هل استخدم تنظيم الدولة الإسلامية قنابل جديدة في هجماته بالعراق؟

مصدر الصورة Reuters
Image caption يعد هذا أعنف هجوم لتنظيم الدولة الإسلامية في العالم

في أحد شوارع العاصمة العراقية بغداد الذي كان ينبض بالحياة ذات يوم، تسمع أصوات دعوات خافتة على أضواء الشموع وسط نحيب ودموع بجانب أطلال متفحمة.

وبدأ الكناسون في إزالة الحطام على صوت الحفارات التي تعمل وسط المتاجر المدمرة.

لكن مشهد أعنف هجوم شنه ما يسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية" في أي مكان في العالم لا يزال يمثل "ضريحا مؤقتا"، بعد أن أودى بحياة 292 شخصا في الثالث من يوليو / تموز الماضي.

وخلال الأسبوع الجاري، انطلقت أصوات آلة التشيلو الحزينة وسط هياكل غائرة سوداء كانت يوما ما مقرا لمركزين تجاريين يجذبان العراقيين الراغبين في التسوق والانخراط في الأنشطة الاجتماعية.

يقول كريم وصفي، مؤلف موسيقي وقائد فرقة في الأوركسترا السمفونية الوطنية العراقية: "إذا كان الإرهابيون يحاولون تحويل كل عنصر من عناصر الحياة إلى ساحة معركة، فأنا سأحوله إلى مجال للجمال والحضارة".

وعزف وصفي على آلة التشيلو في مواقع تفجيرات كبرى سابقة في بغداد، تأكيدا على عزم العراقيين على مواجهة الإرهاب.

ولا يكاد يمر يوم دون وقوع هجوم في مدن تعج بنقاط التفتيش الأمنية والحراس المسلحين.

غير أن الانفجار الذي وقع في حي الكرادة في بغداد لم يكن قنبلة عادية. فبدءا من التصميم وحتى مكان التفجير، يؤكد هذا الهجوم على أن تنظيم الدولة الإسلامية وجد طريقة جديدة لإلحاق الأذى وإثارة الذعر.

وأخبرني مصدر أمني غربي في بغداد بأن "داعش قد استخدمت، للمرة الأولى، تكتيكا جديدا ساعدها على التحرك عبر نقاط التفتيش دون أن يتم اكتشافها".

ويضيف: "لم نر ذلك من قبل على الإطلاق، وهو أمر مقلق للغاية".

مزيج كيميائي "فريد"

ولا تزال جهات التحقيق العراقية تجري تحقيقا في الأمر لتجميع التفاصيل الدقيقة للهجوم.

ويستخدم تكتيك تفخيخ السيارات - السيارات المفخخة بعبوة ناسفة - الآن على نطاق واسع في التفجيرات الانتحارية.

لكن يقال إن هذا التفجير يختلف من حيث طريقة وضع المتفجرات في الشاحنة، وكيفية وضع المواد الكيميائية معا.

Image caption لا تزال أثار الهجوم موجودة حتى الآن

يقول خبير متفجرات على دراية بالتحقيقات: "من الصعب حقا القيام بذلك"، مشيرا إلى احتمال تحضير هذه المواد المتفجرة في مدينة الفلوجة العراقية عندما كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.

ويضيف: "قدمت داعش الكثير من الأفكار بشأن كيفية التحرك عبر نقاط التفتيش".

ويُعتقد أن صانعي القنابل يتبعون وصفة "متاحة على شبكة الانترنت"، ثم يضبطون الكميات للحد من احتمالات الكشف عنها، وزيادة تأثيرها.

ووصف عدد من الخبراء العراقيين هذا المزيج من المواد الكيميائية بأنه "فريد من نوعه".

يقول العميد كاظم بشير صالح، من قوات الدفاع المدني: "نحن معتادون على الحرائق الكبيرة، لكن المواد الكيميائية الموجودة في هذه القنبلة استخدمت للمرة الأولى في العراق".

ويضيف: "كانت فريدة من نوعها وغريبة ورهيبة".

وقال هشام الهاشمي، خبير أمني عراقي، لبي بي سي إنه يعتقد أن مزيجا مماثلا من المتفجرات قد استخدم لمرة واحدة فقط في هجوم شنه تنظيم القاعدة عام 2004.

لكنه وصف هذه التكتيك الجديد الذي يتبعه تنظيم الدولة الإسلامية بأنه "عنيف وخطير للغاية".

وانفجرت الشاحنة في شارع ضيق بعد منتصف الليل وقبل وقت قصير من الاحتفال بعيد الفطر عندما كانت المراكز التجارية تكتظ بالعائلات ومشجعي كرة القدم الذين يحدقون في الشاشات وعدد كبير من الأشخاص يلعبون البلياردو.

