الآلة الإعلامية للإخوان المسلمين أخذت تفقد زخمها

أخذت الآلة الإعلامية للإخوان المسلمين، التي حظيت في السابق بدعم من مجموعة من القنوات التلفزيونية، ومواقع الإنترت، ومواقع أخرى، تنهار.

شهدت الشهور القليلة الماضية إغلاق عدة محطات تلفزيونية تابعة للإخوان المسلمين خارج مصر، كما أن معظم المحتوى الرقمي لأبرز موقع على الإنترنت باللغة العربية قد قُلِّص.

وفي أعقاب الإطاحة بالرئيس الإسلامي، محمد مرسي، والقيود التي فرضت على أنشطة جماعة الإخوان المسلمين، نقلت الجماعة أذرعها الإعلامية إلى الخارج، وخصوصا إلى تركيا بهدف حشد دعم أتباعها والمتعاطفين معها في مصر.

بعيد الإطاحة بالرئيس مرسي في يوليو/تموز 2013، وجدت حركة الإخوان المسلمين في تركيا داعما قويا لها ومنتقدا لاذعا للنظام المصري الجديد، وهو مكان مثالي لتنفيذ عملياتها الإعلامية خارج مصر.

تلقت الجماعة دعما إعلاميا فوريا ومهما من قناة "الجزيرة مباشر مصر" الممولة من دولة قطر (والتي أغلقت الآن)، لكن مع نهاية ديسمبر/كانون الأول 2013، أُطلقت محطتان تلفزيونيتان مواليتان للإخوان المسلمين وهما "رابعة" و"الشرعية".

وانضافت إليهما ثلاث قنوات أخرى في عام 2014: وهي "مكملين" و"الشرق" و "مصر الآن".

لكن الشهور الأخيرة، شهدت توقف بث تلفزيون "رابعة" ومحطة أخرى وهي تلفزيون "الشرق".

وبالرغم من أن تلفزيون رابعة حاول إطلاق خدماته في أوائل شهر مايو/أيار تحت اسم جديد، وهو "الثورة"، فإنه لم يعمر طويلا وأُغلق مرة أخرى إلى أجل غير مسمى.

وذكرت تقارير حديثة أن تلفزيون "مصر الآن" قد يلاقي المصير ذاته.

تقليص المحتوى

لم تتأثر القنوات التلفزيونية الموالية للإخوان المسلمين فقط وإنما تأثر الموقع العربي الرسمي للإخوان، الذي كان في السابق من أقوى الأذرع الإعلامية للحركة، وأصبح الآن شبحا من الصورة القديمة التي كان عليها.

كان الموقع في السابق يفتخر بأنه يضم عدة أقسام تحمل أخبارا سياسية واجتماعية ومقالات لأعضاء في حركة الإخوان وفي غير حركة الإخوان، ودروسا دينية، ومحتوى تعليميا من الإعلام المتعدد الوسائط.

وكان الموقع يُستخدم أيضا لنشر البيانات الرسمية للإخوان والرسالة الأسبوعية لمرشد الإخوان.

لكن منذ إعادة إطلاق الموقع في مارس/آذار الماضي، أصبح النشر فيه يقتصر على البيانات الرسمية للإخوان بعدما ألغيت الأقسام الأخرى.

ضائقة مالية

قالت القنوات التابعة للإخوان إن سبب انسحابها من المشهد الإعلامي وتوقفها عن البث هو الصعوبات المالية التي تعانيها.

يبدو أن المحطات الموجودة في تركيا يمولها أفراد منتمون إلى الإخوان أو متعاطفون معهم.

وتأثر تجفيف الموارد المالية التي كانت تحظى بها بعض هذه المحطات التلفزيونية سلبا بقرار الحكومة المصرية مصادرة أصول عدة أعضاء في حركة الإخوان المسلمين التي صنفتها الحكومة تنظيما إرهابيا في مصر.

ويبدو أن عدم قدرة الأذرع الإعلامية للإخوان اجتذاب الإعلانات فاقم هذا الوضع. الخط التحريري ورسالة هذه المحطات التلفزيونية، بعضها حرض على العنف علانية، جعلها غير قادرة على الحصول على إعلانات. ولهذا، كان عليها أن تعتمد فقط على التمويل المباشر.

واحدة من هذه المحطات وهي تلفزيون "الشرق" حاول الخروج من الأزمة المالية من خلال عرض 3000 سهم على المؤيدين له مقابل مبلغ 1000 دولار أمريكي، لكن هذه الخطوة لم تفلح في توليد الموارد المطلوبة. ولهذا، أغلقت المحطة في أغسطس/آب 2015.

وعلى المنوال ذاته، نقلت صحيفة "المصريون" الموالية للإسلاميين عن مصدر لم تسمه في حركة الإخوان المسلمين أن الحركة اضطرت إلى تسريح محرري وإداريي موقع إخوان أونلاين "نتيجة للأزمة المالية الخانقة".

خلافات داخلية

الصعوبات التي تواجهها الأذرع الإعلامية لحركة الإخوان المسلمين تأتي أيضا في ظل التقارير التي تتحدث عن الخلافات الداخلية التي تضرب الصفوف العادية للحركة، كما تعصف بكبار قادة الإخوان.

وفي شهر مايو/أيار 2015، نشر الناطق السابق باسم الإخوان، محمود غزلان، مقالا على موقعه على الفيسبوك دعا فيه إلى الاحتجاجات السلمية.

