الأزمة السورية: دوافع للبحث عن حل، وعراقيل تحول دونه

مصدر الصورة Reuters
Image caption هناك جماعات متنوعة من المعارضة المسلحة على الأرض في سوريا، يزيد عددها على ألف جماعة

بالتزامن مع تحليق طائرات حربية أمريكية وروسية في سماء سوريا بحثا عن أهداف تقصفها، انفجرت طائرة فوق سماء سيناء المصرية، وهُددت عواصم إقليمية وغربية أو تعرضت بالفعل لعدة هجمات منسقة، وهو ما جعل الأزمة السورية وتداعياتها تبدو أخطر من أي وقت مضى.

لكن التطورات الأخيرة المتسارعة قد تكون السبب الذي يجعل حل الأزمة السورية أقرب من أي وقت مضى.

غير أن هذا لا يعني أنه بات قريبا أو أنه سيحدث بالفعل.

وبعد أن أصبحت الأزمة محط اهتمام القادة الدوليين، بدءا من واشنطن مرورا بأوربا ووصولا إلى موسكو وما بعدها، باتت الجهود الرامية لحل الأزمة أكثر إلحاحا وجدية بشكل غير مسبوق، منذ اندلاع الأزمة السورية في مارس/ آذار 2011.

ومن أوضح العوامل التي قادت إلى هذه العملية الدبلوماسية الغضب الناتج عن الهجمات التي نفذها تنظيم "الدولة الإسلامية"، بدءا من قتل عشرات السائحين البريطانيين في تونس في يونيو/ حزيران، والانفجارات المميتة التي وقعت في أنقرة وبيروت، وإسقاط الطائرة الروسية فوق سيناء بواسطة قنبلة تم تهريبها على متن الطائرة، وصولا إلى مذبحة باريس في الثالث عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني.

ويترجم هذا إلى دفعة قوية للتسوية في سوريا من أجل سبب وحيد وواضح: قوات برية على الأرض.

وبينما جاء رد فعل فرنسا متعجلا عقب هجمات باريس، وكذلك روسيا بعد إسقاط طائرتها فوق سيناء، بإرسال طائرات لقصف الأهداف المفترضة لتنظيم الدولة من الجو، فإن هناك إجماع عالمي على أن مثل هذه التحركات ليس بإمكانها هزيمة التنظيم، ما لم تستكمل بتقدم قوات برية مؤهلة ومتماسكة على الأرض.

مصدر الصورة Reuters
Image caption يتصدر الرئيسان هولاند وبوتين الجهود الرامية للتوصل إلى نهج منسق لمواجهة داعش

وهنا تكمن المشكلة.

ففي سوريا استطاع الأكراد فقط شمالي البلاد إثبات قدراتهم كحليف يعتمد عليه على الأرض.

ويقاتل أكراد سوريا تنظيم "الدولة الإسلامية" فعليا منذ أكثر من عام، دون أن يعيرهم العالم أي اهتمام.

وعلى الرغم من أن المقاتلين الأكراد يتم تدريبهم بشكل أكبر حاليا من جانب الأمريكيين، الذين أرسلوا بضع عشرات من القوات الخاصة لمساعدتهم، إلا أن قدراتهم محدودة.

فهم لا يستطيعون التقدم في عمق المناطق العربية من سوريا، دون أن يخلقوا رد فعل مجتمعيا عنيفا، بسبب اختلاف عرقهم.

عزل الرقة

وبينما التحق بالمقاتلين الأكراد بعض المقاتلين العرب ومقاتلون مسيحيون محليون، وأعيد تسمية قواتهم باسم "القوات السورية الديمقراطية"، إلا أن هذا لا يعدو كونه أمرا تجميليا حتى الآن، فلا تزال وحدات حماية الشعب الكردية هي القوة الرئيسية المقاتلة.

في الوقت الراهن ولهذا السبب، فإن الهدف يبدو ليس الاستيلاء على محافظة الرقة، "عاصمة" تنظيم الدولة في شمال شرقي سوريا، وإنما عزلها.

مصدر الصورة Reuters
Image caption القوات الكردية في سوريا عليها قيود، إذ لا تستطيع التقدم في عمق المناطق العربية دون أن تخلق رد فعل مجتمعي عنيف

أما الشركاء الآخرون الواضحون على الأرض فهي الجماعات المتمردة المختلفة، والتي يبلغ عددها أكثر من ألف جماعة.

وأغلب هؤلاء إسلاميون سنة بتنوع درجاتهم، مدعومون من الغرب ومن حلفائه الإقليميين: السعودية وتركيا وقطر، ويستمدون سبب وجودهم من سعيهم لقتال نظام الرئيس السوري بشار الأسد وإزاحته.

