لماذا لا تستطيع الفلوجة أن تنسى ما جرى؟

يحاول تنظيم الدولة الاسلامية مستميتا من أجل البقاء في بعض مناطق العراق، خصوصا بعد خسارته لمعقله في الموصل. ولكن ما الذي يحدث بعد مغادرة التنظيم المعاقل التي يسيطر عليها؟
المثال على ذلك مدينة الفلوجة المضطربة التي مرت بتجربة مؤلمة.

مدينة الألعاب

عندما يخيم الليل على الفلوجة ويخفف الظلام قيظ الصيف اللافح، ينير أنس الجنابي مصابيح مدينة الألعاب.

عند ذاك، يبدأ دولاب الهواء المتهالك ذو العربات الملونة بالدوران.

يبدأ الرواد بالوصول الى مدينة الألعاب، تجذبهم الأضواء الخلابة وأصوات الموسيقى الصادحة.
توجد في مدينة الألعاب وسائل تسلية شتى، من السيارات المتصادمة الى الالعاب الأخرى، ويمكن للرواد ان يتمتعوا بتناول "الشامية" (الذرة المقرمشة أو الفشار) ومشاهدة "سنفور" بدين يتمايل كراقصة شرقية رغم حرارة الجو.

ويرتدي الأطفال قبعات ملونة، وتلتقط الأسر صور "سيلفي" بهواتفها المحمولة في لحظات من الاسترخاء في مدينة لم تشهد الكثير منها في السنوات الـ 14 الأخيرة.

ولكن جوا من الترقب يسود المكان رغم كل ذلك. فبينما يلهو الأطفال ويركضون ويلعبون، يبدو على أولياء أمورهم القلق.

ربما يعود ذلك الى ذكريات عام 2014، عندما اصبحت الفلوجة أول مدينة عراقية تسقط في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية.

فبعد سنة من الاحتجاجات التي عمت محافظة الأنبار العراقية الغربية السنية، وهي احتجاجات حاولت الحكومة المركزية التي يهيمن عليها الشيعة قمعها، سقطت الفلوجة بأيدي تحالف من المسلحين المحليين ومسلحي الدولة الإسلامية.

ووجد التنظيم آنئذ نفسه مسيطرا على مدينة الألعاب حديثة الانشاء وغيرها من المنشآت.
ورغم سمعة البطش والتقشف التي اكتسبها التنظيم، بدا مسلحوه سعداء لاستغلال مدينة الألعاب لأغراضهم الخاصة.

ففي أيلول / سبتمبر 2015، نشر التنظيم صورا قال إنها "للافتتاح الكبير" لمدينة الألعاب. وكان الغرض من نشر هذه الصور الترويج "للحياة الطبيعية السعيدة" في كنف "دولة الخلافة".

ولكن أنس الجنابي، مالك مدينة الألعاب، يقول "لم تكن هناك أي موسيقى، بل شعارات فقط."

أنس الجنابي

أنس الجنابي

أسس تنظيم الدولة الإسلامية مركزا اعلاميا ومحكمة في مدينة الألعاب، حسبما يقول أنس. وتعرضت هاتان المنشأتان الى قصف جوي لاحقا.

كان أنس الجنابي قد أنفق 1,4 مليون دولار وقضى سنة كاملة في الاعداد لمدينة الألعاب في الفلوجة في عام 2013. ولكنه اكتشف لاحقا أن التوقيت لم يكن مناسبا بالمرة.

يقول، "لم نكد نبدأ عملنا حتى سيطر داعش على الفلوجة."

ولكن التنظيم طُرد من الفلوجة في عام 2016 من قبل القوات العراقية، وتمكن أنس أخيرا من العودة الى مدينته. ولكن مدينة الألعاب لم تسلم من الدمار الذي تسببت فيه "الدولة الإسلامية."

يقول أنس، "عندما انسحبوا، اضرموا النار في المقهى الملحق بمدينة الألعاب، واستحال المكان بكامله الى ركام."

"الخوف يعتصر قلبي...هذا ما خلفوه لنا"

ساهرة كريم، من الفلوجة

أما الآن، وقد عاد معظم سكان الفلوجة الى مدينتهم، يقول أنس إن مهمته تتلخص في إسعاد الناس الذين عانوا الأمرين تحت سطوة تنظيم الدولة الإسلامية. وقد أعيد افتتاح مدينة الألعاب في أيار / مايو الماضي، وبدأت الأسر بالعودة اليها والتمتع بمباهجها.

يقول أنس وهو يتأمل ما تمكن من إنجازه في ترميم مدينة الألعاب، "لقد نسوا ما يعنيه الفرح."
وأضاف قائلا، "ببركة الله، ستعود السعادة الى الفلوجة وسكانها الكرماء."

ولكنه يعي سبب قلة عدد الرواد ولماذا يشعرون بالقلق والترقب. فقبل شهر واحد فقط، وعندما كانت مدينة الألعاب مكتظة بالرواد، انفجرت قنبلة في الجوار. لم يسفر ذلك التفجير عن مقتل أحد، ولكنه أثر سلبا وبشكل فوري على عدد مرتادي مدينة الألعاب. ومنذ ذلك الحين، وأنس يحاول، من خلال خفض الاسعار وتوفير الجوائز، جذب المرتادين مجددا.

تقول ساهرة كريم التي كانت تزور مدينة الألعاب مع زوجها رائف وحفيدها محمد، "نستطيع القول إن داعش قد انتهى، ولكننا ما زلنا نشعر بتوجس شديد."

يفتقر محمد البالغ من العمر ثماني سنوات، والذي كان يجلس الى جوار جدته بهدوء، الى المرح الذي كان باديا على الأطفال الآخرين في مدينة الألعاب. فقد كانت وجنتاه وصدغه وأنفه مصابة باضرار، كما فقد الاحساس في ذراعه اليسرى.

