ظلال حرب إيران والعراق لا تزال تخيم على المنطقة

مصدر الصورة Getty

لا بد للحروب أن تضع أوزارها في نهاية المطاف، لكن تبعاتها تستمر إلى ما هو أبعد من ذلك.

فقبل 35 عاما، اندلعت أطول حرب خلال القرن الماضي، غير أن ما تمخضت عن هذه المواجهة القاسية التي استمرت ثمانية أعوام بين إيران والعراق لا يزال يتردد صداه حتى يومنا هذا.

ويقول الشاعر والروائي العراقي سنان أنطون، الذي نشأ في العاصمة العراقية بغداد: "لا تزال رحى الحرب تدور على مستوى العديد من الجوانب، بطريقة أو بأخرى، وكرةً بعد كرة."

أما على أنصاري، الأستاذ بجامعة سانت أندروز باسكتلندا، فيقول: "أعتقد أن الحرب بين إيران والعراق كان لها تأثير عميق على الطريقة التي نشأت بها الجمهورية الإسلامية. لقد استخدم الحرس الثوري الإيراني الأكثر تشددا هذه الحرب كأسطورة تأسيسية."

وستستمر الخسائر البشرية إلى الأبد.

ويقول أنطون، الذي يعمل الآن أستاذا مساعدا في كلية غالاتين بجامعة نيويورك: "فقدت جارتنا ساقيها خلال هذه الحرب. وفي عام 1990، عندما تخلى صدام حسين عن جميع الأشياء التي يفترض أنه حارب من أجلها، قالت جارتنا ’لماذا فقدت ساقي إذا؟ لقد ذهب كل شيء دون مقابل."

وقتل نحو مليون شخص في هذه الحرب، التي تركت آثارها على جيل كامل على جانبي هذا الانقسام المرير.

Image caption صدام حسين في بداية الحرب بين إيران والعراق. يعتقد أن الحرب التي استمرت ثماني سنوات أدت لمقتل مليون شخص

وحتى الدروس المستفادة من هذه الحرب قد فقدت أيضا في منطقة تعج الآن بصراعات ملتهبة تؤججها حروب بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية. وتتمزق سوريا والعراق واليمن إربا فوق تصدعات عميقة: بين الشيعة والسنة، والفرس والعرب، وتحالفات "حرب باردة جديدة" بين موسكو وواشنطن.

ودارت الحرب الإيرانية العراقية في زمن مختلف بدرجة ملحوظة في بعض النواحي، وكان العراق تحت حكم استبدادي لصدام حسين، الذي أطيح به في وقت لاحق وحوكم وأعدم بعد غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003.

وكانت إيران المجاورة تحت حكم آية الله الخميني، الذي كان قد عاد لتوه من المنفى ليقود الثورة الإيرانية عام 1979، التي أطاحت بالشاه. وأججت هذه المواجهة مع خصمه اللدود صدام حسين المشاعر في بلاده، في الوقت الذي كان يكافح فيه من أجل تعزيز ثورته على الأعداء في الداخل.

واندلعت أعمال القتال في سبتمبر/أيلول 1980 بعد أشهر من تصاعد التوتر على طول الحدود بين البلدين. وتقدمت القوات العراقية عدة مئات من الأميال داخل الأراضي الإيرانية وضربت طائراتها الحربية مطار طهران.

ويقول منصور فارهانغ، الذي كان يشغل قبل عام من اندلاع الحرب منصب سفير إيران في الأمم المتحدة وعمل مع وسطاء دوليين خلال السنوات الأولى للحرب بهدف وضع حد لها: "بالرغم من أن صدام كان مسؤولا من الناحية القانونية عن الغزو غير الشرعي، فإن الخميني قد ساعد في إشعال الحرب عن طريق التخريب والدعاية الضخمة."

