لماذا تفاقمت أزمة اللاجئين الآن؟

Image caption أطفال سوريون وأفغان يلعبون في ساحة بأحد مراكز الإيواء

إنهم لاجئون يفرون من بلد يشهد حربا، ترفض دول الغرب أن تلعب فيها أي دور عسكري أو سياسي كبير.

إنهم يفرون من بلد قاتلت فيها القوات الدولية، بقيادة الناتو، أكثر من عقد بهدف تحقيق الاستقرار.

إن قصة سوريا وأفغانستان اليوم تحمل الكثير من التحذيرات في ايامنا هذه.

فالحروب القديمة لا تنتهي أبدا، والجديدة تزيد عنها فظاعة.

وبغض النظر عما فعلت القوى العظمى أو لم تفعله، فإن أعدادا متزايدة من السوريين والأفغان قرروا صنع مستقبلهم بأيديهم، وهم يشكلون أكبر مجموعتين للنازحين في شتى أرجاء أوروبا وخارجها.

لم يحدث في التاريخ أن اجتمع هذا العدد من الناس ليوجهوا رسالة إلى الرأي العام، وإلى قادتهم وإلى العالم أجمع يقولون فيها "لقد فشلتم".

هذه نسخة يقدمها الناس لحفل "لايف أيد" أو "مساعدات الاغاثة" الموسيقي الذي نظمه مجموعة من الموسيقيين العالميين قبل 30 عاما بغية جمع تبرعات لمواجهة المجاعة في أثيوبيا.

لكن الناس هذه المرة لا ينتظرون عطف العالم الثري ليقدم لهم المساعدة. قرروا المجئ إلى حيث الحياة أفضل وأكثر أمنا، مهما كلف الأمر.

ومع تدفق هذا السيل البشري بلا هوادة، بدأ يغير مساره ولونه السياسي.

فهناك الآن عدد متزايد من العراقيين، الذي كانت بلادهم ضمن الالتزامات الدولية في العقد الماضي، والأريتيرون يهربون من قمع علني، والصوماليون يفلتون من عدم استقرار حاد أصبح طبيعة حياتهم اليومية، وحتى الباكستانيون التحقوا بالركب للتخلص من الظروف الصعبة في بلادهم.

Image caption رجل سوري يحمل لافتة يعلن فيها عن امتنانه للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل

سألت رجلين خرجا من حافلة كانت مكتظة بسوريين وأفغان وصلت عند معبر طيني في شمال اليونان على حدود مقدونيا : "هل توجد حرب في باكستان؟"

قال أحدهما بنبرة تأكيد :"القنابل تنفجر حول لاهور"، وانحنى برأسه ليريني ما قال إنه جرح خلف رأسه.

صعوبة التمييز

إن تدفق الناس المتواصل في رحلات عبر البحر المتوسط محفوفة بالمخاطر، ومواجهتهم للمصاعب في أرجاء أوروبا الشمالية يجعل من الصعوبة بمكان اتخاذ القرار والتمييز بين اللاجئين "الهاربين حقا من القمع"، وأولئك الذين تحدوهم رغبة مفهومة للهجرة بحثا عن حياة أفضل.

لكن الفصل التام بين المهاجرين بدوافع اقتصادية واللاجئين لم تعد تتلائم مع عالم هش يعج بالفوضى ودول فاشلة وصراعات "ما بعد الصراع".

فقد أعلنت دول كثيرة، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا، أنها ستتفح أبوابها للآلاف، وربما عشرات الآلاف، من اللاجئين السوريين فقط.

وقال أحد اللاجئين ويدعى سامي خازي كاني، الذي ينتظر دوره في عبور آخر حاجز معدني تحرسه الشرطة اليونانية: "هذا ليس عدلا".

فشل كاني خلال عقد في الحصول على لجوء في بريطانيا.

وعندما جرى ترحيله إلى أفغانستان تصاعدت حدة المخاطر بشأنه عندما قادته مهاراته في اللغة الانجليزية إلى العمل كمترجم للقوات الأمريكية. وهو يسعى مرة أخرى للفرار إلى دول غربية.

وقال وهو يشعر بمرارة: "طالبان تقتلنا، طالبان تخطفنا. ووسائل الإعلام لا تذيع شيئا إلا عما يحدث في سوريا".

Image caption سامي خازي كاني يسعى للمرة الثانية للسفر إلى دول الغرب

وتتصاعد الهجمات التي تشنها طالبان في أفغانستان، لكن سوريا بلا شك هي حرب هذا العصر. لقد تمزقت سوريا ولم تعد كما عرفناها.

