لماذا زاد الإقدام على الانتحار في مصر؟

مصدر الصورة PA
Image caption يرى أطباء أن مرض الاكتئاب يزيد كثيرا من احتمالات الانتحار

"حاولت الانتحار بسكب البنزين على نفسي أمام نقابة الصحفيين. لم تكن لحظة ضعف ولا يأس، بل كنت مقتنعا بذلك تماما، ومستعد لتكراره، احتجاجا على الفصل والتشريد، وفي سبيل تغيير أحوال المهنة".

بهذه العبارة تحدث شريف البراموني، الصحفي بإحدى الصحف المصرية الخاصة إلى بي بي سي عن محاولته الانتحار منذ نحو أسبوع.

وكان شريف ضمن تظاهرة للصحفيين العاملين بجريدة خاصة، قرر مالكها إغلاقها بسبب خسائرها المالية.

وفشلت محاولة البراموني في الانتحار بعد أن منعه زملاؤه.

ويقول "فكرة الانتحار أكبر من فكرة إغلاق الصحيفة، لكنها تعبير عن الاحتجاج على ظروف عمل الصحفيين عموما، وما يجري بحقهم من فصل تعسفي من قبل ملاك الصحف، وما يتعرضون له من اعتداءات من قوات الأمن، واحتجازهم وإلقاء القبض عليهم ومنعهم من العمل في أماكن معينة".

وشدد البراموني على أن محاولته لا ترتبط على الإطلاق بحالة إحباط أو يأس، أو أي أزمات اقتصادية أو نفسية.

وفي الأشهر القليلة الماضية، تناقلت وسائل الإعلام المصرية أنباء عن حوادث متزايدة من الانتحار، خاصة بين الشباب، بدا أن غالبها بسبب صعوبة الظروف الاقتصادية.

ومن بين أحدث تلك الحالات شخص يُدعى تامر أحمد الجوهري، والذي كان يعمل مدربا لرياضة كمال الأجسام، وحصل في السابق على بطولات على مستوى الدولة.

وألقى الجوهري بنفسه في القنوات الفرعية في دلتا النيل، شمالي مصر، بسبب أزمة نفسية وخلافات زوجية، حسب ما قالت الشرطة.

وكشفت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات - وهي منظمة مستقلة غير حكومية - في تقرير عن تزايد حالات الانتحار في مصر خلال العام الجاري.

ومنذ مطلع يناير/ كانون الثاني وحتى مطلع أغسطس/ آب، وقعت بالفعل 157 حالة انتحار، بخلاف الحالات التي تم إنقاذها، بحسب التقرير الصادر في اليوم العالمي لمكافحة الانتحار الذي يوافق العاشر من سبتمبر/ أيلول.

واللافت أن فئة الشباب ما بين 18 و35 عاما احتلت النصيب الأكبر من هذا الرقم، إذ بلغت 83 حالة بنسبة تقترب من 53 في المئة.

إشكالية الأرقام

Image caption انتحرت الناشطة زينب مهدي شنقا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014

ويصعب التحقق بصفة رسمية من الأرقام الواردة في تقرير التنسيقية.

وفي محاولة للحصول على أرقام رسمية بشأن أعداد المنتحرين في مصر، قال المتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبدالغفار لبي بي سي "ليس لدينا أرقام بشأن حالات الانتحار، ونتعامل معها كحوادث عادية مثلها مثل حوادث الطرق".

لكن تقرير الأمن العام الذي تصدره وزارة الداخلية المصرية سنويا ذكر أن عام 2011 شهد 253 حالة انتحار وشروع في الانتحار، زادت لتصل إلى 310 حالات في 2012.

وفي عام 2012، صنفت منظمة الصحة العالمية مصر من بين أقل الدول في معدلات الانتحار، بأقل من خمس حالات بين كل 100 ألف شخص.

ويشكك خبراء في مدى مصداقية هذه الأرقام في تعبيرها عن الواقع.