ومع استمرار الحرب، بحث كل طرف عن الدعم والإمدادات من الحلفاء الأجانب، وقدمت الولايات المتحدة الدعم الاقتصادي والعسكري للعراق بشكل كبير، كما اعتمدت القوة المقاتلة لإيران على الحماسة المذهلة لمقاتليها الذين تدفقوا إلى الأمام.

Image caption ينظر إلى الحماسة الثورية لآية الله الخميني باعتبارها أحد الدوافع الرئيسية للصراع

ولكن أصبحت هذه المواجهة، بمرور السنوات، تعرف باسم "الحرب المنسية"، حتى مع استمرار دفع إيران والعراق لثمن باهظ على نحو متزايد.

لكن العالم أدرك حجم المجزرة عندما أطلق صدام رعب الأسلحة الكيماوية ضد خصومه الإيرانيين والأكراد العراقيين الذين يؤيدونهم.

وتركز التفكير الإيراني على الحاجة الملحة لإيجاد وسيلة للخروج عندما أسقطت السفينة الحربية الأمريكية "يو إس إس فينسين" طائرة إيرباص تابعة للخطوط الجوية الإيرانية "إيران إير الرحلة رقم 655" في يوليو/تموز 1988، مما أسفر عن مقتل 290 شخصا كانوا على متنها.

وأعربت الحكومة الأمريكية عن "أسفها العميق"، لكن هذا الحادث زاد الشكوك الإيرانية في أن واشنطن كانت على وشك الدخول بشكل مباشر في هذه المواجهة.

ووصف آية الله الخميني قراره المتردد بقبول قرار الأمم المتحدة بإنهاء الحرب بأنه "تجرع للسم".

وبعد مرور ثلاثة عقود، يستدعي كثيرون هذا الوصف لتوضيح القرار الصعب الذي اتخذه خليفته آية الله خامنئي بقبول اتفاق العام الحالي مع القوى العالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة، لكبح برنامجها النووي بشكل كبير.

لكن إيران باتت الآن لاعبا قويا في المنطقة، ولديها نفوذ كبير على القيادة العراقية ذات الأغلبية الشيعية وبعض الميليشيات المسلحة تسليحا جيدا.

Image caption يعتقد بعض الخبراء أن الصراع الحالي في سوريا له جذوره في الحرب

وما إن خرجت إيران من حرب، في عام 1988، حتى دخلت في حرب أخرى، وهي الآن تجد نفسها تقاتل التنامي المرعب لما يسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية" المعادي للشيعة.

لقد حاول الخميني أن يحشد الأغلبية الشيعية في العراق إلى جانبه خلال الحرب التي استمرت ثماني سنوات، لكنه فشل في ذلك. لكن الصراعات الطائفية في الكثير من حوداث العنف تهدد بقاء العراق كدولة موحدة.

وتحولت سوريا المجاورة إلى ساحة قتال بين قوات الرئيس الأسد المدعومة من إيران وروسيا، وقوات المعارضة المسلحة المدعومة من عدد من الدول العربية والغربية.

ويتجلى الأمر الأكثر مأساوية في حالة اليأس المتنامي من تشريد الملايين الآن من ديارهم في نزوح جماعي لطالبي اللجوء اليائسين في طريقهم إلى أوروبا.

إن أشعار الرثاء التي كتبها الشاعر العراقي أحمد مشتت، الذي جند خلال الحرب العراقية الإيرانية في فترة الثمانينيات بعد دراسته للطب، لا تزال يتردد صداها في جميع أنحاء المنطقة.

يقول مشتت: "أعتقدنا أن هذه الحرب لن تنتهي أبدا. كنا نفقد أصدقاءنا وأبناء عمومتنا وأشقاءنا كل يوم."

لا بد للحروب أن تنتهي في نهاية المطاف، لكن الحروب في عصرنا هذا يمكن أن تمتد لفترات أطول من الحروب التي استمرت لفترة طويلة خلال القرن الماضي.

المزيد حول هذه القصة