ما وراء إقالة رئيس المخابرات الجزائري محمد مدين؟

صورة مدين في جريدة مصدر الصورة AFP
Image caption لم تلتقط أي صورة لمدين طوال فترة رئاسته للمخابرات. ونُشرت إحدى صوره النادرة في الجرائد بعد إقالته.

تعتبر إقالة رئيس المخابرات الجزائرية، محمد مدين، أحد أهم الأحداث السياسية في الجزائر خلال الأعوام الأخيرة.

ويُعرف مدين بـ "الجنرال توفيق"، ويبلغ من العمر 76 عاما، ويقال إنه واحد من أقدم رؤساء المخابرات في العالم.

وتلقى مدين تدريبه في المخابرات السوفيتية "كي جي بي" في ستينيات القرن الماضي، وتولى منصب رئيس دائرة الاستعلام والأمن (المخابرات الجزائرية) لمدة 25 عاما، مما يجعله أقدم في منصبه من الرئيس بوتفليقة، الذي تولى منصبه قبل 16 عاما.

وليس واضحا إن كان مدين أقيل أم "تقاعد"، لكن خروجه من منصبه جعل المراقبين في حالة من التكهن بشأن الحكم في الجزائر حاليا ومستقبلا، خاصة وأن الرئيس، 78 عاما، في حالة صحية متردية ونادرا ما يظهر علنا.

"الحرب على الإرهاب"

تولى مدين رئاسة دائرة الاستعلام والأمن عام 1992، حين أسفرت الانتخابات عن فوز الإسلاميين، ثم ألغى الجيش نتائج الانتخابات. ولعبت المخابرات دورا محوريا في الحرب الأهلية التي تلت هذه الفترة وقُتل فيها أكثر من 150 ألف شخص.

مصدر الصورة AP
Image caption عاشت الجزائر في قبضة أمنية أثناء الحرب الأهلية، والتي ترأس مدين المخابرات خلالها.

وتعرف المخابرات الجزائرية بكونها مؤسسة ذات نفوذ تجمع أسرار حكومية وخاصة لتتمكن من استخدامها ضد الأعداء في المستقبل.

ومن المعتاد أن يُحاط رئيس المخابرات بهالة من الغموض، لكن على عكس أقران مدين في الدول المجاورة، فاق نفوذه وسلطته في الجزائر الحد.

ونادرا ما التُقطت لمدين صورة، والقليلون جدا خارج نفوذ السلطة قابلوه أو تحدثوا إليه شخصيا، مما يزيد من حالة الغموض المحيطة به والسلطات التي مارسها.

وقال أحد المراقبين على تويتر: "بوتفليقة الذي لم يعد يظهر علنا أقال توفيق، الرجل الذي لم يظهر أبدا علنا".

لكن المعروف عن "الجنرال توفيق" هو أنه كان مرهوب الجانب، ويحظى بدعم لدوره فيما عُرف بـ "الحرب على الإرهاب"، والطريقة القاسية التي ما زالت تفرضها في التعامل مع المسلحين الإسلاميين في الصحراء.

تطهير المخابرات

إذن، ماذا تعني إقالة مدين بالنسبة للجزائر؟

كانت هناك تصفية تدريجية للنخب الأمنية في البلاد خلال العاميين الماضيين. وفُصل عدد من كبار قادة المخابرات، أو قُبض عليهم، أو "استبدلوا" خلال الشهور الأخيرة.

مصدر الصورة Reuters
Image caption تعتبر صحة الرئيس بوتفليقة المتدهورة أحد أكبر الأسرار في الجزائر.

ويعتبر خليفة الجنرال مدين، اللواء عثمان طارطاق، وثيق الصلة بالرئيس بوتفليقة وسبق أن خدم معه كمستشار أمني العام الماضي.

ولا يرغب الكثيرون في الحديث علنا بشأن التغييرات الأخير في الجزائر.

لكن المراقبين بوجه عام يعتقدون أن رحيل رئيس المخابرات يرتبط بالمعضلة الجزائرية الراهنة وهي: ماذا سيحدث بعد الرئيس بوتفليقة؟

فمن أجل انتقال أكثر سلاسة، ربما تذلل بعض العقبات المحتملة.

إن استبدال جيل من رجال مخابرات وعسكرين "مسيسين" من فترة الحرب الأهلية سيكون مفتاح هذا السيناريو.

لكن البعض يرى أن الإقالات الأخيرة تعد جزءا من خطة أوسع نطاقا تهدف إلى الحد من سلطات أجهزتها الأمنية القوية، وهي عملية تنشط منذ سنوات.

خضوع للفرنسيين؟

ويعرب أدلين مدي، محرر بصحيفة "الوطن ويك إند" الجزائرية الخاصة، عن قلقله بشأن التغييرات، ويعتقد أنها تمهد الطريق لمزيد من المركزية ووضع السلطة في يد حفنة قليلة من الأشخاص.

وأضاف: "يمكن للتحركات الأخيرة أن تخلق مواجهات خطيرة في البلاد."

وأشار أن هذه الخطوة قد تمثل صدعا في توازن القوى بين الرئاسة والجيش والمخابرات.

مصدر الصورة AFP
Image caption من الواضح أن مقاليد الحكم وموازين السلطة تتغير في الجزائر.

وقال إن الإجراءات الأخيرة قد تمهد الطريق لرئاسة يسيطر عليها رجال الأعمال أو تخضع لحلفاء أجانب مثل فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، وهو أمر حساس في الجزائر.

وراجت شائعات سابقة أشارت إلى أن الجنرال توفيق قال إنه معارض لقرار الرئيس بوتفليقة وسعيه لولاية رئاسية رابعة في أبريل/نيسان الماضي، على الرغم من أنه (توفيق) لم يعرب علنا بالطبع عن آرائه.

لكن أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، عمار سعداني، اعترض في ذلك الوقت على ما وصفه بتدخل المخابرات في شؤون الحزب.

ونقلت أنباء عنه قوله : "يتعين عليهم أن يركزوا في قضايا الأمن. مكان الجيش في الثكنات".

وبالنظر بعين الاعتبار لهذه الخلفية وما قد يحدث بعد الرئيس بوتفليقة، تشير الإقالات الأخيرة إلى تحول في قواعد السلطة.

لكن نهاية اللعبة تبدو غامضة على نحو مثير للجدل كالرجل الذي نادرا ما التقطت له الصور.

المزيد حول هذه القصة