تونسيات في السجن لتدخين سيجارة ماريغوانا

Image caption تعاني سجون تونس من الازدحام بأعداد كبيرة من النزلاء فوق قدرتها الاستيعابية

لا عجب في أن تزدحم السجون التونسية بالنزلاء في ضوء إمكانية احتجاز الناس بها لأتفه الأسباب. فقد صادفت إمرأتين أودعتا السجن لتدخين سيجارة حشيش.

وتفصل صالة الاستقبال في سجن منوبة الكئيب بين الحرية وغياهب السجن.

وهناك في أحد أركان الصالة سمعت صوت صراخ نزيلة شابة يتردد صداه عبر الغرفة أثناء تلقيها زيارة من أسرتها.

ومع الصراخ، هناك أيضا أنين مكتوم لإمرأة أخرى يقطع أصوات المطر المنهمر بالخارج.

اسرعت المرأة التي تطفح عيناها بالدموع، وجلست ثم اتكأت برأسها على يديها في مشهد يعكس انكسار القلب والضياع.

قالت لي أن اسمها أروسيا ميزوزي، وأنها حُرمت من أطفالها الثلاثة بسبب السجن، وأودعوا في ملجأ للأيتام.

إنه أسبوعها الثالث خلف الأسوار بتهمة تدخين الحشيش، التي يطلقون عليها محليا في تونس "الزلطة"، كما أودع زوجها السجن هو الآخر بسبب المخدرات.

ويقضي قانون مكافحة المخدرات التونسي بسجن المذنبين بالسجن لمدة سنة على الأقل.

تقول أروسيا إن في "أغلب دول العالم، لا توجد هذه العقوبات لتعاطي المخدرات، إنها لدينا نحن فقط".

وأضافت أنها (القوانين) "دمرت حياة الكثير من الناس. أسرة بأكملها دُمرت لهذا السبب؟ وأودع الأطفال دور رعاية الأيتام، وانقطعوا عن التعليم، وضاع مستقبلهم."

أطفال داخل السجن

وعلى بعد خطوات، هناك ما يطلقون عليه مجازا "روضة أطفال"، وهي مثال لما يصفونه بعملية تطوير السجون في تونس.

وهناك أيضا جهاز تلفزيون في غرفة المعيشة، وبعض الألعاب المتناثرة على الأرض، وبعض الأطفال الذين يحاولون أن يخطو خطوتهم الأولى.

وأصغر هؤلاء الأطفال سنا يبلغ من العمر شهرا واحدا، وهي رضيعة لُفت في بطانية ووضعت مفتوحة العينين على سرير صغير.

Image caption طورت بعض السجون في تونس لتحتوي على "روضة أطفال" للنزيلات اللاتي يحتجن إلى اصطحاب الأبناء

وتوفر تلك المنشأة الرعاية لأطفال النساء المسجونات مثل أمل التي تتوقع إطلاق سراحها قريبا.

وكانت أمل قد حُبست لخمس سنوات بتهمة تزوير توقيع، لكنها تقول إنها بريئة.

وأضافت أن "حالات مثل دعاوى التزوير، لابد أن تتعامل معها المحاكم بسرعة من خلال خبراء في هذا الشأن".

وتابعت: "فالبطء الشديد الذي يسيطر على إجراءات القضاء يؤذينا. لماذا ولد طفلي هنا؟ كما أنهم يسمون هذا المكان حلا، وحتى لو كان كذلك، فهو لا زال داخل أسوار السجن".

سجناء سرا

أما المسجونة أميرة، التي استخدمت اسما مستعارا، فكانت تخشى أن يعرف جيرانها في الحي أنها مسجونة وحامل، أكثر من خوفها من الدولة التي سجنتها بسبب "تدخين سيجارة حشيش".

وأخبرتني أن أسرتها أشاعت بين الناس أنها انتقلت للعيش في مدينة أخرى.

وأضافت صدمة الحكم عليها بالسجن تسببت في خلل يستدعي تناول العلاج الذي تتعاطاه أثناء فترة حبسها.