بترت ساق محمد في عام 2014

بترت ساق محمد في عام 2014

وعندما يحاول محمد المشي، فإنه يمشي بطريقة توحي بأنه ما زال يحاول التأقلم مع الطرف الاصطناعي الذي ثبت له.
تروي ساهرة كيف كان محمد يلهو في حديقة الدار في عام 2014 عندما انفجرت في الجوار قذيفة مدفعية اصابته بجروح بالغة. واضطر الأطباء الى بتر ساق محمد اليمنى. وما زال محمد يعاني من كوابيس جراء ذلك.
وتعاني ساهرة من أضرار نفسية هي الأخرى، فهي تشعر بقلق مستمر ولا تتمكن من الاسترخاء في مدينة الألعاب، وهي تكره بشكل خاص نقاط التفتيش المنصوبة في الطرق. إن الارث الذي خلفه تنظيم الدولة الإسلامية لا يمكن ازالته بسهولة.
وتقول، "بصراحة، الخوف وجد له مستقرا في قلبي، فأنا اشعر دوما بأن شيئا ما سيحدث. هذا هو الذي تركوه (مسلحو داعش) لنا."

المقنعون

عندما اقتحمت القوات الحكومية العراقية الفلوجة في حزيران / يونيو 2016، اكتشفت أدلة تشير الى الحكم القمعي الذي فرضه تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة.
فقد عثرت قوات الأمن العراقية في سجون مؤقتة على اقفاص صغيرة وضعت في غرف بلا شبابيك كان يستخدمها التنظيم لاحتجاز السجناء في ظروف قذرة ومزدحمة.

أقفاص عثر عليها في سجن سابق كان يستخدمه تنظيم الدولة الاسلامية صورت بعد وقت قصير من استعادة القوات العراقية السيطرة على الفلوجة في عام 2016

أقفاص عثر عليها في سجن سابق كان يستخدمه تنظيم الدولة الاسلامية صورت بعد وقت قصير من استعادة القوات العراقية السيطرة على الفلوجة في عام 2016

وكان يجبر السجناء في بعض من تلك الأقفاص على البقاء واقفين أو البروك على الأرض.
وكانت هناك أدلة تشير الى وقوع عمليات تعذيب في هذه السجون، كما عثرت القوات العراقية على وثائق تشير الى أن الناس كانوا يسجنون لأسباب عدة منها التدخين ومخالفة تعليمات الألبسة التي كان يفرضها التنظيم.

ليس من اليسير الحصول على شهادات موثقة عن السنوات التي حكم خلالها تنظيم الدولة الإسلامية الفلوجة. فشهادات اولئك الذين بقوا في المدينة ابان فترة سيطرة التنظيم عليها - والتي استمرت لسنتين ونصف السنة - تتسم بالحذر، وتتأثر بما يعتقد الشهود أن المسؤولين الحكوميين أو الصحفيين يريدون أن يسمعوا.

ويبدو أن مسلحي التنظيم تصرفوا بشكل جيد أول الأمر عقب استيلائهم على الفلوجة، فقد طمأنوا السكان وقالوا لهم إنهم يسعون لمساعدتهم، وهو أمر كان السكان مستعدين لتصديقه خصوصا بعد عامين من العلاقات المتدهورة مع حكومة بغداد.

مسلحون معارضون للحكومة العراقية في الفلوجة في عام 2014

مسلحون معارضون للحكومة العراقية في الفلوجة في عام 2014

ففي هذه المدينة السنية المحافظة، لم يرق للكثيرين أن يحكموا من قبل حكومة دينية شيعية.
وفي حقيقة الأمر، فإن بعض الفلوجيين احتفلوا بمقدم تنظيم الدولة الإسلامية، واصفين ذلك "بالفتح الإسلامي."

ولكن شهر العسل ذلك لم يدم طويلا، إذ سرعان ما سعى الجهاديون الى فرض نظرتهم المتخلفة على السكان.

اقتحم الملثمون المدينة...وفي غضون يومين فقط تمكنوا من السيطرة على كل شيء

عبدالرحمن موضان

فرض مسلحو التنظيم قوانين مشددة ضد التدخين وتسريحات الشعر الغربية، كما منعت النسوة من الخروج من منازلهن الا بصحبة "محرم."

وراجت روايات عن عمليات قطع رقاب كانت تقع في سوق الفلوجة الرئيسي استهدف فيها رجال الدين الذين كانوا يعارضون التنظيم ورجال الشرطة السابقين.
وعندما اشتدتت حدة القتال مع قوات حكومة بغداد، لجأ التنظيم الى العمل بنظام التجنيد الإجباري.
حدا ذلك بعدد كبير من السكان الى الفرار الى مدن عراقية أخرى او الى مخيمات المهجرين الواقعة في المناطق الصحراوية من وادي نهر الفرات.

هرب عبدالرحمن موضان، وهو رجل أعمال من أهالي الفلوجة، الى مدينة أربيل عاصمة اقليم كردستان العراق، ولم يعد الى مدينته الا بعد ان انتزعتها القوات العراقية من أيدي تنظيم الدولة الإسلامية.
ويتذكر عبدالرحمن بوضوح الأيام التي سبقت وصول مسلحي التنظيم الى الفلوجة.

آنذاك، كانت أشهر من التململ في محافظة الأنبار قد تدهورت الى صدامات مسلحة بين قوات الأمن العراقية التي يهيمن عليها الشيعة من جهة ومسلحي القبائل السنية من جهة أخرى.

وأمرت حكومة رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي قواتها بالانسحاب من أجل تهدئة الموقف.

يقول عبدالرحمن إن سكان المدينة التمسوا من الشرطة البقاء فيها، وعبروا عن استعدادهم للمساعدة في حماية المدينة، ولكن رجال الشرطة خلعوا بزاتهم الرسمية والقوا اسلحتهم وولوا الأدبار. كان ذلك نذيرا بما سيحدث بعد خمسة شهور فقط في الموصل.

