لماذا لا يشعر المصريون بثمار "حرب" السيسي على الفساد؟

مصدر الصورة Getty Images
Image caption كان الفساد أحد أسباب ثورة الشعب المصري في يناير 2011.

يصر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على ضرورة مصارحة الشعب بحقيقة مشكلات مصر الكبرى.

وفي مقابلته مع بي بي سي، قبيل زيارته الأخيرة للندن، اعترف السيسي بخطر الفساد. وقال "نحن نقر بذلك..الناس لازم تعرف".

ليس المصريون بحاجة لأن يعرفوا حجم الفساد في بلادهم. فهو مثار سخرية مريرة.

هم يحكون، في واحدة من نكاتهم الشهيرة، أن مواطنا ليس لديه خبرة سابقة في تقديم رشوة، ذهب لإحدى مؤسسات الحكومة لقضاء مصلحة. كان الموظف المختص مشغولا عنه. ورأى المواطن درج مكتب الموظف مفتوحا. فوضع فيه عشرين جنيها. وأراد لفت انتباه الموظف إلى أنه سدد الرشوة لقضاء المصلحة، فقال: يا أستاذ : انتبه .. سقطت منك عشرون جنيها في الدرج . صرخ الموظف غاضبا: كيف تقول لي إن عشرين جنيها سقطت مني؟ فظن المواطن أنه في ورطة. غير أن الموظف تابع بسرعة قائلا له: اسأل كل الذين في الغرفة أو الذين تعاملوا معي: هل يسقط مني أقل من خمسين جنيها؟".

بحساب النقاط، يُفترض أن تكون مصر قد حققت "إنجازات" ملحوظة في "حربها" على الفساد، الذي كان أحد أسباب ثورة 25 يناير 2011.

فتقول تقارير منظمة الشفافية الدولية، إن مصر حققت "قفزات" في هذه "الحرب" منذ عام 2012.

ففي ذاك العام كان ترتيب مصر 118 من بين 175، وفق المؤشر الذي يرصد النظرة إلى مدى فساد القطاع العام في مصر، وبلغ عدد نقاطها 32. وفي عام 2013، تحسن الترتيب إلى 114 ، ثم قفز 20 مرتبة دفعة واحدة ليرتفع إلى 97 ضمن برصيد 37 نقطة.

أمر من السيسي

في شهر أكتوبر/ تشرين أول الماضي، أمر السيسي اللواء محمد عرفان جمال الدين رئيس هيئة الرقابة الإدارية، بـ "التركيز على مكافحة الفساد والتصدي لكل أشكاله في مختلف أجهزة الدولة."

إلا أنه رغم هذه القفزة في الترتيب الدولي وتعهدات السيسي، لا يزال 5 في المئة فقط من المصريين يرون أن إجراءات الحكومة "فعالة للغاية" مقابل 55 في المئة يرونها "غير فعالة" في مكافحة الفساد.

كما لا يزال 79 في المئة يعتقدون بأن الفساد "مشكلة أو مشكلة خطيرة"، بينما يظن 62 في المئة أن الحكومة "تدار بقلة من الكيانات الكبيرة التي تعمل لمصالحها فقط"، حسب مقياس منظمة الشفافية للفساد العالمي لعام 2013.

بنص الدستور المصري الجديد "تلتزم الدولة بمكافحة الفساد وتلتزم الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة بالتنسيق فيما بينها" لتحقيق هذا الهدف.

مصدر الصورة AFP Getty
Image caption يقر السيسي بأن الفساد مشكلة في مصر ويتعهد دائما بمكافحته.

أحد مظاهر هذا الالتزام هو "ا لاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد"، التي تعتبرها الحكومة خريطة طريق واضحة المعالم لإزالة "العقبة الرئيسية التي تعوق الجهود الرامية إلى تحقيق التنمية الشاملة لما له (الفساد) من آثار سلبية على كافة جوانب الحياة."

وهذه الاستراتيجية، التي أعلنت في شهر 9 ديسمبر /كانون أول عام 2014 خلال إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفساد، هي أول وثيقة مصرية صريحة متكاملة تضع اليد على أسباب وباء الفساد وطرق مواجهته خلال أربع سنوات تنتهي بنهاية عام 2018.

عام مر على إعلان الاستراتيجية التي لم تتحد الواقع، وأقرت بأن لهذه الظاهرة المتفشية في مصر "آثارا سلبية على كافة جوانب الحياة". ورغم ذلك لم يشعر المصريون بثمار حرب الحكومة ، المتعثرة حتى الآن، على الفساد.

