الأزمة السورية: مد وجزر وتحول في موازين القوى

مصدر الصورة AP
Image caption يتقدم الجيش السوري وحلفاؤه يوما بعد يوم باتجاه الحدود مع تركيا

بعد ستة أشهر من الغارات الجوية الروسية المكثفة والمركزة على المعارضة السورية المسلحة الموالية للولايات المتحدة، رجحت كفة الميزان بشدة لصالح الرئيس بشار الأسد.

وبدعم من ضباط إيرانيين كبار ومقاتلين محنكين من حزب الله اللبناني، أصبح لقوات الأسد اليد العليا، وحققت مكاسب كبيرة في ضواحي شمال وجنوب العاصمة دمشق، والآن في محافظة حلب.

وتعد حلب، التي يسميها مقاتلو المعارضة بعاصمة الثورة، هدفا استراتيجيا لحكومة دمشق.

وسيعمق التطويق المحتمل لحلب من جانب الجيش السوري الأزمة الإنسانية، وسيمثل ضربة قاصمة للمعارضة.

ويقترب الجيش السوري وحلفاؤه يوما بعد يوم من الحدود مع تركيا.

وتتمثل خطتهم في إغلاق الحدود مع تركيا والأردن، ومنع وصول الإمدادات البشرية والعسكرية للمعارضة، ومن ثم توجيه ضربة حاسمة لها.

مرحلة جديدة

مصدر الصورة AFP
Image caption جيش الأسد مدعوم بالغارات الجوية الروسية

بغض النظر عن ما إذا كان وقف إطلاق النار سيتحقق من عدمه، فإن أي تسوية سياسية ستعكس ميزان القوة الحالي، الذي يصب لصالح الأسد.

واستندت موافقة روسيا الخميس في اجتماع ميونيخ على هدنة مؤقتة إلى ترتيب مرض للقوات داخل سوريا.

ويصب وقف القتال على خطوط المواجهة في صالح الرئيس الأسد.

وأعرب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن اعتقاده بأن الكثير من المجموعات المسلحة داخل المعارضة السورية لن تلتزم ببنود الهدنة.

ودخل الصراع في سوريا مرحلة جديدة، يتمتع فيها نظام الأسد بزخم على جبهات القتال وطاولة المفاوضات.

وعلى النقيض من ذلك، فإن المعارضة غير موحدة سياسيا ولا عسكريا، وخياراتها محدودة.

وهناك انفصال بين الطموح السياسي للمعارضة وقدراتها الفعلية على الأرض.

والتحدي الذي يواجه المعارضة هو جسر الهوة المفاهيمية، التي تقوض استراتيجيتها في التفاوض.

ميزة استراتيجية

مصدر الصورة AFP
Image caption غادر عشرات الآلاف من اللاجئين مدينة حلب في الأيام الأخيرة، توجه الكثير منهم إلى تركيا

وهناك خلافات جوهرية بين موسكو وواشنطن، بخصوص مستقبل سوريا.

وعلى النقيض من القوى الغربية، لا تعطي روسيا أولوية لإعادة هيكلة نظام الحكم في دمشق، وتدعم الرئيس الأسد بقوة.

كما أنه من الصعب أيضا أن نرى نهاية للحرب الإقليمية بالوكالة، التي تغذي الصراع في سوريا.

فالتنافس السعودي الإيراني على أشده، كما ألقت تركيا بثقلها في محاولة لإسقاط نظام الأسد، ومنع الأكراد في من كسب المزيد من النفوذ والحكم الذاتي في سوريا المجاورة.

والأهم من ذلك، فإن المكاسب الميدانية الأخيرة التي حققها جيش الأسد عقدت مسألة البحث عن حل سياسي انتقالي، في البلد الذي مزقته الحرب.

ولدى الأسد الآن حوافز قليلة للتوصل لتسوية، ناهيك عن الموافقة على مطالب المعارضة عالية السقف.

ويتمثل هدفه الاستراتيجي في تحقيق حل عسكري للصراع، أو إرغام المعارضة على القبول بتسوية، يفرض هو شروطها.

وللسياق أهميته، ففي الوقت الذي تقدم فيه الجيش السوري باتجاه حلب قبل أيام، غضب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري من الروس، بسبب رفضهم الموافقة على وقف فوري لإطلاق النار، ولتمكينهم الأسد من تحقيق مكاسب استراتيجية على حساب المعارضة.

وحينما بدءا لقاءهما في ميونخ، غيَّر كيري ولافروف من نبرة حديثهما.

فبينما قال كيري إنه خطط لأن يجري "محادثات مهمة" مع لافروف، حول ضرورة تحقيق تقدم فيما يتعلق بوصول المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار، بدا لافروف مراوغا وقذف الكرة في ملعب واشنطن.

مُغير اللعبة

وفي قلب الخلاف الروسي الأمريكي حول سوريا يقف ليس فقط تضارب المصالح ووجهات النظر بين القوى الدولية، وإنما أيضا أولويات استراتيجية متعارضة.

وعلى عكس الولايات المتحدة، فإن روسيا ألقت بثقلها في سوريا، وغير تدخلها العسكري إلى جانب الأسد في سبتمبر/ أيلول الماضي من قواعد اللعبة.

ويمارس الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الآن نفوذا حاسما في سوريا، ويمتلك ورقة تفاوض قوية مع أمريكا.

واستطاعت روسيا بالفعل أن تغير أولويات محادثات السلام، التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف، من مستقبل الرئيس الأسد إلى وقف إطلاق النار، وإجراء إصلاحات دستورية.

وأدى قرار بوتين بالتدخل عسكريا في سوريا، وتزويد الرئيس الأسد بمقاتلات جديدة ومستشارين عسكريين وأسلحة متقدمة، إلى وقف خسائر الجيش السوري، ومساعدته على التحول من موقف الدفاع إلى الهجوم.

كما تقيد القوة الجوية الروسية قدرات القوى الإقليمية مثل تركيا، على مساعدة المعارضة المسلحة بشكل مباشر.

وعلى الرغم من التحولات الأخيرة في ميدان القتال، فإنه من قصر النظر والتسرع أن يعلن الرئيس الأسد انتصاره، كما فعل وزير خارجيته وليد المعلم ومستشارته بثينة شعبان قبل أيام.

وكما حدث مرارا خلال الأعوام الخمسة الماضية، فإن نظام الأسد مصاب بالغطرسة وسوء التقدير، والاستخفاف بمدى تعقد الصراع.

وما لا يعيه الأسد هو أن بقاء سوريا كمجتمع ودولة موحدة أصبح على المحك.

فواز جرجس يعمل أستاذا للعلاقات الدولية بكلية لندن للاقتصاد

المزيد حول هذه القصة