يقول عبدالرحمن إن زمام الأمور في الفلوجة بدت ليومين وكأنها بأيدي مجاميع من المراهقين، ولكن لم يمض وقت طويل قبل ان يظهر في العلن حاكمو المدينة الجدد.

يقول عبدالرحمن، "لاحظنا توافد رجال ملثمين على المدينة وقيامهم بالاستيلاء على مراكز الشرطة. بدأنا نشاهدهم وهم يتجولون في الطرقات. وفي غضون يومين أصبحوا يسيطرون على المدينة بأسرها."

كان الجهاديون الذين دخلوا الفلوجة يتسمون بالغضب والحذر.

يقول عبدالرحمن، "لم يكن من اليسير التحدث اليهم. واذا خاطبتهم، يردون عليك بعبارات مقتضبة مثل نعم او كلا او ان شاء الله."

ويتذكر عبدالرحمن اللحظة التي قرر فيها الفرار. فقد كان يراقب المسلحين وهم يزرعون العبوات في الشوارع.

سأل أحد المسلحين عما قد يحدث اذا انفجرت واحدة من هذه العبوات بطريق الخطأ."

رد علي ضاحكا، ستذهب الى الجنة. في عصر ذلك اليوم، جمعت حاجياتي ووضعت أسرتي في سيارتي وغادرت المدينة. ودام غيابي ثلاث سنوات."

إعادة البناء

الدمار الذي اصاب الفلوجة

وصلنا بعد رحلة قصيرة بحماية الشرطة الى حي الشهداء الواقع الى الجنوب من مركز الفلوجة. حي الشهداء حي مغبر موحش مليء بالشوارع المهشمة والحفر والمباني المهدمة.

ولكن الفلوجة لم تتعرض الى مستويات الدمار التي تعرضت لها مدن أخرى شهدت معارك بين القوات الحكومية ومسلحي تنظيم الدولة الإسلامية.

وكانت القوات العراقية قد حاصرت الفلوجة عقب تحريرها مدينة الرمادي القريبة في شباط / فبراير 2016، وشرعت في تحرير القرى المجاورة لها أواخر أيار / مايو.

وتكللت العملية العسكرية بالنجاح بعد شهر واحد فقط.

لم يقاتل المسلحون حتى الموت في الفلوجة كما قاتلوا لاحقا في الموصل، فقد هرب العديد من قادة التنظيم بمعية أسرهم وتوجهوا الى اجزاء أخرى من "دولة الخلافة" المزعومة. وقتل العديد منهم في ضربات جوية استهدفتهم وهم يعبرون الصحراء.

ولكن الفلوجة لم تسوّ بالأرض رغم إصابتها بأضرار بليغة، وخصوصا حي الشهداء الذي شهد أعنف المعارك. لم تسلم أي من مباني الحي من الاصابة، وقد سوي العديد منها بالأرض.
ولكن، ورغم حر الصيف الشديد، يباشر السكان في ترميم مساكنهم المتضررة، غير أن هذه المهمة تبدو عسيرة.

فأحمد حسين ما برح يعمل في ترميم منزل الأسرة منذ شباط / فبراير الماضي. فعندما عاد الى الفلوجة من مدينة السليمانية الكردية في تشرين الثاني / نوفمبر 2016، بعد غياب دام ثلاث سنوات، وجد الدار وقد نهبت واضرمت فيها النار. وكان الطابق الثاني من الدار مهدما تماما جراء انفجار قنبلة هدمت الدار المجاورة.

ولكن، وبفضل المساعدة التي حصل عليها من منظمة خيرية نرويجية، تمكن أحمد من استجلاب فريق من البنائين الذين يضعون الآن اللمسات النهائية لعدد من غرف الطابق السفلي للدار.

ضاقت أسرة أحمد المكونة من 11 فردا ذرعا من الإقامة في دار مؤجرة، كما يشعر أحمد بأن صبره يكاد ان ينفد.

قال أحمد لي، "الوضع صعب للغاية، خصوصا وأني ضعيف الحال. لو عرضت علينا الحكومة تعويضا لساعدنا ذلك كثيرا ولكن الدمار منتشر في كل مكان والحكومة تقول إنها تفتقر الى الأموال بسبب الحرب."

مما لاشك فيه أن الصراع المرير الذي تخوضه حكومة بغداد ضد تنظيم الدولة الإسلامية، علاوة على العجز طويل الأمد الذي تعاني منه الميزانية قد اثقل كاهل الخزينة العراقية.

فليس ثمة أموال كافية لتنفقها الحكومة على اعادة إعمار ما دمره القتال، مما يجبر الآلاف من سكان الفلوجة كأحمد وغيره على الاعتماد على أنفسهم - مع قدر يسير من المعونات الدولية.

ويقول برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة إن 15 الف منزل على الأقل في الفلوجة قد اصيبت بأضرار، ويقدر البرنامج أن اصلاح هذه الدور قد يستغرق 18 شهرا.

وخصص البرنامج مبلغا قدره ألفا دولار لاصلاح كل من هذه الدور، ولكنه قال في تقرير نشره في وقت سابق من الشهر الحالي إن 78 دارا فقط تم اصلاحها الى الآن.

يقول أحمد، "أشعر بالغضب، فقد توقعت من الحكومة أن تساعدنا، ولكن لم أحصل على شيء منها."

خارج جامع الوحدة، عقب صلاة الجمعة، يحيط جمع من سكان الفلوجة برئيس بلديتها عيسى العيساوي ويوجهون اليه الأسئلة.

"على الحكومة أن تساعدنا، فليست هناك أي فرص أو أي عمل."