يقول كثيرون إن الحرارة الناجمة عن الانفجار الأول كانت "ملتهبة مثل سطح الشمس".

لم يترك الانفجار حفرة هائلة، كما أن تأثيره لم يدمر أقرب المباني.

لكنه أطلق نيرانا ثانوية أصبحت أكثر فتكا من أي وقت مضى.

لا منافذ للهروب من النار

ثم تضاعف تأثير هذا الانفجار المدمر بسبب سلسلة من الاخفاقات في مجال الأمن والسلامة في المبنى المستهدف.

يقول صادق معروف، صاحب متجر وأحد القلائل الذين نجوا من الهجوم: "لم تكن هناك منافذ للنجاة من النار".

واصطحبني عبر أطلال مجمع الليث، من الطابق السفلي الذي يكسوه السواد والذي كان يوما ما مقرا لاثنين من محلات الملابس المعروفة، إلى غرفة في الطابق الثاني حيث نجا بحياته.

وقال: "كانت السلالم ورائي مشتعلة، لذا اقتلعنا نافذة من إطارها وقفزنا".

Image caption اخترقت النيران المباني المحيطة وحاصرت السكان

وأضاف وهو لا يزال غاضبا ومستاءً: "كان هناك مخرجان للفرار من النيران". وأدت هذه المأساة إلى وفاة تسعة أشخاص من عائلته والعديد من أصدقائه المقربين.

وأردف: "تحول مخرج الطابق الأول إلى محل، ومخرج الطابق الثاني إلى مخزن".

وقال عدد من الخبراء إن القنبلة الأولى قتلت ما يتراوح بين 20 و30 شخصا. وحاصر جحيم النيران الذي تلا ذلك كثيرين في الداخل.

يقول العميد المتقاعد خلف عبد الكريم الذي كان في مكان الحادث في تلك الليلة: "أدى عدم وجود ممرات للهروب من النيران والقصور في أنظمة السلامة إلى وقوع أكبر عدد من الضحايا".

ويضيف: "سمعنا محاصرين بالداخل يطلبون المساعدة من أسرهم وأصدقائهم. وكان يمكن إنقاذ بعضهم في تلك الدقائق".

والتهمت النيران المحلات التجارية ذات الجدران المصنوعة من مادة الستايروفوم الرخيصة والأسلاك الرديئة، وأدت العطور وغيرها من السلع إلى تأجيج النيران.

في كل مرة نذهب فيها إلى الشارع، يتحدث أقارب الضحايا الذين يملؤهم الحزن بكلمات قاسية عن خدمات الطوارئ ويتهمونها بالوصول في وقت متأخر جدا وعدم القيام بواجبها على أكمل وجه.

وعندما سألت الرقيب أول حبيب ديوان عن هذه الاتهامات، انفجر في البكاء على الفور.

Image caption وقع الانفجار في منطقة تجارية شعبية

وقال: "عادة ما نصل إلى مشهد الحادث في غضون أربع أو خمس دقائق، لكننا وصلنا بعد مدة تتراوح بين ثماني وعشر دقائق".

وأضاف: "لم أشاهد شيئا كهذا من قبل"، في وصفه للنيران الحارقة التي اجتاحت الشارع بأكمله.

وأردف: "كنا على استعداد للقفز في النار لإنقاذ الناس. لقد فعلنا كل ما بوسعنا، لكن هذا كان هجوما كاسحا".

وثمة العديد من القصص العراقية بشأن كيفية دخول سيارة إلى شارع يستخدم فقط لحركة المشاة.

يتحدث البعض عن سائق يحمل شارات رسمية، والبعض الآخر عن تواطؤ حراس الأمن في أقرب نقاط التفتيش.

لكن أكبر هجوم على المدنيين منذ حرب العراق عام 2003 أبرز أخيرا الاهتمام الرسمي بالاستخدام الواسع النطاق لأجهزة تشبه "عصي السحرة" في الكشف عن المتفجرات، وقد ثبت منذ فترة طويلة أنها أجهزة وهمية.

وفي أعقاب هذا الهجوم، أمر رئيس الوزراء حيدر العبادي أخيرا بإزالتها من نقاط التفتيش.

وقال أحد خبراء المتفجرات في بغداد: "حسنا - الكلاب البوليسية المدربة هي ما يلزم لوقف هذه المواد".

يقول خبراء أمنيون إن تنظيم الدولة الإسلامية نفسه لم يتوقع هذا العدد الكبير من الضحايا في تفجير الكرادة.

لكن الحياة قد غادرت أحد أحياء بغداد الذي لا يزال يعاني من خسارة فادحة وينعى ضحاياه.

المزيد حول هذه القصة