هل يتعاطف 20 في المئة من مسلمي بريطانيا حقا مع الجهاديين؟

مصدر الصورة Alamy

نشرت صحيفة "ذا صن"، الأكثر شعبية في الممكلة المتحدة، الأسبوع الماضي، عنوانا على صدر صفحتها يقول: "واحد من بين خمسة مسلمين بريطانيين متعاطف مع الجهاديين". فمن أين جاءت تلك الإحصاءات وإلى أي مدى يمكن الاعتماد عليها؟

وأثار عنوان "ذا صن" على الفور ردود فعل غاضبة، وظهرت فيديوهات غاضبة لمسلمين بريطانيين تشكك في أرقام الجريدة على وسائل التواصل الاجتماعي وبين مستخدمي تويتر الذين دشنوا هاشتاغ باسم 1in5muslims# وتندروا فيه على تقرير الصحيفة. وتلقت هيئة تنظيم الصحف، منظمة معايير الصحافة المستقلة "إبسو"، أكثر من 2600 شكوى متعلقة بالموضوع.

وجاءت إحصاءات صحيفة "ذا صن" من بحث أجرته مؤسسة سيرفيشن لاستطلاعات الرأي، من خلال مقابلات تليفونية مع ألف من المسلمين البريطانيين في أعقاب هجمات باريس. وكان أحد أسئلة الاستطلاع: أي من العبارات التالية الأقرب إلى وجهة نظرك؟

أشعر بتعاطف شديد مع الشبان المسلمين الذين غادروا بريطانيا والتحقوا بالمسلحين في سوريا.

أشعر ببعض التعاطف مع الشبان المسلمين الذي غادروا بريطانيا والتحقوا بالمسلحين في سوريا.

لا أشعر بأي تعاطف مع الشبان المسلمين الذي غادروا بريطانيا والتحقوا بالمسلحين في سوريا.

لا أعلم.

ولم تظهر كلمة "جهاديون"، التي استخدمت في عنوان الصحيفة الرئيسي، بين الأسئلة. وهذا قد يكون نقطة مهمة، لأنه ليس بالضرورة أن يكون كل من سافر إلى سوريا سيقاتل في صفوف ما يسمى بالدولة الإسلامية أو جماعات إسلامية أخرى متشددة، إذ ربما انضم بعضهم إلى فصائل المتمردين المعارضة لتنظيم الدولة.

وعندما أجاب المستطلع أراؤهم على الأسئلة، قال 4 في المئة منهم إن لديهم تعاطفا شديدا، وقال 14 في المئة إن لديهم بعض التعاطف، وبلغ مجموع ذلك 19 في المئة، وهي النسبة التي استخدمتها صحيفة "ذا صن".

وتقول مارية سوبولوسكا، خبيرة استطلاع آراء الأقليات، إن كلمة "تعاطف" كلمة غامضة، واستخدامها يثير الشكوك حول نتائج الاستطلاع.

وتقول العبارتان الأوليان في قاموس أكسفورد الموجز عن معنى كلمة "تعاطف":

الأولى: مشاعر الشفقة والحزن تجاه شخص ألمت به المحن.

الثانية: تفاهم بين الناس؛ شعور شائع بينهم.

وتتساءل سوبولوسكا: "هل قصد المستطلع أراؤهم ببساطة أنهم شعروا بأن وضع المسلمين حول العالم صعب للغاية، في ظل حروب عديدة، وربما تعرضهم للإجحاف في دول أوروبا الغربية، ولذلك، شعر هذا الشخص ببعض التعاطف بسبب حجم الإحباط الذي ربما دفع بعض الشباب إلى الإرهاب؟ وهل هو فهم عاطفي فحسب؟ أم أنه بالفعل ضعف أو دعم ضمني للإرهاب؟ أعتقد بأن ما تسبب في تلك القفزة في الاستنتاج الثاني هو أخذ الأمر ببعض المبالغة."

ورصد هذا الفرق كذلك شخص كان قد ساعد في إجراء الاستطلاع. وكتب بعضهم دون الكشف عن هوياتهم لموقع "فايس" الإخباري أنهم غير راضين عن الطريقة التي قدمت بها قضية معقدة كهذه.

وقالوا: "لم يدعم أحد ممن استطلعنا آراءهم وأجابوا على السؤال بشعورهم (ببعض التعاطف) تجاه الإرهابيين." وأضافوا: "إحدى السيدات أجابت على جميع الأسئلة بإجابات دقيقة للغاية، حيث قالت إنها تعتقد بأن ديفيد كاميرون سيكون على الأرجح محقا في قصف سوريا، وأن هؤلاء المسلمين تحملوا بالفعل مسؤولية إدانة الهجمات الإرهابية التي نفذت باسم الإسلام. لكنها شعرت كذلك ببعض التعاطف مع الشباب المسلم في بريطانيا الذين انضموا إلى المسلحين في سوريا. لقد غسلت أدمغتهم، وأشعر بالأسف من أجلهم." ولذلك اخترت خيار "أشعر ببعض التعاطف مع الشبان المسلمين البريطانيين الذين التحقوا بالمسلحين في سوريا."