نظرة سريعة على وسائل الإعلام المختلفة، وشبكات التواصل الاجتماعي تشي بأنهم يعايشون الفساد يوميا، ما زاد من عدد مجموعات الغضب على فيسبوك والجمعيات الساعية لكشفه.

فرغم إعلان الاستراتيجية الوطنية، لا يبدو، كما تقول منظمة الشفافية الدولية، أن لدى السلطة في مصر تصورا شاملا للمكافحة، رغم الأهمية البالغة لتصريحات السيسي الدائمة بشأن مكافحة الفساد.

"مواجهة الفساد يحتاج إلى عملية شاملة بعيدة المدى لن تؤتي ثمارها فورا حتى يشعر الناس بها"، حسبما تقول أروى حسن، مدير التواصل الخارجي الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في المنظمة الدولية.

وتحتاج هذه العملية بدورها إلى توفر "مؤسسات قوية فعالة مثل نظام قضائي مستقل وفعال ونزيه، وإعلام مستقل وأجهزة مراقبة ومحاسبة مستقلة وشفافة."

رؤية للمكافحة

لدى مصر 12 جهازا رقابيا رئيسا وفرعيا ومعاونا تعتبر مواجهة الفساد همها الأول. وأكبر هذه الأجهزة هو هيئة الرقابة الإدارية، وهي جهة أمنية مهمة ويرأسها لواء عسكري سابق وتتمتع بصلاحيات واسعة ودعم قوي من الرئيس السيسي.

تقول الهيئة إنها "تواصل مواجهة الفساد وملاحقة المفسدين( الضالعين) في أي جرائم فساد تبدأ بالرشوة وتنتهي بجرائم الصحة العامة مرورا بالاستيلاء على المال العام واستغلال النفوذ وغسل الأموال والتهرب الضريبي."

وتنشر الهيئة من حين لآخر معلومات عن جرائم فساد ضبطتها وأحالت المتهمين بها إلى القضاء. كما تعول كثيرا، كما تقول منشوراتها، على عمل اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد، التي تتصدر قائمة الأجهزة المكلفة بتطبيق استراتيجية المواجهة.

يرأس هذه اللجنة رئيس مجلس الوزراء وتضم وزراء العدل والتنمية المحلية والإدارية، ورئيس هيئتي الرقابة الإدارية والنيابة الإدارية، وممثلين عن وزارة الخارجية والمخابرات العامة والنيابة العامة، والجهاز المركزي للمحاسبات ووحدة مكافحة غسيل الأموال.

يرى منتقدون أن هذا لا يعني بالضرورة أن لدى السلطة في مصر تصورا جديا في مواجهة الفساد.

"لدينا عمارة (مبنى) فساد مقنن. وأصبحنا بصدد دولة فساد تحتاج إلى رؤية واضحة مفقودة للمكافحة."، يقول الدكتور عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي المختص في ملف الفساد في مصر.

تعتبر اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد أن أهم مصادر قوة استراتيجية المكافحة هو "وجود إرادة سياسية عازمة على القضاء على الفساد."

شواهد على المواجهة

آخر الشواهد التي تسوقها السلطة على هذه "الإرادة السياسية" هو القبض على وكيل الجهاز المركزي للمحاسبات بتهم فساد، وعلى وزير الزراعة، في الحكومة السابقة، بعد ساعات قليلة من استقالته، للتحقيق معه في "قضية فساد كبرى"، شغلت الرأي العام لفترة طويلة. وهناك من اعتبر أن هذه البداية الحقيقية لحرب السيسي على الفساد.

"مجرد القبض على وزير بشبهة فساد لا يعني بالضرورة ان هناك حربا جدية على الفساد، تقول أروى حسن. فمنظمة الشفافية ترى انه "لابد من محاكمات مدنية نزيهة وشفافة تثبت جدية محاسبة الضالعين في الفساد".

ولا يرى فاروق، مؤلف كتاب "اقتصاديات الفساد في مصر"، شواهد جدية على توفر الإرادة السياسية لخوض حرب على الفساد يراها "أخطر من معركة الإرهاب".

مصدر الصورة AFP
Image caption الشرطة المصرية قبضت على صلاح هلال ووزير الزراعة، عقب استقالته، في إطار التحقيقات فيما وصفه بأنه قضية فساد كبرى.

ويشير إلى "شبهات وعلامات استفهام حول شخصيات تشارك في أجهزة مكافحة الفساد"، ولا تستطيع بي بي سي، لأسباب قانونية، ذكر هذه الأسماء . كما لم تستجب هيئة الرقابة الإدارية لمحاولاتي المستمرة الحصول على رد على هذه الشبهات.