"لم يعوضنا أحد، كيف لنا أن نعيد بناء منازلنا؟"

"ليس هناك كهرباء أو ماء. كيف سنعيش؟"

في حقيقة الأمر، فإن كبرى منشآت اسالة الماء في الفلوجة، وهي منشأة الأزرقية، عادت الى العمل في حزيران / يونيو الماضي. ومن الناحية النظرية على الأقل، تتوفر مياه الشرب الآمنة لثلثي المدينة تقريبا.

اضطر خبراء الأمم المتحدة الى إزالة العبوات غير المتفجرة من مساحة لا تقل عن 40 الف متر مربع في المدينة.

مع ذلك، ورغم مرور سنة على انتهاء القتال، ما زالت الطاقة الكهربائية مقننة ومحددة بعشر ساعات يوميا، علاوة على وجود مشاكل في التوزيع. ولذا تستمر أصوات مولدات الكهرباء تسمع في أرجاء الفلوجة.

وهناك شكاوى أخرى، مثل: "يستولي الجيش على داري منذ عشرة شهور."

"نتعرض الى عقاب جماعي من جانب الحكومة."

"لا نحب بغداد، ولكن دعونا نعيش هنا!"

يؤمن الكثير من الفلوجيين بالفكرة القائلة إن الحكومة المركزية إنما تعاقب سكان مدينتهم لتجرؤهم على العصيان عليها. وسمعت غير مرة الناس وهم يشتكون من نقاط التفتيش التي ما زالت تحاصر المدينة.

تقع أشهر هذه النقاط، وهي نقطة الصقور، على الطريق الرئيسي الى الشرق من الفلوجة مغلقة بذلك المنفذ الى بغداد التي لا تبعد الا بمقدار ساعة واحدة.

نقطة تفتيش الصقور عبارة عن مكان للاختناقات المرورية والاعصاب المتوترة والخطورة بين الوقت والآخر.

فعلى الجانب البغدادي من النقطة، تتكدس الشاحنات المحملة بالاسمنت والطابوق وغيرها من المواد الانشائية بانتظار الإذن بالعبور. وتتوجه معظم هذه الشاحنات الى الرمادي التي اصابها ضرر أكبر في القتال في العام الماضي من الفلوجة.

لكن يمكن رؤية المشاكل الحقيقية على الجانب الفلوجي من نقطة التفتيش، إذ لا تسمح قوات الأمن لأي من سكان المدينة بالعبور، وعلى أي من سكان الفلوجة الذين يرغبون بالتوجه الى بغداد أن يتوجهوا الى نقطة التفتيش سيرا على الأقدام تحت أشعة الشمس الحارقة ويقدمون مستنداتهم بأمل أن يكون العسكريون القائمون بالواجب في تلك الساعة يتمتعون بمزاج رائق.

الا ان التهديد الدائم الذي يمثله الانتحاريون يجعل هؤلاء العسكريين غاضبين وعدوانيين في معظم الوقت.

نعيش في سجن

أحد سكان الفلوجة

قبل أيام قليلة من وصولنا الى الفلوجة، أسفر هجومان انتحاريان في ناحية الكرمة القريبة من الفلوجة عن مقتل 8 من العسكريين والعناصر المسلحة الموالية للحكومة المركزية.

وبعد عودتنا بوقت وجيز، قتل 3 من رجال الشرطة في نقطة تفتيش الحلابسة الى الغرب من الفلوجة بانفجار سيارة مفخخة.

يمكن تفهم الذعر الذي يشعر به القائمون على نقاط التفتيش العسكرية حول الفلوجة، فلا يريد أحد منهم أن يكون مسؤولا عن السماح لانتحاري بالوصول الى بغداد.

ولكن النتيجة بالنسبة لعشرات الآلاف من الفلوجيين الأبرياء يصعب مشاهدتها، خصوصا بعد سنة من طرد الجهاديين من المدينة.

قال أحد سكان الفلوجة وهو يخرج من المسجد بعد أدائه صلاة الجمعة، "قضيت سبع ساعات عند نقطة التفتيش عندما كنت احاول نقل قريب مريض الى خارج المدينة."

وقال آخر، "نعيش في سجن."

تؤدي هذه العراقيل - علاوة على غياب الاستثمارات وتردد الحكومة المحلية في إعادة فتح المنطقة الصناعية الرئيسية في الفلوجة - الى مستويات عالية من البطالة.

ومن نافلة القول إنه يتوجب ايجاد فرص عمل لشباب المدينة.

الجسر الانجليزي

جسر الفلوجة الحديدي

لا تنخفض درجة الحرارة في الفلوجة عن الـ 40 مئوية حتى في المساء، ولذا يتوجه شبان المدينة الى نهر الفرات سعيا وراء نسمات النهر الباردة.

ويلقي الشبان بأنفسهم في مياه النهر من جذع نخلة يستخدمونه كمنصة للقفز.

اذا تتبعت مجرى النهر الى الشمال، بعد مدن الرمادي وهيت وحديثة، ستجد نفسك في معقل الدولة الإسلامية الذي تتضاءل مساحته باستمرار.

وتعد بلدة القائم العراقية الحدودية احد آخر المعاقل التي ما زالت في قبضة التنظيم في العراق، وهي المكان الوحيد الذي ما زال يسيطر التنظيم فيها على نقطة حدودية مع سوريا.

ففي عام 2014، أقام جهاديو التنظيم حفلا كبيرا تيمنا بازالة الحدود القديمة التي رسمها البريطانيون والفرنسيون بموجب اتفاق سايكس بيكو عام 1916.

ويربط الفرات القائم بمناطق القتال في دير الزور والرقة في سوريا.

يبدو نهر الفرات من الجو كشريط أخضر ضيق ولكنه متواصل، في مساره وسط صحارى شرق سوريا وغرب العراق القاحلة.ولكن في الفلوجة، وعلى ضفاف الفرات، وبعيدا عن الضحك والمزاح والسباحة، يثير النهر ذكريات عن تاريخ المدينة في السنوات القليلة الماضية.

