حفل تدمر الموسيقي: بوتين الماهر يقدم نفسه على مسرح تدمر

Image caption أوركسترا مسرح مارينسكي الروسية تؤدي عرضها على المسرح الروماني في تدمر في حضور جنود من روسيا وسوريا ومواطنين ومشاركة الرئيس فلاديمير بوتين من الكرملين

لأكثر من 320 كيلومتر تحركت بنا الحافلة مخترقة مناطق خطرة في وسط سوريا، وسط حراسة عربات مصفحة تسير خلفنا وأمامنا بينما تحلق فوقنا مروحيات روسية مسلحة.

وضم موكبنا المكون من سبع حافلات عشرات الموسيقيين المحترفين من أوركسترا مسرح مارينسكي الروسية، وأشهرهم عازف التشيلو سيرغي رولدجين، الصديق المقرب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والذي ظهر اسمه في فضيحة التهرب الضريبي التي كشفتها وثائق بنما.

وكان هناك أيضا أكثر من 100 صحفي لتغطية الحدث، غالبيتهم من روسيا بالإضافة إلى جنسيات أخرى مثل بريطانيا وكندا والولايات المتحدة والصين.

ولم يكن من السهل نقل حشد بهذا الحجم في بلد مثل سوريا غارقة في أحد أكثر الحروب الأهلية شراسة في العالم.

ولنتخيل رد الفعل لو أن شيئا ما حدث لنا، بالطبع كانت ستمثل كارثة معنوية للرئيس الروسي بوتين والكرملين، وكان سيكون هناك انطباع بأن روسيا لا تمسك بزمام الامور في سوريا.

لكننا لم نشعر بشئ غير طبيعي في الرحلة سوى مرة واحدة أثناء عودتنا ليلا من تدمر إلى مدينة اللاذقية الساحلية، عندما حذرنا المرشدون العسكريون من وقوع إطلاق نار على الطريق أمامنا. وطلبوا منا إغلاق جميع الستائر وإطفاء أي مصدر للضوء.

وهو ما جعلنا نقتنع بأهمية تلك الحراسة وأنها لم تكن مجرد استعراض.

وبالتأكيد كان هناك دافعا قويا جدا وراء اقتناع الكرملين بأهمية تلك المخاطرة.

عمل هام للعلاقات العامة

مصدر الصورة EPA
Image caption عازف التشيلو سيرغي رولدجين، الصديق المقرب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والذي ظهر اسمه مؤخرا في فضيحة التهرب الضريبي التي كشفتها وثائق بنما شارك في الحفل

وانتهى الحفل بشكل جيد مع عزف الأوركسترا في المسرح العتيق الذي يعود للعصر الروماني في تدمر.

وأنتج التليفزيون الروسي بعض اللقطات الرائعة، بما في ذلك واحدة من كاميرا في منطاد على ارتفاع مئات الأقدام فوق الآثار.

وظهر الرئيس بوتين في بث مباشر من مكتبه في الكرملين، من خلال شاشة عملاقة على أحد جوانب المسرح، ووجه الشكر لقواته المسلحة على ما قدمته في سوريا.

ويجب أن يشعر بوتين بارتياح كبير لعدم وقوع شيء سيء.

لكن هل كان الأمر يستحق ما حدث؟ ولماذا المضي قدما في هذه المخاطرة، وخوض هذه الأزمة؟

الإجابة بسيطة. الإثنين المقبل سيشهد أكبر احتفال روسي بيوم النصر. لن يكون احتفالا ضخما مثل احتفال العام الماضي بالذكري السبعين لانتصار روسيا في الحرب العالمية الثانية، لكنه سيظل احتفالا كبيرا.

ويريد بوتين إظهار أن روسيا الاتحادية ناجحة وقوية الآن مثلما كان الاتحاد السوفيتي القديم في ظل حكم ستالين عام 1945.

مصدر الصورة EPA
Image caption الرئيس الروسي تحدث إلى الجمهور من الكرملين عبر شاشة ضخمة على المسرح في استعراض للقوة والانتصار الروسي في سوريا

فهل هناك طريقة لإظهار قوة روسيا في العالم أفضل من عزف أوركسترا روسية ألحانها في قلب مدينة تاريخية لعب الجيش الروسي دورا كبيرا في تحريرها مما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية؟

بالطبع سيكون رائعا لو حدث هذا. وبالفعل تم الأمر بصورة مذهلة.

بطل تدمر الحقيقي

اعتقدت أن السيد بوتين، الذي كان يراقب من الكرملين مع قليل من العصبية ونقر على الميكروفون بقوة، كان لديه شعورا بالزهو الشديد بنفسه.

بالطبع كان كل شيء شديد الصرامة، وهذا مؤشر هام آخر على القوة الروسية الحاضرة. قد يقول شخص عادي إن القليل من التواضع ربما يكون أفضل مع السوريين، ومع الجمهور في العالم أيضا.

لكن بوتين لا يعبأ تحديدا برأي المواطنين السوريين في الوقت الحالي. فجمهوره الكبير في بلاده روسيا.

وتعامل الجنود السوريون الذين جلست معهم في مسرح تدمر باحترام، وحاولوا تجنب الجنود الروس، الذين لا يعاملونهم دائما بالاهتمام الكافي.

ولكن الضباط الروس الكبار الجالسين على المدرجات العليا في المسرح كانوا سعداء للغاية ويصفقون بحماس عندما تحدث بوتين وابتسموا لبعضهم البعض. كانوا يعلمون أن رئيسهم حقق انتصار علاقات عامة.

كانت تدمر حتى وقت قريب مرتعا للرعب، وشهد مسرح تدمر الروماني إعدام أسرى من الجيش السوري على يد أطفال من تنظيم الدولة لم يتجاوز عمرهم 12 عاما، أطلقوا النار على رؤوسهم من الخلف.

وكان على المسرح صورة لتكريم مدير آثار تدمر السابق، خليل الأسعد، الذي أعدمه تنظيم الدولة بعد رفضه منحهم ما يريدونه، وكان قد ساعد في إنقاذ العديد من أغلى الكنوز بتهريبها خارج المدينة إبان اقتراب التنظيم.

وكان الأسعد بطل تدمر الحقيقي.

ربما، ليس من اللباقة تحويل الحفل الى مناسبة للإشادة بفلاديمير بوتين، لكن بدون شك قدم الروس في هذا الموقع الروماني الرائع عرضا رومانيا للنصر. وتأكدوا من أن أنباء هذا الانتصار وصلت العالم.

المزيد حول هذه القصة