"النوايا الحسنة وحدها لا تكفي ولا بد أن يغير الرئيس السيسي نمط تحيزاته"، يقول فاروق. وهو بذلك يشير إلى العلاقة بين رجال الأعمال والسلطة الحالية في مصر، التي تثير تساؤلات كثيرة في مصر.

ينتقد أنصار ثورة يناير 2011 نظام الحكم الحالي لـ "ميله وانحيازه إلى رجال الأعمال"، خاصة هؤلاء المحسوبين على الرئيس حسني مبارك الذي أطاحت به الثورة.

"معظم رجال المال والأعمال الذين أحاطوا بمبارك هم المحيطون الآن بالسيسي"، يقول فاروق، ولذا فإن القوانين الجديدة "تسن لخدمة مصالحهم". ومن بين هذه القوانين قانون الاستثمار الجديد الذي يتعرض لانتقادات حادة بشبهة إعطاء مزايا مبالغ فيها لرجال الأعمال والمستثمرين.

وفضلا عن ذلك، فإن هناك 20 قانونا رئيسا يمثل جزءا من "منظومة تشريعية" لمواجهة الظاهرة.

أحدث هذه القوانين صدر في عام 2013 ويلزم المسؤول الحكومي بترك منصبه في حالة تعارض مصالحه مع مصلحة الدولة. وأنشأ القانون أيضا لجنة للوقاية من الفساد.

وعند إصدار القانون قالت الرئاسة إنه "يأتي في إطار مكافحة الفساد والوقاية منه، وذلك باعتبار أن تفشي ظاهرة الفساد بين بعض كبار المسؤولين الحكوميين كان ضمن أسباب قيام ثورة 25 يناير.

ترسانة القوانين المصرية هذه تكفي، كما يقول المسؤولون المصريون دائما لمواجهة الفساد.

ثُغرات وتضارب

المشكلة ليست في القوانين ولكن في تطبيقها، تقول منظمة الشفافية الدولية. وتضرب أروى حسن مثالا بقوانين مكافحة الكسب غير المشروع. ففي مصر "هناك قانون يمنع الإثراء غير المشروع من المناصب العامة صادر من السبعينيات من القرن الماضي، لكنه غير مطبق."

ليس تطبيق القوانين هو المشكلة الوحيدة. فثغراتها وتضاربها يتيحان منفذا للفاسدين. وتعترف الحكومة بذلك. ولذا كُلفت اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد بـ "إجراء تقييم دوري للتشريعات واللوائح والقرارات الوطنية ذات الصلة بمنع ومكافحة الفساد والوقاية منه."

وهذا يشكل تحديا هائلا واختبارا حاسما، حسب وصف فاروق، لجدية استراتيجية مكافحة الفساد لأنه "في كثير من القوانين التي يتجاوز عددها 1400 تجد مادة أو اثنتين أو ثلاثا تقنن الفساد وتحمي الفاسدين."

من بين هذه القوانين ما يقنن "الفجوة الفاسدة" في الأجور، التي يشكو منها المصريون.

ففي حين تسمح القوانين بأن يصل الحد الأقصى للحوافز والمكافآت، التي باتت وسيلة مستقرة لتحسين الدخول، الممنوحة للموظفين 200 في المئة من الراتب الأساسي، تصل هذه النسبة إلى 1800 في المئة في بعض مؤسسات الدولة مثل رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارة المالية، حسب فاروق.

ويضيف أن هذه النسبة تصل إلى 1100 في المئة في الجهاز المركزي للمحاسبات ( الذي هو أحد أجهزة الرقابة). ورغم مطالبات كثيرة، لم تكشف الأجهزة المختصة عن هذه النسب.

مرتع للفساد

الصناديق الخاصة مرتع رئيسي للفساد في مصر، لم تقترب منه السلطة حتى الآن رغم الاعتراف بخطورته والإلحاح على كشف ميزانيتها.

مصدر الصورة AP
Image caption الرئيس السابق حسني مبارك وابناه جمال وعلاء حكوموا في قضايا فساد لم تلق الأحكام فيها رضا كثير من المصريين.

هذه الصناديق، التي تتميز بها مصر، هي ميزانيات موازية لا تخضع لأي رقابة لأنها خارج ميزانية الدولة العامة.

وحسب القانون، فإن من سلطة أي مسؤول بداية من رئيس الجمهورية وانتهاء برؤساء مجالس القرى، أن ينشئ صندوقا خاصة توضع فيه أموال الرسوم التي تفرض على المواطنين، من دون أن تخضع حساباتها ومصادر إنفاق او توزيع أموالها لأي حساب.

