الحرب السورية: محنة النازحين داخليا

مصدر الصورة Reuters

ربما يكون الشيء الأكثر واقعية بشأن صور اللاجئين السوريين الذين يصلون إلى أوروبا هو أنها ليست سوى غيض من فيض.

وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الأسبوع الماضي إن عدد هؤلاء اللاجئين لا يتجاوز 6 بالمئة من إجمالي الفارين من الصراع.

وفر أربعة ملايين أخرين إلى البلدان المجاورة مثل تركيا والأردن ولبنان.

ولكن هناك رقم ثالث تتضاءل أمامه هذه الأرقام حتى الآن، إذ أن هناك 7.6 مليون نازح داخل سوريا نفسها وتبقى محنتهم بعيدة عن الأنظار – وهو ما تطلق عليه جماعات الإغاثة اسم النازحين أو المشردين داخليا.

وتتصدر سوريا الآن قائمة دول العالم من حيث عدد النازحين داخليا.

وخلال الأسبوع الماضي، أصدرت الأمم المتحدة خريطة لسوريا بها العديد من الأسهم التي تتقاطع في مساراتها.

وتمثل تلك الأسهم تدفقات السوريين الفارين من العنف في أجزاء مختلفة من البلاد خلال الأشهر الستة الماضية.

وفي أعقاب استيلاء قوات المعارضة على مدينة إدلب في مارس/آذار الماضي، على سبيل المثال، فر 230 ألف شخص إلى الريف المحيط بالمدينة أو المحافظات المجاورة.

Image caption حاولت عائلة آلان الكردي التحرك داخل سوريا قبل رحلتها المشؤومة خارج حدود البلاد

وسيضطر كثير من هؤلاء المشردين للتنقل عدة مرات بسبب استمرار تغيير خطوط المواجهة.

وحاولت عائلة آلان الكردي البالغ من العمر ثلاث سنوات، على سبيل المثال، الفرار داخل سوريا قبل أن تقرر في نهاية المطاف مغادرة البلاد.

وكانت العائلة قد انتقلت من العاصمة السورية دمشق إلى مدينة حلب ثم إلى كوباني.

وتقول إيرين موني، خبيرة في شؤون النزوح والتي تعمل في سوريا "بصفة عامة، يحاول الناس إيجاد حلول داخل بلدانهم أولا."

وأضافت: "غالبا ما يفضلون البقاء بالقرب من منازلهم لحراسة ممتلكاتهم، ربما على أمل العودة إليها في يوم من الأيام، لكن الصراع دخل عامه الخامس الآن وبات الناس أكثر يأسا من ذي قبل."

لكن لا يملك الجميع خيار التحرك عبر الحدود إلى بلد أجنبي، ففي ظل هذه الظروف يفقد البعض الوثائق الخاصة بهم، لذا يكون من الصعب السفر إلى الخارج.

وأصبح آخرون محاصرين في المناطق التي كان يعتقد يوما ما أنها آمنة.

وفي كثير من الأحيان يكون النازحون داخليا أكثر فقرا من اللاجئين الذين رأيناهم يصلون إلى حدود الاتحاد الأوروبي.

Image caption اللاجئون الذين يصلون إلى أوروبا يكون لديهم في كثير من الأحيان الموارد التي تؤهلهم للقيام بذلك

يقول كارستن هانسن، مدير قسم الشرق الأوسط في المجلس النرويجي للاجئين: "الرحلة إلى أوروبا مرهقة للغاية، علاوة على أنها ليست رخيصة، ولذا يجب أن يكون لديك مستوى معين من الموارد للقيام بذلك."

من الصعب توضيح الظروف التي تواجه النازحين داخل سوريا من خلال الصور التي تنقلها وكالات الأنباء، بسبب الأخطار الجسيمة التي تحيط بإمكانية وصول الصحفيين إلى هذه المناطق.

وربما يكون الشيء الأكثر إثارة للقلق هو حقيقة أن وكالات الإغاثة والمنظمات غير الحكومية لا يمكنها الوصول إلى هذه المناطق أيضا، وهو ما يعني عدم وصول المعونات إليها.

يقول بول كولير، محاضر بجامعة أكسفورد وخبير في شؤون الهجرة، إنه من المهم عدم نسيان هؤلاء النازحين داخليا لمجرد أنهم لم يخلقوا مشكلة للبلدان الأوروبية.

وأضاف: "من الواضح أنهم أكثر عرضة للخطر، لأنهم ما زالوا يواجهون العنف. في كثير من الأحيان لا يستطيع هؤلاء الخروج من البلاد. ثمة قدر من الأمان للاجئين على الأقل - ما لم ينقلوا عبر القوارب من قبل المجرمين."

ويتمتع اللاجئون الذين يفرون إلى بر الأمان بالخارج بحماية قانونية إضافية بسبب اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين لعام 1951 والتي تحدد حقوقهم الأساسية.

وعلى الجانب الأخر، لا يزال أولئك الذين تركوا داخل سوريا يخضعون رسميا لحماية نظام بشار الأسد، وهو النظام الذي يرى كثيرون أنه مصدر بؤسهم.

وسيجبر مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية أخرون على الفرار من ديارهم، مثل الـ 11 ألف شخص الذين فروا من مدينة تدمر في مايو/آيار الماضي.

ويصف خبراء الحياة اليومية لهؤلاء المشردين داخليا بأنها "عذاب مخفي"، إذ يعيش كثيرون منهم في ملاجئ جماعية مؤقتة وقد يحرمون من امكانية الوصول إلى المرافق الأساسية مثل المياه النظيفة والكهرباء.

أما بالنسبة للرعاية الطبية، فهي غير مكتملة أيضا – تقول منظمة الصحة العالمية إن 57 بالمئة من المستشفيات السورية خارج نطاق الخدمة الآن.

ومع ذلك، لا تزال مساعدة أولئك الذين تركوا داخل سوريا هي أصعب مهمة تواجه زعماء العالم.

وقال هانسن: "أعتقد أننا نهدر كثيرا من الطاقة في الحديث عن حل أزمة اللاجئين، لكننا نركز بشكل أقل بكثير على إيجاد حل للصراع نفسه."

وأضاف: "نحن بحاجة إلى إيجاد وسيلة لوقف القتال."

وبالنسبة لأولئك الذين يتابعون ويلات الصراع السوري منذ بدايته، فلا يوجد أي معنى لمساعدة الذين فروا إلى الخارج، لأن "المشردين داخليا" اليوم سيكونوا لاجئين غدا - مثل عائلة الكردي.

المزيد حول هذه القصة