طرابلس "تحبس أنفاسها" مع سعي الحكومة الجديدة للوحدة

مصدر الصورة Reuters
Image caption مؤيدو حكومة الوفاق الوطني الجديدة نظموا مسيرات للترحيب بها في طرابلس مطلع الشهر الجاري

ينمو العشب بصورة كبيرة في أجزاء داخل مجمع باب العزيزية المترامي الأطراف، الذي كان يتخذه العقيد الراحل معمر القذافي مقرا يرعب شعبه منه.

مرت خمس سنوات منذ القصف الجوي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) على قصور القذافي ومقراته الأمنية والمناطق التي كان يسيطر عليها. ومنذ هذا الوقت يعكس هذا المجمع، كما يرى البعض، حال ليبيا نفسها.

ويُبدي المجتمع الدولي حاليا اهتماما بالوضع في ليبيا. فما يعرف بتنظيم "الدولة الإسلامية" يستوطن الآن مدينة سرت، مسقط رأس القذافي، وموجات المهاجرين تنطلق من السواحل الليبية نحو أوروبا.

ومرة أخرى أصبح مصير ليبيا وما يجري بها مصدر قلق رئيسي للغرب.

ورغم دخول حكومة "الوحدة" الجديدة إلى البلاد، إلا أن هناك بعض الصعوبات على الأرض.

ووصل أعضاء الحكومة إلى العاصمة طرابلس على متن زورق نهاية مارس / آذار الماضي، بعد إغلاق جماعات مسلحة رافضة لها المجال الجوي.

وقال موسى الكوني، نائب رئيس الوزراء :"تحدي الوصول كان هائلا، لكن بفضل الله والقوات البحرية تمكنا من إنجاز المهمة ودخول طرابلس".

وتمارس حكومة الوفاق الوطني، ذات الاسم المثير للتفاؤل، مهامها من قاعدة بحرية شديدة الحراسة.

وتحظى الحكومة بدعم الأمم المتحدة لكنها تواجه أيضا منافسين رافضين لوجودها.

ويوجد في ليبيا حكومتان أخريان، الأولى في طرابلس بقيادة إسلاميين، وهناك أخرى معترف بها دوليا في طبرق، غربي ليبيا.

مصدر الصورة Reuters
Image caption فايز السراج، رئيس الحكومة الجديدة وصل وأعضاء حكومته إلى العاصمة على متن زورق بعد إغلاق مسلحين المجال الجوي

كما أن هناك مليشيات مسلحة كثيرة تتقاسم السيطرة على البلاد، ولن تتخلى عن نفوذها.

وأضاف الكوني :"نواجه الكثير من التحديات تبدأ بالسيطرة على مقرات الوزارات والمباني التي تحتلها المليشيات، وكذلك ممارسة قوات الجيش والشرطة مهامها".

وتابع :"تلك القوات بدأت تضطلع بمسؤولياتها وتسيطر بالفعل على بعض الشوارع والمباني، ولدينا آمال كبيرة".

وكان الكوني صريحا عند الحديث عن التهديد الذي يمثله تنظيم الدولة مُقرا بأنه قد يسيطر على مزيد من المناطق.

وقال :"لا يوجد في ليبيا شخصيات قوية يمكنها قيادة الجيش أو حتى جماعات مسلحة لمحاربة هذا العدو".

واعترف "سوف ينتشر سريعا، خاصة في الجنوب. فهذه المنطقة ضعيفة ويمكنه احتلالها في دقائق معدودة، وعندها سيسيطر على ثلثي البلاد".

مضيفا :"إذا لم نتحرك اليوم فلن نتمكن من عمل أي شيء غدا".

امنحونا حكومة واحدة وليبيا موحدة

رافقنا إحدى المليشيات المسلحة، تدعى كتيبة النواصي، في دورية ليلية على الطريق الساحلي بطرابلس.

ضمت الدورية رجالا بزي موحد مدججين بالأسلحة في موكب من سيارات الشرطة ومركبات أخرى تحمل أضواء زرقاء وحمراء، وبدا الأمر وكأنها عملية تنفذها شرطة نظامية.

وتعمل كتيبة النواسي مع وزارة الداخلية الليبية، لكن مليشيات أخرى عديدة تطبق قانونها الخاص.

وقال حسام محمد، المتحدث باسم وزارة الداخلية بجنوب طرابلس :"أقل من 50 بالمئة من تلك المليشيات يطبق النظام".

مصدر الصورة Reuters
Image caption 10 جماعات مسلحة فقط انضمت لوزارة الداخلية بينما تفرض جماعات أخرى قانونها الخاص وترفض التخلي عن مناطق النفوذ

واعترف بأن 10 مليشيات مسلحة فقط تدربت وانضمت إلى قوات الوزارة. ومثل الكثيرين في ليبيا، يدعو المتحدث إلى اتحاد تلك المليشيات.

وأضاف "فقط امنحونا حكومة واحدة وليبيا موحدة، تحت حكم رئيس واحد. سوف أحمي هذه الحكومة. لكننا الآن سننتظر لنرى ما يمكن أن يمنحونا إياه، لكن الشعب لن ينتظر للأبد".

انتظر عادل كاكلي طويلا من أجل ليبيا الجديدة، وعاش 17 عاما في مدينة مانشستر في انجلترا قبل أن يعود إلى ليبيا عام 2011 ليقاتل ضد القذافي، وفي متنزه بالقرب من الشاطئ تحدث عن تقييمه الحذر للحكومة الجديدة.

وقال "لن يكون بمقدروهم تقديم الكثير للشعب الليبي لكن على الأقل سوف يضعونا على بداية الطريق".

وأضاف :"رأينا وجوه المواطنين مبتسمة، كانوا سعداء بالحكومة عندما جاءت إلى هنا".

وبالنسبة للسيد كاكلي فإن خمس سنوات ماضية من الاضطرابات لم تكن مفاجأة.

ويوضح "غالبية المواطنين أصيبوا بخيبة أمل كبيرة، لكن بالنسبة لي هذا أمر طبيعي بعد ثورة".

فبعض البلدان الأخرى تستغرق وقتا أطول لتسوي أوضاعها، لكن الشعب الآن ضجر من القتال الداخلي، "وجد الناس أن قتال بعضهم البعض ليس حلا، وأنه يجب المضي قدما في العملية السياسية".

وقُتل عدد من أصدقاء عادل الذين عادوا معه لقتال القذافي إبان الثورة، وسألته "إذا ما كانوا سيفكرون بأن هذا الأمر يستحق التضحية بحياتهم."

وأجاب "ليس بعد، لم نصل إلى ما نريده، لكن دائما يبقى الأمل في أن نصبح بلدا جيدا".

وتبدو طرابلس كمدينة تحبس أنفاسها، تراقب وتنتظر رؤية نسائم البحر هل ستجلب إليهم الفوضى أم الهدوء.

وقال أحد المواطنين في ميدان الشهداء، حيث احتفل الليبيون بسقوط القذافي :"أتوقع اضطرابا وهدوءا لأسابيع".

وأوضح :"المليشيات ستظل تستعرض عضلاتها في محاولة للحصول على أكبر قطعة من الكعكة، وسيستمر التنافس لبعض الوقت".

ويأمل هو أيضا أن تتمكن الحكومة الجديدة من تثبيت أقدامها، ويرى أنها "حقا الفرصة الأخيرة".

المزيد حول هذه القصة