

نداء الكنانة

لكن يظل البيان الذي أعلنت فيه الجماعة على لسان متحدثها محمد منتصر ترحيبها بما سمى "نداء الكنانة" الموقع من عشرات الدعاة والهيئات الإسلامية في 27 مايو 2015، ودعوته أنصار الجماعة لتأييده، المنعطف الأبرز في هذه الاتجاه، كما يرى البعض.

فقد لاقى البيان الذي دعا إلى "عودة مرسي للسلطة باعتباره الرئيس الشرعي لمصر" ترحيب البعض من جيل الشباب.

مصدر الصورة Reuters
Image caption محمود غزلان عضو مكتب إرشاد الجماعة، الذي قبض عليه مطلع الشهر الجاري، دعا إلى الحفاظ على السلمية

لكن بعض أعضاء "الحرس القديم " بالجماعة رفضوا البيان ونسب بيان آخر للأمين العام للجماعة محمود حسين أحمد المختفي منذ أشهر عدة يقول "إنه وأعضاء مكتب الارشاد القدامي باقون في مناصبهم وإن محمود عزت، نائب المرشد هو من يتولى المسؤولية حاليا دون غيرهم".

ورد منتصر على بيان حسين قائلا " تشدد الجماعة على أنها قد حسمت قرارها بعد استطلاع رأي قواعدها بأن الخيار الثوري بشكله المعروف وبكل آلياته خيار استراتيجي لا تراجع عنه".

وأضاف منتصر "نؤكد أن مؤسسات الجماعة التي انتخبتها قواعدها في فبراير / شباط العام الماضي تدير شؤونها، وأن المتحدث باسم الجماعة ونوافذها الرسمية فقط هم الذين يعبرون عن الجماعة ورأيها".

صراع اجنحة

وقال لطفي سالمان الباحث والصحفي المتخصص في شؤون الجماعات الاسلامية لبي بي سي إن الأزمة داخل جماعة الاخوان المسلمين ليست وليدة اللحظة.

وأضاف سالمان "الصراع الحالي داخل الجماعة هو صراع بين جناحين يتبنيان العنف وليس السلمية ...أحد هذه الاجنحة يصدر خطاب السلمية كي لا توصم الجماعة بالإرهابية كما أنه لايتبنى أي أعمال عنيفة تقع من الأعضاء من أجل هذه الغاية مع حرصه على انهاك واربكاك الدولة من خلال المظاهرات المتوالية".

أما الجناح الآخر، بحسب سالمان، فهو "جناح الشباب ومن انضم إليه من قدامي الجماعة الذي يعلن صراحة عزمه مواجهة الدولة بعمليات انتتقامية يتبناها ويجاهر بها ولا يهمه احتفاظ الجماعة بالسلمية".

دفاع عن النفس

وينكر الدكتور جمال حشمت، عضو مكتب إرشاد الجماعة الذي يتولى حاليا رئاسة ما يعرف بالبرلمان المصري في الخارج ومقره تركيا، وجود انقسام داخل الجماعة.

ويقول حشمت الذي يحاكم غيابيا في عدة قضايا في مصر "لا أعتقد أن هناك صراعا بين القديم والجديد وإنما إعادة تغيير للدماء".

لكنه لا ينكر حق الدفاع عن النفس بالنسبة لأعضاء الجماعة قائلا "الجسد العام للحراك الثوري في مصر هو جسد سلمي... أما اذا حدث من بعض ممن اغتصبت زوجاته أو بناته أو اعتدي عليه أو عذب أو قتل رأي العين معروف ومعلوم فهذا دفاع شرعي عن النفس. ولو حدث معي شخصيا لفعلت ذلك".

تيار ثالث

ولا يؤيد أحمد عبد العزيز أحد مؤسسي ما يعرف بجماعة "صحفيون ضد الانقلاب" فكرة توجه الجماعة إلى العنف الشامل أو المفتوح ضد الدولة لما لذلك من خطورة على بقاء الجماعة ووجودها.