ودخل بعض هذه الجماعات في معارك تنازع على مناطق النفوذ مع تنظيم الدولة، لكن ذلك ليس على رأس أولوياتهم.

وباءت الجهود الأمريكية لتدريب عناصر محددة من المتمردين المعادين لتنظيم الدولة، وزيادة عددهم إلى نحو 15 ألف مقاتل، بالفشل الذريع.

لكن تسوية النزاع بين المتمردين والحكومة السورية سيطلق العنان لكلا الطرفين لقتال التنظيم، سواء بدعم جوي من التحالف الدولي أو روسيا.

وهذا هو الهدف الأسمى، الذي تسعى إليه حاليا الجهود الدبلوماسية المكثفة، التي شجعت بالفعل اللاعبين الخارجيين المعنيين بالأزمة السورية، بما فيهم حليفا الأسد إيران وروسيا، على الاتفاق في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني في فيينا على جدول زمني مدته عامان، لإجراء انتخابات وفق دستور جديد في سوريا.

ووفقا لهذه الخطة، فإن الحكومة السورية وممثلين للمعارضة يفترض أن يلتقوا، بحلول الأول من يناير/ كانون الثاني المقبل، لبدء مفاوضات حول تشكيل هيئة حكم انتقالية، ووقف لإطلاق النار يشمل كل الأراضي السورية.

مصدر الصورة AFP
Image caption من المشكوك فيه ما إذا كانت سوريا يمكنها العمل كدولة مركزية مرة أخرى

أي معارضة؟

لكن العقبات أمام تحقيق هذا الهدف ضخمة.

فهناك فجوة متسعة بين الحكومة والمعارضة، وتدعم هذه الفجوة روسيا وإيران، وكذلك المتمردون وحلفاؤهم الخارجيون بقيادة الولايات المتحدة.

ومن بين القضايا الخلافية الكثيرة: من مؤهل لشغل مقاعد المعارضة؟ ومن هم الإرهابيون؟

جبهة النصرة، وهي فرع تنظيم القاعدة في سوريا، مختلطة بمجموعات من المتمردين على الأرض، لكن الأمم المتحدة وآخرين يضعونها في سلة واحدة مع تنظيم "الدولة الإسلامية".

كيف نحل هذه المعضلات إذاً؟

الخطوة الأولى هي عقد مؤتمر للمعارضة والمجموعات المقاتلة، تستضيفه السعودية في غضون الأسبوعين القادمين، لحل بعض هذه القضايا الخلافية، وتشكيل فريق المعارضة الذي سيخوض المفاوضات مع نظام الأسد.

ومن المقرر اجتماع قوى فيينا الخارجية مرة أخرى بعد فترة قصيرة، في العاصمة الفرنسية باريس، لوضع اللمسات الأخيرة على الترتيبات الخاصة بمحادثات يناير/ كانون الثاني.

وتظل قضية مستقبل الرئيس السوري ودائرته الداخلية القضية الأكبر والأكثر من حيث عدم وضوح معالمها، بل والتي يلزم تسويتها قبل أي شيء.

مصدر الصورة Getty
Image caption الأمم المتحدة وآخرون يضعون جبهة النصرة في سلة واحدة مع تنظيم داعش.

فالسعوديون والقوى اللاعبة الأخرى، وليست المعارضة نفسها على الأقل، يحتاجون إلى ضمانات ملموسة، تؤكد خروج الرئيس من المشهد، إن لم يكن فورا، فيكون بناء على تاريخ محدد.

بالإضافة إلى ذلك تبرز مسألة ملامح المستقبل السوري، فهل يمكن رأب شمل البلاد لتصبح دولة موحدة ومركزية مرة أخرى؟

قد يشكل "التقسيم الناعم"، أي إلى كونفيدرالية متطورة على أساس مناطق السيطرة حاليا على الأرض حلا "مؤقتا" أكثر عملية.

وذلك يسمح لروسيا وإيران بالاحتفاظ باستثماراتهما الاستراتيجية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، بدلا من خسارتها أمام حكومة مركزية جديدة، تسيطر عليها الأغلبية السنية ديمقراطيا.

في ذات الوقت تأتي حادثة إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية لتبرز جدول أعمال متعارضا للقوى الخارجية، التي تكرس جهودها على نحو خاص لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية".

لكن عندما تتضح الصورة، وفي أعقاب حادثة تحطم طائرتها فوق سيناء، قد يزداد إدراك روسيا بمخاطر وتكاليف تورطها أكثر في المستنقع السوري، إذا لم تتوصل الأطراف إلى تسوية.

المزيد حول هذه القصة