أزمة الطائرة الروسية توتر العلاقات بين لندن والقاهرة

مصدر الصورة EPA
Image caption أودى حادث سقوط الطائرة الروسية بحياة 224 راكبا وطاقم القيادة

أسبوع على سقوط الطائرة الروسية في شبه جزيرة سيناء في مصر، ولم يتوصل المعنيون بالتحقيق إلى نتيجة أو إجماع رسمي على سبب الحادث الذي أودى بحياة 224 راكبا وطاقم القيادة.

وتلقت العلاقات بين لندن والقاهرة ضربة مؤثرة في طريق البحث عن أسباب ما حدث.

يقول مصدر مسؤول بالحكومة البريطانية عن المحادثات البريطانية المصرية: "لقد لمسنا وترا حساسا في العلاقات بين البلدين."

وكان المصدر قد حضر المحادثات التي سادها التوتر بين الجانبين البريطاني والمصري عقب البيان الذي أصدرته الحكومة البريطانية الذي أشار إلى أنه "ربما تكون عبوة ناسفة هي التي أسقطت الطائرة"

وأثار البيان البريطاني أسوأ السيناريوهات المحتملة الذي يشير إلى أنه ربما يكون المسؤول عن الحادث جماعة جهادية محلية تُدعى "ولاية سيناء" كانت قد أعلنت ولاءها لتنظيم الدولة منذ ما يقرب من عام.

وزعمت الجماعة أنها أسقطت الطائرة الروسية من طراز إيرباص، إلا أن مزاعمها قوبلت بشكوك من جهات عدة.

وقال لي وزير الخارجية المصري سامح شكري بغضب أثناء مكالمة هاتفية أجريتها معه: "إنهم يقفزون إلى النتائج"، وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان مكتب رئاسة الوزراء البريطاني تعليق الرحلات الجوية إلى منتجع شرم الشيخ السياحي، الذي يقع على الأطراف الجنوبية لشبه جزيرة سيناء، ما يعني أنه يتمتع بأكبر قدر من الأمن في المنطقة.

لكن منذ ذلك الحين، سارت دول عدة على خطى بريطانيا في تعليق رحلاتها الجوية إلى شرم الشيخ مع إصدار توصيات سفر ذات محتوى تحذيري بمجرد ظهور بعض التقارير الاستخباراتية ومراجعتها بإمعان.

وحتى روسيا، التي هرعت من أجل الدفاع عن حليفتها المقربة في باديء الأمر، اتخذت قرارا بتعليق الرحلات الجوية، ليس فقط إلى سيناء، بل إلى جميع أنحاء مصر.

وحتى الآن، لا زال المسؤولون بالإدارة الأمريكية يتعاملون بحذر شديد مع تقييمهم لما وصفوه بالقصور الاستخباراتي.

"سيناريو مؤكد"

أكد أيمن المقدم، رئيس فريق التحقيق الذي يضم لجنة تشكلت من محققين من خمس دول، أن ضوضاء مرتفعة سُمعت في الثانية الأخيرة من تسجيلات مقصورة قيادة الطائرة الروسية.

ولكنه رفض التطرق إلى سبب الضوضاء وما إذا كانت ناتجة عن عطل فني أم عمل إرهابي.

وبالنسبة لمصر، يقع ما أشار إليه المقدم بشكل غير مباشر بأنه "سيناريو محقق" على جانب كبير من الأهمية وله آثار مفجعة على قطاع السياحة الذي تُعلق عليه الحكومة الآمال في إنعاش الاقتصاد المتداعي، علاوة على وضعه سمعة القوات المسلحة المصرية، ذات الشعبية الكبيرة بين المصريين، أثناء معركتها مع الجماعات الإرهابية على المحك.

مصدر الصورة AFP
Image caption ظهرت أزمة تعليق الرحلات الجوية البريطانية إلى سيناء أثناء اول زيارة رسمية للرئيس السيسي إلى لندن

وسألتُ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأسبوع الماضي عما إذا كانت قواته المسلحة تسيطر بشكل كامل على سيناء.

وكانت الإجابة المباشرة للقائد العام السابق للقوات المسلحة المصرية إنها "بالطبع تحت سيطرتنا الكاملة".

وأضاف بإصرار: "لن نقبل أبدا ألا تكون لنا السيطرة الكاملة على بلادنا."

ووصل الرئيس المصري إلى لندن في توقيت مربك، فبمجرد أن وطأت قدماه لندن في أول زيارة رسمية له، ظهرت الأخبار عن تقييم بريطانيا للأمن والسلامة في سيناء.

مطلب صعب

وكان المسؤولون البريطانيون يأملون في أن يخرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون من المحادثات بما يشير إلى تقارب في وجهات النظر، أو ما يرمز إلى حل ما بينهما من خلافات.

لكن القاهرة وقفت حائلا دون تنفيذ مقترح إعلان تفاصيل "خطة مشتركة" بين البلدين.

وأخبرني مسؤول مصري بأن الجانب البريطاني وضع الحكومة المصرية في "مأزق".

مصدر الصورة AP
Image caption هناك عشرون ألف سائح بريطاني عالقون في سيناء يسعون إلى العودة إلى بلادهم

وأضاف أن "فريقنا يحتاج إلى وقت لدراسة التفاصيل."

وقالت مصادر مصرية مسؤولة أيضا إنها كانت تأمل في أن يعترف الجانب البريطاني بالأثر الكارثي لتحرك بريطانيا الأخير على قطاع يوفر ملايين فرص العمل وتعتمد عليه مصر كمصدر أساسي للعملة الأجنبية، في وقت ينخفض فيه احتياطي النقد الأجنبي.

