الحرب في سوريا: الحياة تحت الحصار شرقي حلب

كانت حلب واحدة من المدن الثقافية والتجارية تزينها مدينة قديمة مدرجة على قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي.

لكنها الآن بعد خمس سنوات من الحرب الأهلية التي تعصف بسوريا أصبحت مدينة مهدمة وتنقسم إلى منطقة غربية تخضع لسيطرة القوات الموالية للرئيس بشار الأسد ومنطقة شرقية تخضع لسيطرة المعارضة المسلحة.

فرضت قوات الحكومة قبل شهر حصارا جديدا على المنطقة الشرقية، وشنت هجمات شاملة بغية إحكام السيطرة بالكامل على المدينة مع تكثيف عمليات القصف الجوي.

ويقول نشطاء إن الهجمات أسفرت عن مقتل مئات المدنيين، في حين تنفي الحكومة وحليفتها روسيا استهداف المدنيين متهمة مسلحي المعارضة بتنفيذ عمليات من مناطق سكنية.

لكن ما هو الوضع بالنسبة لأكثر من 250 ألف شخص محاصرين هناك؟ من أين يحصلون على الغذاء؟ وهل لديهم ما يكفي من مياه وأدوية؟

جودة الحياة اليومية يعتمد على المنطقة التي تعيش فيها

لا توجد أي مجموعة مكلفة بإدارة شرقي حلب، فهي منقسمة بين المعارضة التي تدعمها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وقوات "جبهة فتح الشام" الجهادية، التي اشتهرت سابقا باسم جبهة النصرة، وقوات الأكراد الذين يقولون إنهم لا يدعمون الحكومة أو المعارضة.

مصدر الصورة AFP

وفي منطقة الشيخ مقصود الخاضعة لسيطرة الأكراد مازالت الأسواق غنية بالبضائع والأسعار مستقرة، وفقا لمبادرة "ريتش" التي تتواصل مع المواطنين مباشرة لجمع تقارير ومعلومات عن الحالة الإنسانية بصفة دورية.

ويُفتح طريق من الشيخ مقصود نهارا على نحو يسمح للمواطنين بالخروج ودخول البضائع، غير أن المنطقة تحيطها نقاط تفتيش، بما يعني عدم إمكانية دخول مواطنين من مناطق أخرى تحت الحصار بسهولة.

ويعتبر الوضع حرجا جدا في مناطق أخرى في شرقي حلب، فمولدات الكهرباء تعاني من نفاد الوقود الأمر الذي يؤدي إلى انقطاع الكهرباء بصفة مستمرة. كما أن مخابئ الاحتماء من الغارات الجوية، التي قد يقضي فيها السكان ساعات أو فترة انتظار طوال الليل حتى انتهاء القصف، غير مجهزة بالإضاءة على الإطلاق.

الغذاء والمياه أسلحة حرب

تعجز وكالات الإغاثة الإنسانية عن الدخول إلى شرقي حلب منذ استئناف الحصار في 4 سبتمبر/أيلول.

ودعت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى فتح ممرات إنسانية منذ ذلك الوقت، لكن حتى الآن لم تلق هذه الدعوات سوى التجاهل.

ومازالت المؤسسات الخيرية على اتصال مع المواطنين الذين يعيشون هناك رغم ذلك.

وتقول مبادرة "ريتش" إن بعض الأسواق مازالت تعمل في مناطق في حلب تحت الحصار، غير أنه بالنسبة للسلع الغذائية الرئيسية مثل البيض والدقيق والخضراوات والفاكهة والدواجن وزيت الطهي مهما حصلت عليها تنفد سريعا.

وفي ثلاث مناطق، قاضي العسكر ومساكن حنانو وطارق الباب، نفدت الأسواق من الدقيق تماما، وتقول مبادرة "ريتش" إن بعض المواطنين رشدوا استخدام القطع الأخيرة من الخبز المجفف وعبوات الصلصة، في حين قايض البعض الآخر على ما تبقى لديهم في خزاناتهم.

وبالنسبة للأغذية التي يمكن الحصول عليها، فإن الأسعار تسجل تضخما كبيرا.

كانت تكلفة سبعة أرغفة من الخبز 15 ليرة سورية قبل الصراع. والآن أصبحت قيمة الكيس المكون من ست قطع 451 ليرة أو ما يعادل (2.12 دولار)، وهي قيمة باهظة في مدينة تحت الحصار، بعد أن انعدم الكثير من سبل كسب الرزق.

أصيبت محطات ضخ المياه بالدمار خلال القصف، وأصبحت معظم المدينة، بما في ذلك مناطق في الغرب الخاضع لسيطرة الحكومة والتي يعيش بها نحو 1.2 مليون شخص، تعاني من انقطاع المياه.

ويشتري المواطنون المياه من الآبار وممن لديهم خزانات مياه ويحملونها إلى منازلهم في دلاء. وشكا كثيرون من أن طعم المياه سيء، ولا يوجد أي ضامن يؤكد خلوها من الأمراض.

من الصعب القول ما إذا كان شخص قد مات جوعا في الحصار أم لا، نظرا لأن مؤسسات الإغاثة عاجزة عن الدخول، وغير قادرة على تشخيص حالة سوء التغذية بدقة.

