جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

سياسة القذافي الخارجية: عقود من الرسم على الرمال

أربعة عقود شغل فيها الدنيا وشغل الناس.. بدأ ضابطا كاريزميا يحي الجماهير ويجلس مع الزعماء وانتهى بخطابات لا تظهر فيها صوره..

إنه العقيد معمر القذافي الذي بنى لنفسه دولة، لا هي جمهورية ولا هي مملكة، وإنما شيئا هجينا أطلق عليه اسم الجماهيرية..

ذابت جماهيرية العقيد في شخصه فلم يعد أحد قادرا على التفريق بين سياسة الجماهيرية ولا أفكار العقيد..

في العقد الأول من حكمه اختار القذافي محيطه العربي كي يكون فاعلا فيه.. بدأ بمصر وعقد تحالفا مع رئيسها جمال عبد الناصر ثم استمر التحالف مع خلفه الرئيس أنور السادات.. في العام الأول من سبعينيات القرن الماضي دخل العقيد في دولة كونفيدرالية مع مصر وسورية اسمها اتحاد الجمهوريات العربية..

لم يكتف بذلك بل ساهم في دعم المصريين بطائرات ميراج فرنسية ومعدات عسكرية خلال حرب أكتوبر 1973.

لكن شهر العسل مع السادات ما لبث أن انتهى وبدأ العقيد في عقد تحالفات جديدة.. تحالفات أدت الى تورطه في الحرب الأهلية اللبنانية وفي أكثر ألغازها تعقيدا وهو اختفاء الإمام موسى الصدر بعد زيارته الى ليبيا عام 1978.

خلال العقد الثاني من حكمه اختار العقيد الساحة الدولية كي يمتد إليها نشاطه الحركي! فدعم خلال سنوات الثمانينات الجماعات المتمردة في أماكن عديدة ربما أشهرها في أوروبا حيث قدم دعما للجيش الجمهوري الايرلندي والألوية الحمراء ومجموعة بادر ماينهوف.

لكن ضربته الكبرى كان في تفجير ملهى ليلي في ألمانيا الغربية عام 1986 يرتاده عسكريون أمريكيون.. تفجير قدم مبررا للرئيس الأمريكي رونالد ريجان كي يقوم بضربه عسكريا في نفس العام. لكن القذافي نجا من صاروخ استهدف منزله.

في عام 1988 تم تفجير طائرة ركاب أمريكية وسقطت فوق بلدة لوكيربي الاسكتلندية. اتهم القذافي بأنه وراء التفجير لكنه أنكر.. فيما بعد سترسم هذه الحادثة شكل العقد الثالث من حكم العقيد..

عقوبات دولية فرضت عليه ومطالبات بتسليم ضابطين في جهاز استخباراته.. لكنه رفض وتصاعدت الضغوط، ليتدخل الزعيم الجنوب أفريقي نلسون مانديلا ومعه دعم سعودي أشرف عليه الأمير بندر بن سلطان.. تنتهي الوساطة بمحاكمة الضابطين في اسكتلندا وبإدانة عبد الباسط المقرحي الذي أمضى عقوبة بالسجن هناك، لكنها انتهت باتفاق على إعادته الى ليبيا، وهو ما أثار جدلا في الغرب..

في التسعينيات أيضا كفر العقيد بالعروبة وبالعرب وقرر أن يتوجه جنوبا الى أفريقيا ليعلن عن قيام كونفيدرالية إفريقية تحت قيادته في عام 1999.

بدأ العقد الرابع والأخير من حكم العقيد بإدراكه أن الغرب قادر على احتلال دولة عسكريا من أجل رأس نظامها.

إدراك أدى الى اصطدامه الشهير بولي العهد السعودي آنذاك وبتدهور علاقاته مع الرياض حتى رحيله عن الحكم.

(مؤتمر القمة العربي)

تسبب إدراكه أيضا في أن يعرف أن الرئيس جورج دبليو بوش ليس الرئيس ريجان وأنه لن يتوانى عن الاحتلال العسكري لا الضربات التكتيكية.. كان غزو العراق هو القشة التي جعلته يسلم مشروع أسلحة الدمار الشامل الى الغرب عام 2004 ويتحالف معه في حربه على الارهاب.

(توني بلير – رئيس الوزراء البريطاني السابق: لو أن دولة قادرة على أن تقول إننا سنضع الماضي خلفنا، وسنتخلى عن أسلحتنا النووية والكيماوية ونريد أن نقطع علاقاتنا بالمجموعات الارهابية، فيجب علينا أن نكون منفتحين على ذلك.)

في عام 2009 حضر العقيد اجتماع قمة الثماني في إيطاليا وأصبح مقربا من رئيس الوزراء الايطالي سلفيو بيرلسكوني ووجها دوليا معروفا في القمم والاجتماعات الاقليمية..

لكن رياح التغيير في المنطقة العربية وصلت إلى جماهيريته وبدا حينها أن حكمه الذي صمد لأربعة عقود قد لا يصمد لستة أشهر..

في إحدى القمم العربية عرف العقيد نفسه بزعيم الثورة الليبية وعميد الحكام العرب وملك ملوك أفريقيا.. ألقاب لخصت أربعة عقود من سياسة تشبه الرسم في الرمال!