نرى، في ضوء الشمس الغاربة، منظر ما تبقى من "الجسر الانجليزي" الذي شيده البريطانيون ابان احتلالهم للعراق في عشرينيات القرن الماضي.

سقطت أجزاء من الجسر في الفرات، ويقول سكان محليون إن مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية فجروا الجسر اثناء هروبهم من الفلوجة في العام الماضي.

قبل ثلاثة عشر عاما، اكتسب "الجسر الانجليزي" شهرة كبيرة في العراق.

ففي الحادي والثلاثين من آذار / مارس 2014، قتل بالقرب منه اربعة من عناصر شركة بلاكووتر الأمنية الأمريكية.

وفي واقعة مماثلة لما جرى لجنود أمريكيين في الصومال منذ عقد خلى، سحل الأمريكيون الأربعة من السيارات التي كانوا يستقلونها واشبعوا ضربا حتى الموت ثم سحلت جثثهم في الشوارع.

ووسط هتافات وتهليل الجموع، علقت جثتين متفحمتين من جثث الأمريكيين الأربعة من على "الجسر الانجليزي."

إثر ذلك الحادث، اصبحت الفلوجة بالنسبة للتحالف الذي كانت تقوده الولايات المتحدة الذي غزا واحتل العراق، أخطر مناطق البلاد واكثرها "شرا."

عسكريون أمريكيون عند جسر الفلوجة الحديدي عام 2004

عسكريون أمريكيون عند جسر الفلوجة الحديدي عام 2004

ولكن الأمر لم يكن كذلك في بداية الاحتلال. فعندما وصل الأمريكيون الى الفلوجة في اوائل نيسان / أبريل 2003، يتذكر عبدالرحمن موضان بأنه كان يرى الجنود الأمريكيين وهم يوزعون الحلوى في الشوارع ويتساءلون "إن كانت المدينة آمنة؟"

فقد سقطت محافظة الأنبار بأسرها في أيدي الأمريكيين دون مقاومة.

لكن الفلوجة كانت موطنا للعديد من ضباط جيش ومخابرات النظام المنهار ناهيك عن عدد كبير من اعضاء حزب البعث.

وكان مبعوث الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الى العراق، بول بريمر، الذي كان قد وصل توا الى البلاد، وقع في أيار / مايو 2003 على قرارات حظر بموجبها حزب البعث وحل الجيش العراقي.

أصابت هذه القرارات الفلوجة بصدمة كبيرة.

يقول عبدالرحمن، "أثرت قرارات بريمر على آلاف الأسر، فكان العديد من سكان المدينة يقولون فقدت وظيفتي ومرتبي."

وبذا، انقلب الرأي العام في المدينة على الغزاة وبدأ الوضع الأمني فيها بالتدهور.

ومن جانبهم، بدأ قادة التحالف العسكريون ينظرون الى ما كانوا يطلقون عليه "المثلث السني" الواقع الى الغرب والشمال من بغداد على انه أخطر مناطق العراق على الاطلاق.

وبتواصل القتال في الفلوجة وتخومها، بدأ يتردد على المدينة اثنان من اشهر المسلحين في العراق آنذاك.
أحدهما، وهو الأردني ابو مصعب الزرقاوي، كان يقود حملة تفجيرات وقطع رؤوس ليصبح في نهاية المطاف على رأس قائمة مطلوبي واشنطن في العراق.

أبو مصعب الزرقاوي

أبو مصعب الزرقاوي

وكان التنظيم الجهادي الذي يقوده الزرقاوي - تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين - قد بدأ في مهاجمة الأمريكيين بعد شهور فقط من غزوهم للعراق. وفي أيار / مايو 2004، وفي أول شريط مصور من نوعه، ظهر الزرقاوي وهو يجز عنق الرهينة الأمريكي نك بيرغ الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 26 عاما.
أما القائد الخطر الثاني، فلم يكن يتمتع بشهرة الزرقاوي، في تلك الفترة على الأقل.

فعندما القى الأمريكيون عليه القبض في نيسان / ابريل 2004 بالقرب من الفلوجة، لم يكونوا يعرفون عنه الا أن اسمه عواد ابراهيم البدري وانه كان يبلغ من العمر 33 عاما. واحتجزه الأمريكيون لمدة 10 شهور قبل أن يطلقوا سراحه باعتباره "سجينا لا يشكل خطرا كبيرا."

ولكن لم تكد تمر عشر سنوات حتى اعتلى هذا منبر الجامع النوري الكبير في الموصل ونادى بنفسه خليفة للمسلمين وزعيما "للدولة الإسلامية."

وأصبح يعرف منذ ذلك الحين بأبي بكر البغدادي.

أبو بكر البغدادي

أبو بكر البغدادي

ولكن في عام 2004، كان التحالف الأمريكي المحتل منشغلا بالزرقاوي وليس بالبغدادي.

فلفترة ما، كان التشدد الديني الذي ينادي به تنظيمه - القاعدة في بلاد الرافدين - يلاقي قبولا في الفلوجة التي كانت تدعى "مدينة الجوامع" والتي كان العديد من رجالها ملتحين والعديد من نسائها محجبات.

وكان بيع المشروبات الكحولية محظورا في المدينة.

فالفلوجة لم تكن مدينة متعددة الأعراق كالموصل، بل كانت وما زالت مدينة سنية بشكل كامل تقريبا، وكانت تغلي بالغضب.

بعد مقتل عناصر بلاكووتر الأربعة، شن الأمريكيون هجومين كبيرين على الفلوجة بهدف تطهيرها من وجود تنظيم الزرقاوي الذي كان يحقق نجاحات مهمة في قتال القوات المحتلة.