وأضاف "هناك من يريد طريقا ثالثا بين السلمية والمواجهة المسلحة...استراتيجية وسط يكون للجماعة فيها الحق في الدفاع عن النفس مع الحفاظ على مؤسسات الدولة لأنها ملكا للشعب".

ولم يستبعد عبدالعزيز أن يؤدي انفصال القيادات عن القواعد إلى خلق حالة من عدم التواصل قد تتسبب لاحقا في خروج شباب الجماعة عن المألوف والتوجه نحو العنف.

أما هيثم أبو خليل العضو المستقيل قبل سنوات من جماعة الاخوان والموجود حاليا في تركيا فيقول إن الخلافات الحالية بين جيلي الجماعة "نتاج تغيير تأخر كثيرا".

مصدر الصورة Reuters
Image caption السلطات المصرية صنفت الإخوان "جماعة إرهابية" وشن حملة ضد مؤيديها

وأضاف أبو خليل الذي يدير أحد المراكز الحقوقية ويقدم برنامجا على قناة فضائية مؤيدة للإخوان "هناك اعتقاد لدى جيل القيادات القديمة بالجماعة إنهم فقط من يحافظون على ثوابت الجماعة، ويمارسون دورا أبويا متخيلين أن الشباب ربما يحيد بالجماعة عن الطريق الصحيح".

انشطارات متوقعة

وقال مختار نوح، أحد قيادات جماعة الاخوان المنشقة وأبرز منتقديها حاليا إن "الانقسام في جماعة الاخوان المسلمين حاصل منذ زمن بعيد لكن ليس بسبب الدعوات للتخلي عن السلمية وإنما بسبب الاستقطاب الفردي الذي سيطر على الجماعة".

وأضاف أنه "بعد التطورات والأحداث الأخيرة، التصق بجماعة الاخوان العنف، وانتهى الأمر، وأكثر السلميين فيها لا يستطيع أن يمسح من ثوبه دنس العنف والخطأ".

ويرى نوح أن الجماعة عرضة الآن "للانشقاقات والانشطارات أكثر من أي وقت مضي وقد بدأنا نرى ذلك بالفعل حاليا".

نصائح جماعات عنف سابقة

ورفضت جماعات وأحزاب عديدة داخل مصر وخارجها دعوات المواجهة التي حملتها بيانات محسوبين على جماعة الإخوان ومنها الجماعة الإسلامية التي نشطت في صعيد مصر في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وواجهت الدولة بالعنف قبل أن تتراجع عنه وتسلك مسلك العمل السياسي.

فقد أشار ناجح إبراهيم القيادي السابق بالجماعة وأحد ابرز الوجوه التي شاركت في صياغة مراجعات الجماعة الإسلامية في تسعينيات القرن الماضي إلى أن الجماعة تخطئ بترك شبابها يروجون للمواجهة مع الدولة.

وقال إبرهيم الذي يسهم حاليا في جلسات ومؤتمرات تحض على مواجهة التطرف الديني "الجماعات إذا بدأت في العنف لا تتوقف إلا بمعجزة، كما أن الدولة إذا بدأت العنف لا تتوقف إلا بمعجزة، وكما تفقد الجماعات عقلها، تفقد الدولة عقلها وحكمتها إذا دارت عجلة العنف".

دواعش جدد

وقال حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الذي اقترح في وقت سابق مبادرة للمصالحة بين الجماعة والدولة إنه "لا يستطيع أن يصف ما يحدث حاليا داخل الجماعة بأنه صراع وإنما بداية لنقاش أو مراجعة، وإن كان صراعا فهو صراع مكتوب لم يؤد بعد أى انشقاقات".

وأضاف "النظام الحاكم الآن يميل إلى القضاء على الجماعة وليس إدماجها. وهذه السياسة ربما تدفع بشباب الجماعة إلى التحول إلى داعشيين جدد في ظل الظروف التي تعيشها المنطقة الآن وتمدد تنظيم داعش".

المزيد حول هذه القصة