ويقول الدكتور أحمد أبو الوفا اخصائي الطب النفسي بوزارة الصحة "هناك صعوبة شديدة في تحديد أرقام حالات الانتحار، لأن أهل الشخص المنتحر يرفضون الإعلان عن ذلك، وبالتالي لا يتم توثيق أغلب الحالات".

ويضيف أبو الوفا "ليس هناك وسيلة تؤكد أو تنفي زيادة معدلات الانتحار، لكن كل ما تغير هو أن الاهتمام الإعلامي بهذه القضية قد زاد".

أسباب الانتحار

من جهة أخرى، يقول الدكتور أحمد عبد الله مدرس الطب النفسي بجامعة الزقازيق "كل أسباب الانتحار موجودة في مصر، فالانتحار هو نوع من أنواع العنف، لكنه موجه ضد النفس، وقد يرجع لأسباب بيولوجية ونفسية واجتماعية، بداية من التلوث مرورا بالضوائق الاقتصادية، ووصولا إلى القمع وكبت الحريات".

ويضيف عبد الله "في الغالب لا توجد حالة انتحار لها سبب واحد، وزاد من تلك الأسباب في الفترة الأخيرة الإحباط الشديد عند الشباب، بسبب ركود الاقتصاد وتعثر الحياة السياسية، وغموض المستقبل وصعوبة الزواج، هذا فضلا عن المشاكل الأسرية والخواء الثقافي والديني".

لكن الدكتور أبو الوفا يرى أن كثيرا من حالات الانتحار، خاصة بين المراهقين، يكون الدافع ورائها هو جذب الاهتمام أو تجربة الفكرة ولا يكون القصد منها الانتحار بالفعل.

ويقول "ما استجد في مجتمعنا هو التعاطف الذي يلقاه المنتحر على مواقع التواصل الاجتماعي، وتراجع (سلبية) النظرة الدينية التي تحرم هذا الفعل، فلم يصبح كثيرون ممن يفعلون ذلك يشعرون بالخزي كما كان في السابق".

وتُقدّر منظمة الصحة العالمية أن عدد المنتحرين كل عام 800 ألف شخص، وأن عدد محاولات الانتحار تساوي عشرين ضعف ذلك العدد.

مصدر الصورة BBC monitoring
Image caption معظم حالات الانتحار التي تناولتها وسائل الإعلام المصرية تعود لأسباب اقتصادية

ومن أبرز حالات الانتحار خلال الأشهر القليلة الماضية الناشطة الحقوقية الشابة زينب مهدي.

"تعبت... استهلكت... ومفيش فايدة"، كانت هذه الكلمات التي كتبتها على صفحتها بموقع فيسبوك من آخر ما قالته زينب قبل أن تُنهي حياتها.

ونشطت زينب خلال الفترة الأخيرة من حياتها في مجال الدفاع عن حقوق الفتيات المعتقلات في السجون المصرية.

وقال صديقها المقرب عمار مطاوع "حياة زينب كانت مدمرة على كل الأصعدة، نفسياً ومادياً ومعنوياً، الحلم والمستقبل كان مغلقا أمامها من كل ناحية".

وعلل مطاوع وآخرون حالة اليأس والإحباط التي أصابتها باطّلاعها على تفاصيل كثيرة خاصة بالمعتقلات في السجون المصرية، وما يتعرضن له من "انتهاكات".

"فعل مُحرّم"

ووفقا لدراسة منشورة في الدورية المصرية للطب الشرعي، يقف الدين الإسلامي، الذين تدين به الغالبية العظمى من المصريين، حائلا دون زيادة أكبر في معدلات الانتحار.

وتحرم الشريعة الإسلامية ارتكاب فعل الانتحار تماما.

وبالرغم من هذا، كان من المفارقة أن يؤدي انتحار الشاب التونسي محمد بوعزيزي في يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول من عام 2010 إلى تفجير ما يسمى بثورات الربيع العربي.

وأضرم بوعزيزي النار في جسده، بعد أن صفعته شرطية أمام المارة، بعد احتجاجه على مصادرة العربة التي كان يبيع عليها فواكه لكسب رزقه.