ووصف الجيش الأمريكي الهجوم الثاني الذي شنه في اواخر عام 2004، والذي اطلق عليه اسم "غضب الأشباح"، بأنه شهد أعنف حروب شوارع خاضتها القوات الأمريكية منذ حرب فيتنام.

هرب معظم سكان الفلوجة من المدينة قبيل اندلاع القتال، ولكن قتل المئات منهم الذين اختاروا البقاء أو لم يتمكنوا من الفرار. وأصاب القتال المدينة بدمار كبير.

فقد دمرت او أصيبت بأضرار بالغة العشرات من مساجد المدينة الـ 200.

وقتل في الهجوم نحو 1500 من مسلحي تنظيم القاعدة، ولكن الزرقاوي نفسه لم يقتل الا بعد مرور 18 شهرا في ضربة جوية استهدفت مخبأه في قرية تقع الى الشمال من بغداد.

تمكن الأمريكيون من السيطرة على الفلوجة في نهاية المطاف، ولكن لم يتمكن سكانها من العودة الى مدينتهم المهشمة الا بعد مرور شهور عدة. وعند عودتهم، وجدوا الوضع ما زال محفوفا بالمخاطر.

يقول عبدالرحمن، "في بداية الأمر، كان تنظيم القاعدة يقتل الأمريكيين فقط، ولكن بعد ذلك بدأوا بقتلنا كلنا."

فقد اغتيل أو اختطف العديد من السياسيين المحليين ورجال الدين، واصبح الاختطاف من أجل الفدى أمرا مألوفا.

في نهاية المطاف، انقلب سكان الأنبار على تنظيم القاعدة، إذ تحالفت العشائر السنية مع الأمريكيين لتشكيل "صحوات" لمحاربة التنظيم. وأذن تشكيل هذه الصحوات بنهاية الارهاب الذي كان يمارسه تنظيم القاعدة.

ولكن حكومة بغداد المركزية التي يهيمن عليها الشيعة كانت تنظر بريبة شديدة الى الصحوات التي كانت تضم في صفوفها آنذاك عشرات الآلاف من المسلحين السنة - تحت عنوان "ابناء العراق".
وبعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق في عام 2011، توقفت الحكومة عن دفع رواتب "أبناء العراق".

كان لهذا القرار، الذي صاحبه طرد الكثير من السنة من وظائفهم الحكومية، تأثير متوقع: فقد بدأ العديد من السنة يشعرون مجددا بأن لا مكان لهم في عراق ما بعد صدام حسين.
شاهد عبدالرحمن التاريخ وهو يعيد نفسه في الفلوجة.
فقد فصل الموظفون السنة واستبدلوا بآخرين شيعة، وعين ضابط شيعي قائدا لشرطة الفلوجة.

وبدأت حملة اختطافات جديدة يعتقد ان المسؤولين عنها فصائل مسلحة موالية للحكومة.

وفي الانتفاضة الشعبية التي تلت ذلك، استدل جيل جديد من الجهاديين بوجود فرصة مؤاتية، كما استدل على ذلك تنظيم القاعدة قبل عقد من الزمن.

وأصبح هؤلاء في نهاية المطاف طلائع تنظيم الدولة الإسلامية.

المنبوذون

الحياة في الفلوجة عسيرة جدا بالنسبة لاولئك الذين عادوا الى المدينة في الشهور الأخيرة.

ولكن في الصحراء خارج الفلوجة يتجمع الآلاف من سكان المدينة الذين لا يستطيعون العودة اليها الى الآن.
هؤلاء هم المنبوذون الذين لا يريدهم أحد.

فعلى الساحل الجنوبي لبحيرة الحبانية، يقيم الآلاف من مهجري الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة الحبانية السياحية التي كان يؤمها أهالي بغداد في المناسبات.

وبانتقال المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة الى أخرى، مما حدا بالعديدين الى هجر مساكنهم وبآخرين الى العودة اليها، يتأرجح عدد ساكني مخيمات المهجرين صعودا ونزولا.

ولكن مجموعة واحدة لم يتغير وضعها، وهي أسر اولئك المتهمين بالانضمام لتنظيم الدولة والمتعاونين معه.

على مسافة من مخيم الحبانية الرئيسي، هناك منطقة مخصصة لسكن اهالي قرية الصقلاوية الزراعية التي لا تبعد عن الفلوجة سوى ببضعة كيلومترات.

في هذه المنطقة، يمكن مشاهدة صفوف من الخيام البيضاء وهي ترفرف في الرياح الصحراوية الحارة، بينما يتراكض الأطفال ويتصارعون من اجل الفتات ويسعى الناس الى ملء أوانيهم بالماء من خزانات ترتفع فوق طريق رئيسي مغبر يمر في وسط المخيم.

مهجرون في مخيم الحبانية

مهجرون في مخيم الحبانية

اكتسبت الصقلاوية سمعة بوصفها معقلا لتنظيم الدولة الإسلامية. وشهدت القرية الصغيرة في أيار / مايو وحزيران / يونيو الماضيين قتالا شرسا.

ويشاهد ساكنو مخيم الحبانية آخرين وهم يعودون الى ديارهم ويتساءلون عن موعد عودتهم هم ايضا.

فبدرية حسن تقيم في هذا المخيم بمعية أسرتها - البالغ عددها 22 فردا - منذ 14 شهرا.

بدرية حسن

بدرية حسن

بقيت الأسرة في الصقلاوية في الفترة التي سيطر فيها التنظيم، ولم تفر من القرية الا بعد بدء هجوم القوات الحكومية عليها في العام الماضي.

أما الآن وقد سيطرت الفصائل الشيعية على القرية، حذرت بدرية وأسرتها من مغبة العودة اليها.

فأبناؤها متهمون بالانضمام الى تنظيم الدولة الإسلامية.

تقول بدرية، "إنهم ينوون الانتقام منا في الصقلاوية."

