سورية: اقتصاد متماسك حتى الآن، لكن التشاؤم في الافق

سوق دمشقي مصدر الصورة AFP
Image caption السوريون يكتفون بشراء الضروريات خشية المجهول

قال خبراء ومستثمرون ان الاقتصاد السوري، الذي تأثر بقوة بعد مرور خمسة اشهر على الاحتجاجات المناهضة للحكومة السورية، انه اقتصاد قادر على الصمود في وجه المصاعب والعقوبات حتى العام المقبل، لكنهم حذروا من تراجع وانزلاق حاد بعد ذلك.

يشار الى ان حركة الاحتجاجات الواسعة التي تعم سورية منذ منتصف مارس/ آذار تسببت في تعطيل جوانب عديدة من النشاطات الاقتصادية، حيث يرى محللون ان الاقتصاد لن ينمو خلال هذا العام بسبب تضرر قطاعي السياحة والاستثمار بشدة.

ويقول عبد الغني عطار، نائب رئيس مجموعة عطار التي تعمل في مجالات الفندقة والتمويل والصيدلة والمعدات المكتبية، انه "خلال الاشهر الثلاثة الاولى من الاحتجاجات توقف كل شيء بسبب احجام المستهلك وذهوله مما يحدث، لكن بحلول يونيو (حزيران) عاود الاقتصاد نشاطه لكن متراجعا بنحو 40 في المئة مما كان عليه قبل عام".

ويضيف رجل الاعمال الشاب (32 عاما) ان القطاع الخاص السوري، الذي يمثل نحو 70 في المئة من اجمالي الناتج المحلي "تمكن من الصمود، لكن اذا لم تتحسن الاوضاع العام المقبل سيواجه الاقتصاد متاعب حقيقية وشديدة، وهناك مخاوف من ارتفاع البطالة".

الا ان بعض المحللين يرسمون صورة اكثر تشاؤما تأسيسا على مؤشرات اقتصادية معينة، اذ يتنبأ المعهد المالي الدولي، ومقره واشنطن، ان ينكمش الاقتصاد السوري بنسبة ثلاثة في المئة.

ويرى المعهد ان قطاع السياحة السوري، الذي يشكل نحو 12 في المئة من الاجمالي الناتج المحلي ويوظف نحو 11 في المئة من قوة العمل، سيشهد تراجعا حادا.

شراء الاساسيات

وتقول ارقام حكومية سورية ان اجمالي المشاريع الاستثمارية تراجع بمعدل 48 في المئة في النصف الاول من العام الحالي مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

ومما زاد من سوء الاوضاع ميل السوريين الى الاكتفاء بشراء الاحتياجات الاساسية خشية المجهول، كما يقول ناجي شاوي، رئيس مجموعة شاوي للاستثمارات.

ويضيف ناجي ان ايرادات شركاته، التي تعمل في المواد الغذائية والصيدلة ومواد التنظيف والتمويل، تراجعت بنحو 10 في المئة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption الاحتجاجات اثرت بقوة على اداء الاقتصاد السوري

ويشير ناجي الى ان قطاع الاعمال ما زال واقفا ومتماسكا "لكن اذا استمرت الازمة لاكثر من ستة اشهر، فستبدأ المشاكل".

وشهدت البورصة السورية تراجعا بنسبة 40 في المئة منذ منتصف مارس، كما ان القوة الشرائية انحسرت بشدة، خصوصا في قطاعي الملابس والاجهزة الكهربائية في دمشق.

كما تظهر الارقام الحكومية ان سورية استوردت ألفي سيارة في مايو/ايار مقابل 20 ألف سيارة في مارس، وتراجع اجمال الاستيراد الى النصف تقريبا مقارنة بالعام الماضي، حسب احد الدبلوماسيين الاوروبيين.

وعلى النقيض من ذلك ازدهر قطاع مواد البناء مع ارتفاع الطلب عليها بعد انعدام الرقابة على البناء، كما ان الباعة المتجولين يحققون ارباحا وعوائد جيدة لفقدان الرقابة بسبب انشغال الشرطة والامن في قمع المتظاهرين.

حيز مرونة

والملاحظ ان التراجع الاقتصادي لم ينتشر ليؤثر بقوة على الليرة السورية، اذ لم تفقد العملة السورية سوى ثمانية في المئة من قيمتها مقابل الدولار الامريكي منذ منتصف مارس.

وكان محافظ البنك المركزي السوري اديب ميالحة قد اتخذ الاسبوع الماضي خطوات للحد من حركة تحويلات العملات الاجنبية، حيث ما زالت سورية تحتفظ بنحو 17 مليار دولار من العملة الصعبة.

ويقول جهاد يازدي رئيس تحرير مجلة "سيريا ريبورت" او (الملف السوري) الاقتصادية التي تصدر بالانكليزية ان الاحتياطيات ربما تراجعت عن هذا الرقم، لكن لا توجد اي معطيات حديثة حول آخر الارقام.

ويضيف ان نصف الموازنة السورية يذهب الى مصاريف الاستثمارات، وبامكان الحكومة تجاهل الانفاق على الاستثمار واستخدام الارصدة لصالح المصاريف الجارية، مثل الاجور والرواتب والمصاريف الاعتيادية الاخرى.

يذكر ان الموازنة السورية لعام 2011 تبلغ نحو 16,7 مليار دولار، يخصص منها نحو 43,4 في المئة للاستثمارات.

آمال متبخرة

ويقول دبلوماسيون اوروبيون ان ايران منحت نحو ستة مليارات دولار لسورية لمساعدتها في دعم عملتها، وهو زعم يصعب التحقق منه.

ويرى خبراء ان العقوبات النفطية التي قد تفرضها اوروبا على سورية ربما سيكون لها تأثير ملموس، اذ يذهب نحو 95 في المئة من النفط السوري الى اوروبا، والذي يشكل نحو ثلث ايرادات البلاد.

لكن ومع غياب عقوبات تدعمها الامم المتحدة سيكون بامكان دمشق بيع نفطها الى بلدان غير اوروبية، بعد ان عرقلت الصين وروسيا اي قرار دولي بفرض عقوبات ملزمة على سورية.

ويقول خبراء في الاقتصاد السوري انه في جميع الاحوال، ومع تفاقم الاحداث في سورية، تبخرت آمال الحكومة السورية في الوصول الى استثمارات بقيمة مئة مليار دولار في الخطة الخمسية الحادية عشرة، والتي بنتها الحكومة على اساس ان نصفها سيأتي من التدفقات الاستثمارية من القطاع الخاص.