وقال بابلو ماركو، من منظمة أطباء بلا حدود : "الحصار يدفع الناس في اتجاه الجوع".

ندرة الأطباء

فر الكثير من الأطباء من المدينة أو قتلوا خلال المعارك، ومازال هناك 35 طبيبا فقط في شرقي حلب، بحسب المؤسسات الخيرية.

وبالإشارة إلى التقدير المتحفظ عليه بالنسبة لعدد المواطنين المحاصر هناك، وهو 250 ألف مواطن، يعني ذلك أن كل طبيب يعالج سبعة الآف شخص تقريبا.

ويتعرض المكان الذي يوجد فيه الأطباء لقصف متكرر خلال الضربات الجوية التي تشنها الحكومة وروسيا، حسبما يقول النشطاء والمؤسسات الخيرية. وتقول منظمة الصحة العالمية إن خمسة مستشفيات فقط تعمل، على الرغم من عدم تشغيلها بكامل إمكانياتها.

ورسم ماركو، من منظمة أطباء بلا حدود، صورة مضطربة عن حالة الرعاية الصحية في المنطقة.

وقال : "تنهار المستشفيات المتبقية أمام تدفق مئات الجرحى الذي يرقدون في ألم على أرضية العنابر والممرات".

وأضاف : "يجري الأطباء جراحات المخ والمعدة لضحايا القصف على الأرض في غرف الطوارئ بسبب عدم توافر غرف عمليات".

لكن بعض الابتكار الخلّاق يساعد في انقاذ الحياة، فهناك بعض الأطباء يستخدمون تطبيق مثل "سكايب" للمساعدة في إجراء العمليات التي لم يجروها من قبل.

وتتعرض حياة المواطنين للخطر ليس فقط بسبب الضربات الجوية التي تهدد صحة وحياة المواطنين، بل أيضا من نقص أدوية مرضى القلب والسكري والأمراض المزمنة الأخرى.

وقالت مبادرة ريتش إن الإمدادات الطبية طويلة الأجل دوما يجري طلبها للحاجة الملحة لها. وأضافت : "إنها ليست أشياء يمكن تأجيلها، إنها تحظى بالأولوية".

كما أن المنتجات الصحية الخاصة بالسيدات، مثل الفوط الصحية، ليست متاحة بسهولة في حلب المحاصرة، باستثناء المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد. فالسيدات والفتيات خلال فترة الحيض يضطررن إلى استخدام الخرق القديمة بدلا من الفوط الصحية التي تستخدم مرة واحدة.

ونظرا لأن نظافة المياه غير مضمونة، فإن استخدامهن لها قد يعني إصابتهم بعدوى.

عشرات الآلاف اضطروا للفرار

قدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في أغسطس/آب نزوح نحو 35 ألف شخص داخليا في شرقي حلب، بعضهم يعيش في مراكز إيواء رسمية في أبنية مهجورة، في حين يقيم آخرون مع أسر أو أصدقاء، ومازال البعض ينام في الحدائق والشوارع.

وليس بمقدور الكثيرين مغادرة المدينة، ويبدو أن رقم الأشخاص الذين فروا من منازلهم يتزايد. وحتى أولئك الذين مازالوا يعيشون في منازلهم يعلمون أنهم ليسوا في أمان.

وقالت مبادرة "ريتش" لبي بي سي : "يقول الناس إنه لا يوجد أمان. وقد يكون هناك الكثير ممن يعيشون في أماكن لا يعتبرونها كافية لكنهم يعيشون بأي حال من الأحوال".

ماذا يعني العودة إلى المدرسة في منطقة حرب؟

نصف عدد الذين يعيشون في حلب المحاصرة هم دون سن 18 عاما، وقد أغلقت مدارسهم أو نقلت إلى مكان آخر. بعض الأبنية تعرض للقصف، وأبنية أخرى تستخدم كمراكز إيواء للنازحين أو يستخدمها المسلحون في الصراع لأغراض عسكرية.

قد يكون من الصعب تصور ذهاب أي طفل إلى المدرسة في حالة سقوط قنابل.

وإن لم يكن الأطفال يواجهون خطرا في المدرسة، فهم يواجهونه في حلب وهم يلعبون في الشارع أو في المنزل أو حتى أثناء السباحة في حفرات تكونت بفعل القصف. وعندما فتحت المدارس أبوابها الأسبوع الماضي، ذهب بعض الأطفال.

مصدر الصورة Rami Zayat Unicef

تذهب طفلة تدعى جودي سيرا على الأقدام وسط الركام بغية الوصول إلى مدرستها، وقالت لمنظمة يونسيف: " أذهب إلى المدرسة كل يوم باستثناء مرات سمعت فيها دوي طائرات".

ويعمل وسام زرقا معلما في مدرسة في منطقة محاصرة. وقال لبي بي سي إن عدد الطلبة "أقل من المعتاد". وأضاف أن أولياء الأمور لا يتعاملون بجدية بالنسبة للأسبوع الأول من الدراسة، وقد يرتفع هذا العدد بمجرد علم التلاميذ بموقع المبنى الجديد للمدرسة.

وقال زرقا، وهو مؤيد للمعارضة : "بعد كل هذه الجرائم سنشعر بالخزي إذا هربنا. لابد أن يكون للجيل القادم بلد أفضل يعيش فيه".

المزيد حول هذه القصة