وتمضي قائلة، "اتصلنا بالمسؤول مطالبينه باثبات أن أي من اولادي حمل يوما بندقية كلاشنكوف او ارتدى زي قندهار (الزي الذي يرتديه مسلحو حركة طالبان الأفغانية)."

ويؤكد ابناؤها، الذين كانوا يحيطون بها في الخيمة، براءتهم من أي شبهة تربطهم بالتنظيم المتشدد.
أطلعنا احدهم، واسمه محمد، على بطاقتي هوية حصل عليهما في الأشهر الأخيرة، يبدو انهما تثبتان براءته. وهاتان البطاقتان معنونتان الى كل القوى الأمنية وكل نقاط التفتيش.

قالت بدرية، "أحيطت سلطات الاستخبارات والجنايات ومكافحة الارهاب في الفلوجة علما بهذا الشخص. وفي الوقت الراهن، هو ليس مطلوبا من قبل أي من الجهات الأمنية."

ولوحت بدرية بكفيها الموشومين قائلة، "اذا كان عندكم أي برهان بأنهم (اولادها) اعضاء في داعش، فنحن مستعدون لذبحهم."

من العسير التأكد من حقيقة التهم الموجهة الى اولاد بدرية، إن كانت حقيقية أو انها مجرد غطاء لقضايا ابسط كالصراعات العشائرية او الخلافات حول الأرض والأملاك.

يقول محمد ابن بدرية إن ثلاثا من سياراته قد صودرت، وإن هناك في الصقلاوية أناسا يسعون للاستيلاء على مسكنه.

يذكر أن السلطات العراقية تنظر الى كل الذين بقوا في المناطق التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية على انهم متعاونون مع التنظيم ولكن محمد يدحض ذلك ويقول، "الكل؟ لا يمكنهم ادعاء ذلك. فالآلاف بقوا في مساكنهم."

يخشى محمد من أن داره وأملاكه ستتعرض للسرقة بينما يقبع هو في معسكر المهجرين

يخشى محمد من أن داره وأملاكه ستتعرض للسرقة بينما يقبع هو في معسكر المهجرين

ويقول محمد مشيرا الى ندبة في جبينه إنه تعرض للضرب من قبل عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2015 في خلاف يتعلق بشقيقتيه.

وتمكن أحد أشقاء محمد، واسمه هيثم، من العودة الى الصقلاوية دون أي عائق.

ولكن افرادا آخرين من الأسرة، بينهم أحد ابناء العمومة، اعتقلوا عند نقاط التفتيش ولم يسمع عنهم منذ ذلك.

المختفون

يبدو أن كل نزلاء معسكر الحبانية للنازحين يعرفون احدا اختفى بعد اعتقاله.

وعقب وصولنا الى الحبانية، أحاط بنا على الفور نزلاء اخبرونا عن أقارب لهم اعتقلوا عند نقاط التفتيش ولم يعثر لهم على أثر بعد ذلك.

وقال معظم هؤلاء إن ذلك كان من عمل ما يسمى بقوات الحشد الشعبي، وهي عبارة عن فصائل شيعية مسلحة شاركت في عملية تحرير الفلوجة في العام الماضي والتي ما زالت تلعب دورا في حفظ الأمن في المنطقة.

وقال البعض إن هذه الفصائل ما زالت تعتقل السنة انتقاما للمذبحة التي اقترفها تنظيم الدولة الاسلامية في حزيران / يونيو 2014 في قاعدة "سبايكر" (كلية تكريت الجوية، التي اطلق عليها الأمريكيون اسم أحد طياريهم الذي قتل في حرب الكويت عام 1991) والتي راح ضحيتها 1500 على الأقل من المتدربين الشيعة.

ولأهالي الصقلاوية سبب آخر للشعور بالتوجس.

فعندما استولى مسلحو "الحشد الشعبي" على القرية في أيار / مايو 2016، اعتقلوا 1200 من رجالها. وأطلق سراح نصف هؤلاء لاحقا بفضل تدخل الشرطة المحلية، ولكن العديد منهم انتهى بهم الحال في المستشفيات نتيجة الضرب الذي تعرضوا له.

ولكن 643 منهم ما زالوا في عداد المفقودين.

وبعد ضغوط دولية من منظمات حقوق الانسان، شكّل رئيس الوزراء العراقي الحالي حيدر العبادي لجنة للتحقيق في هذا الموضوع. ولكن بعد مرور عام كامل، لم تتوصل هذه اللجنة الى أي استنتاجات.

تقول بلقيس واللي، الباحثة في شؤون العراق في منظمة هيومان رايتس ووتش لحقوق الانسان، "الحقيقة القائلة إنه لم نتسلم أي اجابة عن هذا الأمر من السلطات يعد أمرا مقلقا جدا بالنسبة لي."وتقول واللي إن الفصائل الشيعية المسلحة ترتكب انتهاكات بحق السنة دون أي وازع.

وتمضي قائلة، "وهذا مؤشر آخر الى ان الأمور لم تتغير فيما يخص انهاء حقبة التملص من المساءلة، وهو الأمر الذي دفع بالعديد من الشباب الى الإنضمام الى داعش اساسا."

كما تشير هيومان رايتس ووتش الى الاجراءات الادارية الحكومية التي اتخذت لمنع ما توصف "بالأسر الداعشية" من العودة الى ديارها.

نص مرسوم صدر عقب تحرير الفلوجة مباشرة على أنه لا ينبغي السماح لاولئك الذين "روجوا" لداعش بالعودة الى ديارهم الا "بعد النظر في التهم الموجهة اليهم."

ولكن متى سيحصل ذلك؟

إلا أن السلطات العراقية تصر على أنه من الضروري معرفة من الذي كان متورطا مع تنظيم الدولة الإسلامية. ومن المرجح جدا أن يكون بعض من مؤيدي التنظيم، بمن فيهم رجال ملطخة أياديهم بالدم، ما زالوا يقيمون في المخيمات.