وتابعت: "أنا لست مدمنة، لكن حتى المدمنين، أتمنى أن تعمل الدولة على إعادة تأهيلهم بدلا من الحكم عليهم بالسجن لسنة."

وأكدت أن السجين يغادر أسوار السجن دون أي درس يتعلمه من الفترة التي قضاها في الداخل، بل يعود أكثر قسوة على نفسه وعلى المجتمع من حوله.

وكثيرا من النساء اللواتي قابلتهم داخل السجن التونسي كان من الممكن أن أراهن يسرن طليقات في شوارع دول أخرى مع ارتكابهن نفس الأفعال التي أقدمت عليها السجينات التونسيات.

زنزانة "مريحة"

يُعرف سجن منوبة بأنه الأفضل بين السجون التونسية على مستوى الأوضاع المعيشية والإنسانية.

قالت جميلة صميدة، مديرة السجن، إنه (السجن) "لم يعد كما كان من قبل، فهذا السجن ليس مكانا يحبس فيه المحكومون وتوصد عليهم الأبواب فحسب."

Image caption تحتاج تونس إلى إصلاحات في القوانين الجنائية ونظام السجون وعمليات إعادة تأهيل

وأضافت أن إصلاحات عدة جرت في السجن حتى لا يكون مكتظا بالنزلاء كغيره من السجون في تونس.

ونفت نفيا قاطعا ما يتردد عن أن السجن يحتوي على سجينات يفوق عددهن القدرة الكاملة للمنشأة والبالغة 420 نزيلة.

وهناك فئات عدة من السجينات داخل سجن المنوبة التونسي، تشمل المحكومات في قضايا تعاطي المخدرات للمرة الأولى، والمحبوسات احتياطيا على ذمة قضايا، والمحبوسات لفترات طويلة في قضايا مثل السرقة، والقتل، والإرهاب.

وسُمح لنا بدخول المبنى "ب" فقط، وهو أحد المباني الأساسية في السجن.

وتُعلق ملابس النزيلات المغسولة على طول ساحة صغيرة رطبة تلفحها الرياح من الاتجاهات الأربعة من خلال أربع فتحات تطل على فناء السجن.

وهناك التقيت سميرة المعروفة بـ"زعيمة الزنزانة" التي ترعى زميلاتها في ذلك المكان الرطب رديء التهوية الذي تجتمع فيه النزيلات لوقت طويل ويحتوي على صفين من الأسرة الجانبيه المغطاة بمفارش مزركشة.

وتتناثر الحلي الرخيصة والمتعلقات الشخصية بين الأسرة التي تجلس عليها النزيلات للثرترة وتناول الغداء، أو التدخين.

ولم يكن هناك بين النزيلات في الزنزانة التي سُمح لنا بدخولها متهمات في قضايا إرهاب، لكن زنزانات أخرى كان بها أعداد من هؤلاء.

Image caption حققت السجون التونسية بعض الإصلاحات على صعيد الأوضاع الإنسانية، لكن ذلك لا زال غير كافيا

قالت سميرة: "لا يوجد توافق بينهن، فكل واحدة منهن تفكر بطريقة مختلفة."

وأضافت: "لكن هنا في السجن، لابد أن نتعامل مع الجميع، فليس لدينا خيار آخر."

ويرى مراقبون أن وضع المدانات بتعاطي الحشيش مع المدانات بجرائم اخطر كفيل بتحويلهن الى مجرمات عتاة.

تقول مديرة السجن إن إصلاح نظام السجون لا يقع على عاتقها هي وطاقم العمل فقط.

وأضافت أن "المحاكم والقضاء أيضا لهم دور في ذلك."

وتتعرض الحكومة التونسية لضغوط لتقليل عدد نزلاء السجون وتوفير فرص أكثر لإعادة التأهيل.

وهناك مناقشات مستمرة بين المشرعين التونسيين، على رغم من الوتيرة البطئية التي تسير عليها، لتعديل بعض القوانين الجنائية وإصلاح القضاء.

وحتى يتحقق ذلك، لا يُرجى أن تحدث التغييرات التي يشهدها سجن المنوبة فارقا كبيرا في الأوضاع الإنسانية.

المزيد حول هذه القصة