إنه البلد الذي نزح منه أو مات فيه أكثر من نصف سكانه البالغ تعدادهم 22 مليون نسمة.

"اقتسام العبء"

وتوصف أيضا بأنها أكبر عملية إغاثة، وأكثرها تكلفة في العصر الحديث.

وحتى قبل اندلاع الأزمة الراهنة، حذرت منظمات الإغاثة الرئيسية في العالم من أن نظام الإغاثة الإنسانية على المحك، حيث يأن تحت وطأة الأزمة السورية، والنزاعات التي طال أمدها في جمهورية أفريقيا الوسطى، وجنوب السودان والعراق وغيرها.

"اقتسام العبء" كان الكلمة الأكثر ترددا في دوائر الإغاثة طيلة أشهر عديدة، مع تزايد النداءات لدول الخليج الغنية من أجل بذل المزيد من الجهود، وأيضا لكل الدول في شتى أرجاء العالم للقيام بدورها.

وتبذل بعض الدول جهدا أكبر، وتعطي أكثر، لكن تظل أهم عمليات الإغاثة الإنسانية مثل سوريا تعاني من نقص التمويل.

وقال لي جان إيغلاند، رئيس مجلس اللاجئين النرويجي قبل نحو عام: "لا تقل لي ليس هناك حل لأزمة صنعها البشر، يوجد في العالم أكثر من 190 دولة".

Image caption الشرطة اليونانية تقف عند الحواجز الحدودية

وترتفع الآن دعوة لتقاسم الحصص بين الدول الأوربية، لتتشارك المسؤولية عن 160 ألف لاجئ، معظمهم من السوريين، لكن قد لا يعمل بها.

وحينما يقول سياسيون غربيون إن اللاجئين يجب أن يبقوا في أماكنهم، لكي تقدم لهم المساعدات بالقرب من مواطنهم، تبدو دعواتهم جوفاء.

وتتحمل الحكومات في الأردن ولبنان وتركيا، وهي الدول التي تستضيف غالبية اللاجئين السوريين، عبئا متزايدا.

ويردد أنطونيو غوتيريس، رئيس مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كثيرا عبارة: "ليس هناك حل إنساني لهذه الأزمة الإنسانية المأساوية"، الحل الوحيد الحقيقي هو حل سياسي.

خرائط ومجموعات

وحتى الآن، وبينما تتفجر الأزمة بقوة بشرية غير مسبوقة، فإن مصير رجل واحد وهو الرئيس السوري، بشار الأسد، يبدو أهم بكثير بالنسبة لكل الأطراف من مصير 22 مليون شخص.

وتعمل روسيا وإيران على دعم الحكومة السورية، التي يتراجع موقفها على الأرض، بينما تركز القوى الغربية على تكثيف القصف الجوي.

وتتبنى الأمم المتحدة خطة سياسية، وهي مسار طويل المدى تتكفل به مجموعات عمل، تدرس "خارطة طريق لتحقيق السلام"، عن طريق تشجيع الأطراف المتحاربة على الجلوس معا على طاولة المفاوضات.

لكن السوريين يساورهم القلق من نفاد المساعدات، ويخشون من التهديدات المتزايدة من القوى المتطرفة مثل تنظيم "الدولة الإسلامية"، كما أنهم فقدوا الأمل في أن تنتهي هذه الحرب يوما من الأيام.

مصدر الصورة AP

ويروج اللاجئون السوريين لخرائطهم الخاصة ومجموعاتهم: مثل خرائط غوغل على الإنترنت، لاستكشاف طريق رحلتهم إلى أوروبا، وكذلك مجموعاتهم على موقع فيسبوك، للحصول على نصائح من نجحوا في الوصول إلى هناك قبلهم.

ويأتي مع السوريين أيضا الكثيرون من مناطق أخرى.

وسألت شابا عراقيا: "هل أنت متأكد من أنك ستحصل على حق اللجوء؟"

وكان هذا الشاب قادما من بغداد، وأخبرني أنه مجهد للغاية بعد رحلة استغرقت عشرة أيام لكي يصل إلى شمال اليونان.

وأجابني بثقة: "أنا متأكد"، بينما كان يحاول اللحاق بمجموعة أخرى، تشق طريقها باتجاه الحدود التالية.

ويبدو أن الشعار الذي رفع خلال ما سمي بالربيع العربي عاد، ليجد له صدى من جديد: "قوة البشر أعظم من البشر أصحاب قوة السلطة".

لكن الدرس المستفاد هو أن أصحاب السلطة لا يزالون يمتلكون القدرة على تحديد فرص النجاح أو الفشل للآخرين.

المزيد حول هذه القصة