تعترف هيئة الرقابة الإدارية بأن هذه الصناديق " تؤدي إلى إيجاد مجال خصب لجرائم فساد".

ويخوض الجهاز المركزي للمحاسبات، الذي يفترض أن يكون له حق مراقبة هذه الصناديق، معركة لكشفها دون جدوى. ورغم إعلان رئيس الجهاز المستشار هشام جنينه بأن الحكومة كلفت في شهر مارس آذار/الماضي، لجنة لإعداد قانون يلزم كل الجهات بالكشف عن صناديقها الخاصة، فإنه لم تتخذ خطوة واحدة في هذا الاتجاه.

ويسوق فاروق موقف السلطة من الصناديق الخاصة، التي يصفها بأنها صناديق نهب المال العام، دليلا على عدم جدية مواجهة الفساد.

ووفق تقديرات الخبراء فإن حجم الأموال المودعة في هذه الصناديق،غير معروف العدد، وقد تصل إلى تريليون جنيه مصري.

السلطات وحدها لا تستطيع اجتثاث جذور الفساد ويجب ان يساعدنا الشعب في المواجهة، يقول مسؤولو الحكومة. ولهذا، فقد سُمح حتى قبل ثورة 25 يناير بمبادرات من جهات رقابية مثل هيئة الرقابة الإدارية التي أطلقت خدمة تلقى الشكاوى من الفساد، لتشجيع الإسهام الشعبي في المواجهة.

لم تعد هذه المبادرات كافية. "هناك حاجة لسن قانون يحمي المبلغين عن الفساد في المؤسسات الحكومية كي يتحمس الناس للمشاركة في مكافحة الفساد، ولسن قانون آخر بشأن حرية الوصول إلى المعلومات"، تقول منظمة الشفافية الدولية.

جذور عميقة

وكان متوقعا، بعد أن انكشفت بعض أسرار الفساد في مصر عقب الثورة، أن يسن السيسي، الذي تمتع طوال عام ونصف بحق التشريع، قانون حماية المبلغين.

وهذا لم يحدث رغم ان استراتيجية المكافحة تعتبر أن "ضعف الحماية للشهود والخبراء والمجني عليهم والمبلغين.. وإحجام المواطنين عن الإبلاغ عن وقائع الفساد خشية عرقلة مصالحهم أو التعرض لردود فعل انتقامية" من بين الأسباب القانونية للفساد في مصر.

وربما لهذه الخشية، وعدم الثقة في جدية المواجهة، لا يعبأ المصريون بالإبلاغ عن ممارسات ما تصفه الدولة بـ "الفساد الكبير الذي يقوم به كبار الموظفين والمسؤولين (الذي) غالبا ما يكون حجم المتحصلات منه كبيرا ويتسم بكونه منظما".

والشغل الشاغل بالنسبة للناس العاديين في مصر ، حسب رأي أروى حسن هو "أن يحصلوا على الخدمات العامة، مثل التعليم والصحة واستخراج الوثائق.. وغير ذلك من الخدمات دون أن يدفعوا رشوة"، فهذا هو "ما يُشعرهم بمكافحة الفساد الذي لا تمسهم ممارساته، التي تنعكس في صفقات الأعمال في هيئات القطاع العام ومؤسسات الحكومة الكبرى، مسا مباشرا.

تقول السلطة في مصر إن جذور الفساد عميقة تمتد لسنين. وهناك إجماع على ذلك. لكن الفرصة لم تضع بعد.

ولحسن الحظ ، فإن الناس، كما يعتقد عبد الخالق فاروق، سوف "تصبر على حكم السيسي وتلتف حوله وتسانده في وجه أباطرة الفساد والنهب المنظم المؤسس لأنهم يؤمنون بأن هذه المعركة أهم من الحرب على الإرهاب".

يقول السيسي دائما إن الشعب هو سنده، وإنه ليس مدينا بأي فواتير لأحد، في إشارة إلى رجال الأعمال في مصر.

ولذا فإن أمامه، كما يشير فاروق "فرصة تاريخية لمواجهة الفساد لا يجب أن يهدرها، بسبب محدودية فهم إدارة الدولة أو بسبب نمط التحيزات التي تعكسها السياسات الحالية."

ومع ذلك، فإنه بسبب عمق جذوره، من المستبعد أن يكون عام 2018 هو نهاية الفساد في مصر، لأن مكافحته الحقيقية الجادة تحتاج، كما تنبه منظمة الشفافية الدولية، إلى "برامج وإجراءات شاملة.. وضغطا من أعلى (السلطة) وآخر من أسفل (المجتمع)".

المزيد حول هذه القصة