لكن دعوة غزلان جلبت نقدا حادا من الناطق الحالي للإخوان، محمد منتصر، الذي كتب على موقع الإخوان أونلاين قائلا إن: "قتل الأحرار في السجون لن يقوض عزمنا، ولكنه سيجعلنا أكثر تصميما على الثأر".

وذكرت التقارير أن غزلان منع من نشر مقاله على الموقع الرسمي للإخوان المسلمين "إخوان أونلاين" ولهذا لجأ إلى الفيسبوك.

وفي مايو/أيار، كتب الأمين العام لحركة الإخوان المسلمين، محمود حسين، على صفحته على الفيسبوك أن محمود عزت، البالغ من العمر 71 عاما وهو أعلى مسؤول في الحركة لا يزال طليقا، قد أصبح نائبا للمرشد العام، محمد بديع، الذي يقبع في السجن، بموجب المنصب الذي يتولاه.

لكن منتصر قال ردا على ذلك "الأعضاء المنتخبون فقط في حركة الإخوان المسلمين هم الذين لهم سلطة الحديث باسمها".

ولاحظ أن الانتخابات الداخلية أجريت في فبراير/شباط 2014، وأدت إلى انتخاب محمد بديع مرشدا عاما.

جهود ضائعة

انتقد مؤخرا عصام تليمة وهو مدير سابق لمكتب الشيخ يوسف القرضاوي، الموالي للإخوان المسلمين، خطيب الإخوان وجدي غنيم في قناة "مكملين"، قائلا إن غنيم ليس مؤهلا لإصدار الفتاوى، الأمر الذي دفع غنيم إلى انتقاد تليمة على موقعه الرسمي.

وتدخل في النقاش الشيخ السلفي الموالي للإخوان محمد عبد المقصود، واصفا تليمة على قناة الثورة (أغلقت الآن) بأنه "متعجرف".

انتقد تليمة غنيم وحضه على عدم اتهام معارضي الإخوان بأنهم كفار.

وقال تليمة "وجدي غنيم يتبع مقاربة الحكم على الآخرين بأنهم كفار ولكن النظام (مسؤولون) لا يمكن الحكم عليه بأنه كافر لأنه لم يطبق الشريعة الإسلامية".

وأضاف تليمة قائلا "محمد مرسي لم يطبق الشريعة الإسلامية أيضا، ولم نتهمه بأنه كافر".

تغيير في موقف تركيا

وبعيدا عن المتاعب المالية والخلافات الداخلية التي تواجهها حركة الإخوان المسلمين، هناك مؤشرات على أن تركيا التي تستضيف القنوات الموالية للإخوان، قد تكون بصدد تغيير سياستها تجاه الإخوان.

وذكرت تقارير في شهر أغسطس/آب أن قناة "مصر الآن" التي تبث من إسطنبول ستتوقف عن البث.

وكتب عمر فرج وهو مشارك في تأسيس شبكة إخبارية موالية للإخوان على موقع تويتر "وداعا مصر الآن". كما أن أحد المذيعين في هذه القناة، سامي كمال الدين، كتب على تويتر والفيسبوك قائلا "أقول لمن يحرض على العنف في القناة، والدعوة إلى قتل الأقباط وأفراد القوات المسلحة (...) بأن بث مصر الآن سيتوقف غدا".

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "الوطن" المصرية يوم 17 أغسطس/آب عن سعيد اللاوندي، وهو خبير في العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، قوله بأن الإخوان المسلمين يشكلون "مصدرا مستمرا للمتاعب" بالنسبة إلى الحكومة التركية.

وأضاف اللاوندي قائلا "سياسة التحريض" التي تنهجها قناة "مصر الآن" جعلت تركيا تواجه وضعا صعبا.

ونقلت صحيفة "اليوم السابع" عن عمرو هاشم ربيع، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، يوم 22 أغسطس/آب قوله إن الإغلاق الأخير لبعض القنوات الموالية للإخوان يشير إلى تغيير في الموقف التركي تجاه الإخوان.

عالم افتراضي

ومن المرجح أن يقوض إغلاق هذه القنوات قدرة الحركة على إيصال رسالتها إلى الشعب المصري في مصر.

حققت هذه القنوات بعض النجاح فيما يمكن وصفه بأنه عالم افتراضي لأتباع الإخوان المسلمين.

وبالرغم من أن أتباع الإخوان المسلمين غير قادرين على تنظيم أنفسهم أو تنظيم احتجاجات مهمة بسبب الحملات الأمنية، فإن القنوات الموالية للإخوان، رسمت، أحيانا بالاستعانة بلقطات قديمة لمظاهرات ضخمة، صورة مغايرة، إذ غالبا ما تصور الوضع على أن كثيرين سيتظاهرون دعما للإخوان وبأن مصر بعيدة عن الاستقرار.

وتستند هذه القنوات إلى فكرة أن حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي غير عادلة وقمعية من خلال التركيز على قصص اعتقال أعضاء في حركة الإخوان ومزاعم التعذيب.

لكن بسبب أن الآلة الإعلامية للإخوان تبدو في حالة انهيار سريع، فإن مهمة الحفاظ على معنويات أعضائها واطلاعهم على آخر المستجدات سيكون أصعب بكثير الآن.