وقال إتش أيه هيللير، زميل المجلس الأطلنطي ومعهد الخدمات المتحدة المقيم في القاهرة، إنه "من المفهوم أن القاهرة تضررت كثيرا من قرار لندن المفاجيء بتعليق الرحلات الجوية إلى سيناء."

لكنه أضاف أنه "إذا لم تتعلم الحكومة المصرية شيئا من المشهد الحالي، من خلال إيجاد آليات فعالة لإدارة الأزمة وإظهار المزيد من العناية بالشأن الأمني، فسوف تواجه القاهرة مواقف حرجة أخرى في المستقبل."

وعلى مدار الأسبوع الماضي، عُزز التعاون بين الجانبين البريطاني والمصري على مستويات عدة، من بينها ما صرح به مسؤول مصري من أن الحكومة استجابت لجميع الطلبات البريطانية بما في ذلك نشر قوات إضافية من الجيش لتأمين محيط مطار شرم الشيخ.

في المقابل، اعترف مسؤول بريطاني بأن حكومته تقدمت بـ "مطلب صعب" للحكومة المصرية، في إشارة إلى زيادة عدد قوات تأمين المطار، مع استمرار تنامي مخاوف وجود ثغرات أمنية، ما دفع بريطانيا إلى اتخاذ القرار بتعليق الرحلات الجوية.

ارتفاع حدة الهجوم

ويحتل بؤرة الاهتمام في الوقت الراهن عشرون ألف سائح بريطاني عالقون في سيناء يسعون إلى العودة إلى بلادهم على متن الرحلات الجوية التي استؤنفت منذ أيام.

كما تظل عمليات تأمين المطار المصري تحت مجهر المجتمع الدولي مع تدفق وسائل الإعلام العالمية إلى هذا المنتجع السياحي المطل على البحر الأحمر.

كما أنه لابد لمصر من مواجهة الإزعاج المتنامي الذي تسببه الجماعة الموالية لتنظيم الدولة في سيناء، والتي يتعاظم خطرها على موارد وطموحات البلاد.

وهناك أيضا عدد من الجماعات المسلحة التي ينتمي أفرادها إلى قبائل بدوية عانت لعقود من إهمال الحكومات المتعاقبة في مصر، وهي الجماعات التي تمارس نشاطها المسلح في صحراء شمال سيناء القاحلة.

ولقي المئات من جنود الجيش والشرطة المصريون مصرعهم في هجمات نفذتها تلك الجماعات المسلحة.

وقامت القوات المسلحة المصرية بتنفيذ عمليات عسكرية على مدار الأسابيع القليلة الماضية في منطقة عسكرية مغلقة في أعقاب هجوم من مسلحين على المنطقة أودى بحياة 21 جنديا وفقا للأرقام الرسمية.

وظهرت تقديرات أخرى رفعت أعداد ضحايا ذلك الهجوم إلى رقم أكبر بكثير في إطار تحليلات رجحت أنه الهجوم الأكبر على الإطلاق الذي تعرضت له القوات المسلحة المصرية منذ حرب عام 1973.

مصدر الصورة Reuters
Image caption يرى البعض أن هناك علامات استفهام كثيرة حول الوضع الأمني في مصر

وشهدت العاصمة المصرية القاهرة أيضا هجومين عنيفين هذا الصيف تضمنا اغتيال النائب العام، أعلى سلطة قضائية في مصر، في وضح النهار علاوة على العبوة الناسفة التي أحدثت أضرارا بالغة في محيط القنصلية الإيطالية، ما وضع المزيد من علامات الاستفهام حول الوضع الأمني في مصر.

وتحمل السلطات في مصر عناصر من جماعة الإخوان المحظورة مسؤولية تلك الهجمات في حين يفترض البعض أن تلك الهجمات ينفذها مقاتلو تنظيم الدولة الذين عادوا من سوريا وليبيا إلى مصر.

وأعرب مسؤولون غربيون عن قلقهم إزاء إمكانية أن تدفع القوانين الأمنية الصارمة والضربات العقابية في سيناء المزيد من المصريين إلى هوة التطرف.

كما تتضمن المخاوف الحدود مع ليبيا المضطربة التي تحوي العديد من معاقل تنظيم الدولة، وهي الحدود التي تمتد على 1200 كيلو متر.

وكانت الأزمة في ليبيا على رأس اجندة زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى لندن قبل ظهور أزمة تعليق الرحلات الجوية البريطانية إلى مصر على السطح.

ولدى سؤاله عن مدى فاعلية الضربات الجوية التي يشنها الغرب على معاقل تنظيم الدولة في سوريا والعراق، قال الرئيس المصري: "لقد حذرت من الخطر الذي يمثله المقاتلون في سوريا علينا جميعا منذ عامين ونصف، لكن الأمر استغرق عاما كاملا من قوى الغرب لدراسة تلك القضية."

وأضاف: "ونقول الآن أن هناك تهديدا لأمننا في ليبيا، وآمل ألا يستغرق الأمر منهم وقتا طويلا حتى يستجيبوا."

وأكد أن تلك القضايا ملحة للغاية، لكن معالجتها تحتاج إلى وقت وموارد.

وقال أحد كبار المسؤولين في بريطانيا إنه "لابد لنا من التعامل مع تلك القضايا"، مقللا من شأنها إلى حد ما.

في المقابل، لا يمكن للجانب المصري التقليل من شأن تلك المخاوف ومدى ما تمثله من خطر حقيقي في الوقت الراهن.

المزيد حول هذه القصة