ابحثوا عن عزام: عندما التقيناه أول مرة

Image caption الرجل أخذ عزام من المستشفى واختفى به

مراسل بي بي سي، جون سويني، في رحلة للبحث عن الطفل السوري عزام، والذي ظهر في تقرير عن اللاجئين في صربيا الشهر الماضي. وكان عزام مصابا بجراح شديدة حين التقاه سويني لأول مرة، واختفى منذ ذلك الحين. ويستخدم الأوروبيون هاشتاغ للتدوين عبر تويتر، في محاولة للعثور على عزام.

22 أكتوبر/تشرين الأول: في مركز الاستقبال الصربي حيث التقيت عزام لأول مرة مع الرجل الذي ادعى أنه والده

المطر، والبرد، وتوافد أعداد هائلة من البشر، وأصوات بكاء الأطفال تتعالى، مشهد يدفعك للبكاء. وهنا تبدو محاولة البحث عن طفل وسط هذا الجمع من البشر الوافدين من سوريا إلى شمال أوروبا مهمة مستحيلة وحمقاء.

التقيت الطفل عزام منذ حوالي شهر، في مدينة بريشيفو بجنوب صربيا، وكان فكه ملفوفا برباط. وكان عزام بصحبة 13 رجلا، ادعى أحدهم أنه والده، وقال إنهم تركوا أمه في تركيا.

وفي اليوم التالي، التقيت عزام في بلغراد. كان وحيدا، متألما في مركز طبي. ثم ظهر "والده" مرة أخرى وذهبوا في عربة إسعاف إلى مستشفى، حيث أُجريت أشعة لعزام، ثم اختفى الطفل والوالد المزعوم.

Image caption مهمة العثور على طفل وسط صفوف اللاجئين المتعبين من البرد والمطر قد تبدو مستحيلة أو تصرف أحمق.

أحاول العثور على عزام وتوصيله بأمه. لا أعلم مكانها أو حتى اسمها، لكنها قد تكون في الطريق تبحث عن ابنها.

في سبتمبر/أيلول الماضي، عندما التقيت عزام لأول مرة في بريشيفو، كان في مركز الاستقبال حوالي ثلاثة آلاف شخص. ومنذ يومين، مر عشرة آلاف شخص بالمركز.

والأخبار السيئة، بحسب سيدا كوزوكو، من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، هي أن غالبية الوافدين أسر ومعهم أطفال. وقالت كوزوكو: "طبيعة الوافدين تغيرت. في فترة كان نصف الوافدين من الذكور الشباب. والآن، 60 في المئة من الأسر السورية أتت بصحبة أطفال. الظروف سيئة، والأطفال يعانون من البرد والمطر".

Image caption الملصق به صورة لعزام والرجل الذي ادعى أنه والده.

ملصق

وأثناء البحث عن الصبي المفقود، يحيط بي أطفال فقدوا منازلهم، وحماسهم، وبلدهم.

وتحاول السلطات الصربية إنجاز أوراق الوافدين بسرعة، ليتوجهوا إلى الدولة المقبلة في طريقهم الطويل نحو الشمال. وأغلب الوافدين من المهاجرين السوريين، وبعض المهاجرين من البلاد الأخرى بسبب الظروف الاقتصادية.

لكن صف الوافدين على المركز الصربي طويل، وأغلبه في العراء حيث يرتجف المنتظرون وسط المطر، وتزرق الأنوف، ويبكي الأطفال. وأخشى أن الكلمات لا تكفي لوصف صعوبة المشهد.

طبعنا ملصقا ملونا، باللغتين العربية والانجليزية، يظهر به عزام والرجل الذي ادعى أنه والده. لكننا لم نجرؤ على سؤال المنتظرين، المرتجفين، المتعبين عن طفل صغير.

واستجمعت شجاعتي أخيرا وبدأت توزيع الملصقات التي تحمل الهاشتاغ "ابحثوا عن عزام". أحد الشباب، طالب هندسة في جامعة دمشق، قرأ الملصق بالعربية لمن يقفون بجانبه. وكان كل منهم غارقا في ثيابه بسبب المطر.

وأحد الموجودين، وهو رجل كردي مسن من بلدة القامشلي، نظر مليا إلى صورة عزام، ثم هز رأسه في أسى. لم يتعرف أحد على الطفل التائه، لكنهم فهموا ما نقصده. أظهروا بعض الاهتمام بالأمر، ثم بدأ الصف بالتحرك.

Image caption هؤلاء الأطفال لم تفقدهم أسرهم، لكنهم فقدوا آمالهم وبلدهم.

وداخل المركز، في خيمة بيضاء كبيرة، نظرت امرأة سورية للصورة، وكان وجهها يشي بالبرد الشديد. ولم تتعرف على عزام، واعتذرت. سألتها عن وجهتها، فقالت "السويد". وطلبت منها أن تحتفظ بالملصق حتى تصل إلى السويد، وتطلب من أصدقائها البحث عن عزام. وقالت إنها ستفعل.

وهذا ما خطر لي، أنه وسط كل هذا الخراب والحرب الشرسة، هناك لاجيء يهتم بمعاناة طفل صغير.

وأذكر أن صديقتي آلان ليتل، مراسلة سابقة في بي بي سي، كانت تقول عن الحرب في يوغوسلافيا إنه "في أسوأ الأوقات، تكتشف أفضل ما في الناس. ولا أجد أنسب من ذلك لوصف ما حدث في بريشيفو تحت المطر".

لذا، أشكر الشاب المهندس، والرجل المسن من القامشلي، والمرأة المتوجهة إلى السويد. ويستمر بحثنا عن عزام رغم أنه قد يبدو مستحيل وأحمق.

وجهتي القادمة هي مستشفى بلغراد، حيث شوهد عزام آخر مرة.

المزيد حول هذه القصة