مفترق طرق غوش عتصيون: مسرحٌ للموت

بات تقاطع طرق مستوطنة غوش عتصيون القريب من القدس المحتلة رمزا لأعمال العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأضحى مسرحا لعشرات الأحداث الدامية في الأشهر الأخيرة.

وخلال عودتنا إلى الطريق رقم 60، من مدينة الخليل إلى القدس، وجدنا أن الشرطة الإسرائيلية أغلقت الطريق. وأجرينا هناك مقابلة مع والد شاب فلسطيني قُتل بالرصاص العام الماضي بعد طعنه جنديا إسرائيليا عند مفترض طرق.

والآن، قتل فلسطيني آخر بينما كان ينفذ هجوما مزعوما عند نفس النقطة من التقاطع.

ويقع مفترق غوش عتصيون في مكان يمر منه الإسرائيليون والفلسطينيون باستمرار. وفي الآونة الأخيرة بات التقاطع واحدا من أخطر الأماكن في الضفة الغربية، حيث اندلعت عشرات الأحداث الدامية منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

ويقول دانيال هانسون، وهو ضابط أمن بالمستوطنات القريبة ويحمل الجنسيتين الإسرائيلية والبريطانية: "كل حجر وإشارة ومحطة للحافلات في هذا التقاطع شهد هجوما إرهابيا ... للأسف، في المكان الذي نقف فيه الآن فقدنا اثنين من المدنيين في هجومين منفصلين".

وأخذ يُظهر لي كومات صغيرة من الأحجار فوقها أعلام إسرائيلية، حيث قُتلت طالبة وجندي احتياط إسرائيلي.

ويعج متجر رامي ليفي المقابل للتقاطع بالمتسوقين الإسرائيليين. ويعيش غالبية هؤلاء في مجمع غوش عتصيون الذي يضم أكثر من 20 مستوطنة. ويحمل الكثير منهم الآن البنادق، إما بنادق إم16 كالتي يحملها دانيال- أو مسدسات صغيرة قال دانيال هانسون إن زوجته تحمل واحدا مثلها في حقيبتها لحماية نفسها.

وغالبا ما يُنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي العسكري للضفة الغربية والتوسع في المستوطنات هناك كسبب لغضب الفلسطينيين. لكن دانيال يعتقد بأن التحريض هو السبب وراء تصاعد وتيرة الهجمات.

ويضيف دانيال: "على قناة تلفزيونية فلسطينية نرى مقاطع فيديو ورسوم متحركة تدعو إلى الخروج والاستشهاد، وتقول اخرجوا واطعنوا يهوديا، واطعنوا إسرائيليا ... فهم يريدون تمجيد أنفسهم وتمجيد دينهم الإسلامي."

مصدر الصورة Getty

واندلع التصعيد الراهن، ولو في جزء منه على الأقل، بسبب مخاوف الفلسطينيين بشأن مجمع المسجد الأقصى في مدينة القدس القديمة. ويقدس هذا الموقع المسلمون ويطلقون عليه القدس الشريف، وكذلك اليهود، ويطلقون عليه جبل الهيكل (Temple Mount).

وبينما اعتاد اليهود على زيارة الموقع خلال العطلات الدينية، تفيد تقارير، نفتها الدوائر الرسمية، بأن تل أبيب تخطط لتغيير قانون يمنع غير المسلمين من الصلاة هناك.

وفي الخليل، يقول والد الشاب الفلسطيني (19 عاما) الذي نفذ عملية طعن في مفترض طرق غوش عتصيون إن دوافع ابنه لم تكن مجرد دوافع دينية. فلقد رأى الجيش الإسرائيلي يقتل فلسطينيين يُدعى أنهم مهاجمون ومن ثم انجرف إلى دارة العنف.

ويقول نادي أبو شخيدم: "الوضع هنا في الخليل في ذلك الوقت صعب للغاية".

ويضيف: "الكثيرون قتلوا عند حواجز التفتيش، من بينهم فتيات. وهذا أذكى عنف شبابنا. وأرادوا الانتقام منهم، قبل الأقصى وقبل الأرض، وقبل أي شيء."

وفي مستوطنة علون شفوت القريبة من التقاطع، يقيم أبناء الإسرائيلي يعقوب دون عزاء والدهم في كنيسهم. فلقد قُتل المدرس، الذي عُرف بابتسامته العريضة، في نوفمبر/ تشرين الثاني".

وفتح مسلح فلسطيني النار صوب سيارات متجهة نحو تقاطع الطرق، وقتل المسلحُ طالبا أمريكيا وسائقا فلسطينيا.

Image caption ماور دون (يمينا) مع شقيقه

ويقول ماور دون إنه "لم يأسف حتى لمقتل الفلسطيني ... هؤلاء الناس تملؤهم الكراهية. هم يريدون القتل فحسب، ولا يريدون أي سلام على الإطلاق."

وعلى الرغم من التجربة المروعة، تصر أسرة دون على استمرار بقائها في غوش عتصيون. ويقول ماور: "من المهم أن نبقى ... فتاريخيا، هذا مكان مهم للغاية للشعب اليهودي."

وفي بداية القرن العشرين، اشترى اليهود أراضي في هذه المنطقة. لكن مع اندلاع القتال مع الجيوش العربية في 1948، أجبروا على الخروج أو مواجهة القتل. وبعد أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية في حرب 1967 عاد اليهود.

ويُعتبر القانون الدولي المستوطنات غير قانونية، وهو ما ترفضه السلطات الإسرائيلية.

مصدر الصورة Alamy

وأضحت غوش عتصيون الآن أكبر بمقدار 30 ضعفا عما كانت عليه في السابق. وأضيفت أراضٍ لفلسطينيين إليها وهو ما سبب سخطا شديدا. وفي الوقت ذاته، يعمل 4500 فلسطيني في غوش عتصيون، وهو ما يمثل علاقة اقتصادية لا تبعث على الارتياح يراها الكثير من الإسرائيليين نموذجا للتعايش السلمي.

وفي قرية خربة زكريا الفلسطينية، المحاطة بالمستوطنات، يوجد منظور آخر.

ويقول محمد سعد، فلاح فلسطيني، أثناء تشذيبه كروم العنب الخاصة به إنه "أمر صعب".

ويضيف أن "إسرائيل تمنعنا من البناء، وبالتالي نفقد بعض أرضنا. كما أن محاصيلنا غير كافية، وبالتالي يتعين علينا العمل في المستوطنات لتربية أطفالنا".

ومنذ الاضطرابات الأخيرة، أثّرت القيود الأمنية الجديدة في تقاطع غوش عتصيون على الوضع هنا. ويقول محمد سعد "إننا معزولون الآن ... فهناك نقطة تفتيش جديدة ولا يمر منها سوى من يحمل بطاقة هوية الجيش الإسرائيلي أو بطاقة هوية قرية خربة زكريا."

ويحمي المستوطنين المحليين في المنطقة المحيطة بالمفترق جنود مدججون بالسلاح. وبالنسبة لهم، يعتبر الموقع رمزا للمخاطر التي يواجهونها كل يوم.

فالمكان بالنسبة للفلسطينيين يمثل احتلالا إسرائيليا. وأتوقع المزيد من الأخبار السيئة من تقاطع طرق مستوطنة غوش عتصيون.

ومع غياب وجود حل سياسي في الأفق، فإن الوضع ينذر بلمحة تبعث على القلق لمستقبل يواصل فيه طرفا هذا الصراع العيش وسط توترات محتدمة وأعمال عنف دامية.

المزيد حول هذه القصة