فلماذا استخدمت كلمة تعاطف؟ يقول باتريك بريون، من مؤسسة سيرفيشن: "اختيرت الكلمة بصورة مدروسة لتطابقها مع صياغة الاستطلاعات السابقة التي أجريناه في هذه القضية في وقت مبكر من هذا العام، وللتمكين من المقارنة."

وعند المقارنة بالبحث الذي كلفت سكاي نيوز إحدى المؤسسات البحثية بإجرائه في مارس/ أذار الماضي، أشار الاستطلاع الجديد إلى أن تعاطف المسلمين البريطانيين مع المنضمين إلى المسلحين في سوريا تقلص.

وطرح الاستطلاع السابق كذلك على غير المسلمين نفس السؤال، حيث أجاب واحد من بين كل سبعة أشخاص أنهم على الأقل متعاطفون بعض الشيء. لكن استطلاع غير المسلمين لم يتضمن في استطلاع صحيفة "ذا صن".

وتعتقد سوبولوسكا بأن معرفة عدد من يؤيد بالفعل تصرفات المسلحين في سوريا تتطلب طرح سؤال مختلف.

وتضيف: "أنا معجبة إعجابا شديدا بعبارة ماذا تعني؟... فاستخدام كلمة تأييد يفترض أنه يكون بداية جيدة. لذلك فسؤال: هل تؤيد عمليات مثل هجمات شارل إبدو أو هجمات باريس؟مهم. وأعتقد بأن ما سنراه هو أن مستوى التأييد لمثل هذه الهجمات سيتراوح بين اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو ربما خمسة في المئة."

وبعبارة أخرى، تتوقع سوبولوسكا بأن يكون حجم تأييد المتطرفين في المملكة المتحدة ضمن هامش الخطأ، وهو ما لا يختلف كثيرا عن الصفر.

مصدر الصورة Getty
Image caption لافتة خارج مسجد مدينة ريمس الفرنسية في أعقاب هجمات باريس كتب عليها "المسلمون في حداد"

ومنذ نشر تقرير صحيفة "ذا صن"، نأت مؤسسة سيرفيشن بنفسها عن تفسير الصحيفة للبحث، وقال بريون: "لم نؤيد أو نوافق على الطريقة التي اختاروا بها عرض القصة الخبرية وعنوانها."

وأضاف أن الأمر "كان صادما لرؤية التقرير بهذه الطريقة الصارخة."

وفي بيان، قالت صحيفة "ذا صن": "ليس للشركة التي تجري الاستطلاع أن توافق أولا توافق على التفسير التحريري للاستطلاع. ذا صن نشرت نتائج الاستطلاع بكل وضوح ودقة، بما في ذلك نشر الأسئلة بكاملها."

وأضاف متحدث باسم الصحيفة: "تبقى الحقيقة في أن أقلية لا يستهان بها من المسلمين تتعاطف مع تصرفات المتطرفين. وذلك موضوع جدير بالنقاش، وتعتقد ذا صن بأن من المناسب أن تجري تلك المناقشة."

ونشرت كذلك صحيفة "ذا تايمز" البريطانية خبرا عن الاستطلاع، لكنها أصدرت تصحيحا قالت فيه إن عنوان "واحد من بين كل خمسة أشخاص يتعاطف مع تنظيم الدولة" عنوان "مضلل".

وعلى الصعيد الدولي، نشر مركز بيو الأمريكي للأبحاث، أخيرا، تقريرا يبحث في المواقف تجاه تنظيم الدولة في 11 بلدا "بها نسبة كبيرة من المسلمين".

ويذكر تقرير بيو: "أشخاصا من نيجيريا والأردن وإندونيسيا أبدوا آراء سلبية للغاية تجاه تنظيم الدولة." وأضاف: "في تلك البلدان التي تتميز بالتنوع الإثني والديني بين السكان، تعارضت الآراء السلبية تجاه تنظيم الدولة مع تلك الخطوط (الآراء السابقة)."

ففي لبنان وبوركينا فاسو وماليزيا لم يكن هناك تقريبا أي فرق بين آراء المسلمين وغير المسلمين في الإجابة على هذا السؤال. وذلك على الرغم من أن نحو 20 في المئة من المستطلع أراؤهم في نيجيريا كان لهم آراء إيجابية تجاه تنظيم الدولة مقارنة بـ 7 في المئة بين المسيحيين.

وكان ثمة استثناء وحيدا في باكستان، حيث قال قرابة 62 في المئة إنهم ليس لديهم رأي واضح في تنظيم الدولة.

ويقول ستيفن كول، أستاذ علم النفس السياسي في جامعة ميريلاند: "في بلدان، مثل لبنان، كان 100 في المئة لديهم آراء سلبية (تجاه تنظيم الدولة)، لذلك فصورة (مسلحي التنظيم) سلبية للغاية بشكل عام."

لكنه يعتقد بأن هناك من يجد بعض أفكار تنظيم الدولة جذابا، اعتقادا بأن التنظيم "يلتزم بالشريعة الإسلامية، ولديه سمعة كتنظيم غير فاسد، كما أنه يقف في وجه القوى الأوروبية التي يتصور كثير منهم أنها معادية للإسلام."

المزيد حول هذه القصة