تزايد الضغوط على السعودية بعد حادث التدافع في منى

مصدر الصورة AP
Image caption يعتبر تنظيم مناسك الحج من التحديات السنوية التي تواجه السلطات السعودية.

إن رعاية أداء مناسك الحج مدعاة لفخر العائلة المالكة في السعودية التي يتباهى ملوكها بحمل لقب "خادم الحرمين الشريفين". لكن هذا الشرف يقابله مسؤولية ثقيلة أيضا.

ويشعر السعوديون بأنهم أوفوا بهذا الالتزام بإنفاقهم مليارات الدولارات على مشروعات توسعة الحرمين في مكة والمدينة، وتحسين شبكة المواصلات والبنية التحتية بما يضمن استيعاب سلس وآمن قدر المستطاع لحركة هذا الكم الهائل من البشر.

لكن حدوث مأساة بهذا القدر، مثل حادثة التدافع الأخيرة في منى، تبرز شكوكا بشأن قدرة السعودية في التصدي لمثل هذا التحدي غير العادي.

لقد أصبح السعوديون أقل غموضا عن السابق بشأن الإفصاح عن المعلومات، فقد خرج العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز على شاشات التلفزيون بعد ساعات من وقوع الكارثة ليأمر بمراجعة شاملة لطريقة تنظيم الحج، كما وعد بفتح تحقيقات شاملة بعد أن بدأت تروج شائعات بشأن ما قد يحدث.

جوقة انتقادات

لكن أيا كانت النتائج التي ستخرج بها التحقيقات، سيكون هناك شكوك في تورط أحد من المقربين من العائلة المالكة أو النخبة السياسية.

ويقول مسؤولون سعوديون إن الحجاج أنفسهم يتحملون مسؤولية أساسية في عدم إتباعهم إرشادات السلامة، وهي حجة من غير المرجح أن تساعد البلاد في تجنب جوقة الانتقادات المتزايدة تجاهها.

يقود هذه الجوقة إيران، الخصم الرئيسي للسعوديين في المنطقة، فسرعان ما تدخل المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي منتقدا السعوديين، كما اتهم مسؤول إيراني بارز الرياض بعدم الكفاءة.

وفي سوريا، حيث يسعى السعوديون إلى إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، انتهجت الصحف الحكومية نفس الاتجاه، واتهمت صحيفة "البعث" الحكومية السلطات السعودية بفشلها في إدارة تنظيم مناسك الحج بطريقة مناسبة.

مصدر الصورة SPA
Image caption وقع حادث التدافع على الطريق المؤدي بالحجاج إلى شاخص الجمرات.

لكن الإيرانيين والسوريين ليسوا وحدهم من يصر على إجابات من السعودية بشأن أسئلة مطروحة.

ويقول سنوسي لاميدو سنوسي، رئيس بعثة الحج النيجيرية في مكة، إن ملابسات وقوع الكارثة تحتاج إلى النظر إليها عن كثب.

وقال "أولا وقبل أي شئ، نعرف جميعا أن الحادث لم يقع عند رمي الجمرات، بل حدث في الطرق المخصصة لقدوم وخروح الحجاج من وإلى الجمرات، وهو ما لا ينبغي أن يحدث".

وأضاف "من ثم ندعو السلطات السعودية إلى عدم إلقاء لوم على الحجاج بعدم اتباعهم الإرشادات".

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ظهر هاشتاغ بعنوان "الإدارة_السعودية_الفاشلة" حقق شيوعا بين المستخدمين. كما ظهر رد في هاشتاغ آخر يدعو السعوديين إلى الدفاع عن بلدهم ضد ما أسموه "مؤامرة".

ذخيرة للأعداء

وكان هناك ردود فعل من أنصار تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي حول اهتمامه مؤخرا تجاه السعودية، بعد تفجير عدد من مساجد الشيعة هناك.

وكتب أحد أنصار تنظيم "الدولة الإسلامية" في تغريدة على حسابه : "جاءوا (الحجاج) من مناطق بعيدة ونائية لأداء الحج، لكنهم تعرضوا لسوء معاملة وقتلوا على يد السعودية..... إنها سوء إدارة".

مصدر الصورة AP
Image caption تواجه السعودية انتقادات لاذعة بشأن معالجتها للكارثة.

ومما لا شك فيه أن خصوم السعودية وأعداءها سيستخدمون الكارثة لمصلحتهم.

فمع تولي الملك سلمان الحكم، يحيط به فريق من المستشارين الشباب، إضافة إلى زيادة دور السعودية بشكل فعال وملموس في المنطقة أكثر من ذي قبل، من غير المتوقع عدم توجيه انتقادات لها.

فالحرب في اليمن ودعم السعودية للمعارضة المسلحة في سوريا، وتراجع أسعار النفط، كلها عوامل وضعت السعودية وقيادتها الجديدة في دائرة الضوء.

تفرقة اجتماعية

لطالما يثار جدل بشأن الطريقة التي ينفذ بها السعوديون مشروعات توسعة الأماكن المقدسة في مكة والمدينة وغيرها والتي تتكلف مليارات الدولارات. وانتقد بعض الباحثين تدمير آثار تمثل تاريخ المنطقة وتعود إلى عهد النبي محمد.

قد يكون ذلك مقبولا لدى الوهابيين المتشددين، لكن آخرين أدانوا خسارة مثل هذا التراث الذي لا يعوض في تاريخ الإسلام.

كما يشعر البعض بأن بناء مجموعة من الفنادق الجديدة والمتاجر الفخمة في مكة قد يشتت مشاعر الفرد تجاه قدسية المدينة.

أما عن التقارير التي تتحدث عن أن السعوديين يجنون مليارات الدولارات من تنظيم الحج فقد أثارت انتقادات في بعض الدوائر التي تقول إنهم ربما يولون اهتماما متزايدا بالأغنياء الذين يقيمون في فنادق وخيام فخمة أكثر من الحجاج العاديين.

Image caption هناك شكوك بشأن قدرة السعودية في التصدي لمثل هذا التحدي اللوجستي غير العادي.

وقال أحد شهود العيان، كان وسط التدافع المميت يوم الخميس، لبي بي سي متحدثا عن كيفية نجاته من الحادث : هناك تفرقة "بيننا وبينهم".

وأضاف "على الجانب الأيسر والجانب الأيمن توجد خيام. يغلقون أبوابها ويقولون نأسف، لا نستطيع أن نجعل أحدا يدخل. وسألت أحدهم : إذا فتحتم أبوابكم، فسوف يدخل الناس إلى الخيمة لمدة خمس أو عشر دقائق.وحينئذ لن يمت أحد".

شهادة كهذه قد تسبب قلقا كبيرا للسعوديين، لكونها تشير ضمنا إلى أنه على الرغم من كل هذه المليارات التي تنفق على تطوير المواقع المقدسة، قد لا يوجد اهتمام كاف على المستوى الإنساني بمعاملة الحشود الوافدة من الحجاج على قدم المساواة، مثلما ترمز ملابس الإحرام التي يرتدونها جميعا عند دخولهم إلى مكة.

المزيد حول هذه القصة