فعندما سقطت الفلوجة بأيدي القوات العراقية، كان بعض من الذين التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية يأملون في أن يتمكنوا من الذوبان في المجتمع دون أن يعثر عليهم على أثر.

وشملت القرارات التي اتخذتها المجالس المحلية في المناطق المحررة أوامر بهدم منازل اولئك الذين ثبت تورطهم في نشاطات ارهابية.

وكانت صور لعمليات قتل انتقامية ضد عناصر في تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل نشرت في تموز / يوليو الماضي أثارت غضبا كبيرا. وبعد نشر هذه الصور التي تظهر الانتهاكات التي اقترفتها وحدة من القوات الخاصة العراقية، قال رئيس الوزراء حيدر العبادي إن المسؤولين عن هذه الانتهاكات سيحالون للقضاء.

ولكن واللي تقول إن المشكلة الرئيسية طويلة الأمد تكمن في مخيمات النازحين التي يقبع فيها الناس لأشهر وربما لسنوات تحت ظلال من الشك.

وتقول، "أخشى ما أخشاه أن تتحول هذه المخيمات الى اراض خصبة لتفقيس مسلحي داعش المستقبل."

تعلم الدرس

لافتة في الفلوجة

في مركز الفلوجة، وعلى مقربة من المكان الذي شنق فيه مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية جنديا عراقيا في عام 2015، تنتصب لوحة كبيرة تحذر السكان بضرورة تجنب اخطاء الماضي.

تقول اللوحة، "يجب علينا أن نتصدى لمن كان سببا في تهجيرنا وتدمير مدننا ومن حاول تسميم افكار شبابنا."
ويكرر أئمة صلاة الجمعة الرسالة ذاتها، إذ قال أحدهم للمصلين، "ستغرق سفينتنا من جديد اذا عدنا الى نفس العقيدة"، دون أن يشير الى تنظيم الدولة الإسلامية بالإسم.

يخاطر رجال الدين في الفلوجة بحياتهم عندما يتكلمون هكذا.

ففي تشرين الثاني / نوفمبر 2005، قتل مفتي المدينة الشيخ حمزة العيساوي رميا بالرصاص أمام جامع الوحدة.

وكان قتلته، وهم من عناصر تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي كان يتزعمه ابو مصعب الزرقاوي، مصممون على معاقبته لرفضه ادانة الأمريكيين. أدى ذلك بالعديد من رجال الدين المعتدلين الى الفرار من الفلوجة خوفا على حياتهم.

وبعد سنوات عشر، هدم مؤيدو تنظيم الدولة الإسلامية ضريح الشيخ العيساوي ونقلوا جثمانه الى مكان آخر. يبدو أن سمعته كانت تهدد سطوتهم حتى بعد مماته.

لكنه ليس من المستغرب أن يمتنع سكان الفلوجة اليوم عن الدفاع عن سيرة تنظيم الدولة.

فبدل ان يعالج التنظيم تظلمات السنة، فتح فصلا جديدا في تاريخ هذه المدينة البائس.

وكما يقول رجل الأعمال الفلوجي عبدالرحمن موضان، "لا نريد ان نخسر مدينتنا مجددا."

خرجت الفلوجة عن سيطرة الحكومة المركزية مرتين منذ عام 2003 عندما شعرت سلطات بغداد - الأمريكية ثم العراقية - بأنها تستطيع تجاهل مصالح الأقلية السنية.

شعر السنة بأنهم يعاقَبون أولا لولائهم للحاكم السابق صدام حسين، ولاحقا لاستعداد بعض من شيوخ عشائرهم لاحتضان مسلحي تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية.

لاتبعد الفلوجة عن بغداد الا بمسافة 60 كيلومترا، ولكن بونا شاسعا من الشك والريبة ما برحت تفصل بين المدينتين لـ 14 سنة. وما لم يتم جسر هذه الهوة، لا يمكن استبعاد اندلاع اضطرابات جديدة في المستقبل.

يعبر رئيس بلدية المدينة عن هذه المخاطر بصراحة.

ويقول، "كانت هناك فجوة بين الحكومة وأهالي الفلوجة بشكل خاص وأهالي محافظة الأنبار بشكل عام. وكان ذلك احد أسباب سقوط الفلوجة بأيدي داعش."

رئيس البلدية العيساوي: نحقق بعض التقدم

رئيس البلدية العيساوي: نحقق بعض التقدم

ويضيف، "لم تردم هذه الفجوة تماما، ولكننا نحرز بعض التقدم في اعادة الثقة وتثبيت الأمن."

ولكن هل هناك امكانية في أن تحتضن الفلوجة حركة مسلحة أخرى في المستقبل؟ يتأمل العيساوي قليلا، وعندما اجاب لم تشبه اجابته شعارا ملقنا.

قال، "تعلم أهل الفلوجة الدرس وعانوا الأمرين، ولذا لا أظن أنهم سيدعمون أي عصيان جديد."

في الوقت الراهن، تبدو المدينة منشغلة بتضميد جراحها وجعل حياة سكانها محتملة بقدر الامكان. فبالرغم من المعاناة المستمرة، تعج شوارعها بالسيارات والمارة وذلك في فرق شاسع من مدينة الاشباح التي كانت تشبهها بعد تحريرها في العام الماضي.

تقول ليسا غراندي من برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة، "عندما وصلنا (الى الفلوجة عقب تحريرها) لم يكن فيها مدني واحد على الاطلاق."

وأردفت قائلة، "كان ينبغي اعادة الأمن، وازالة الركام، وترميم شبكات النقل والماء والكهرباء والصرف الصحي بالسرعة الممكنة."ولكنها قالت ايضا، "أما اليوم فالفلوجة مدينة تعود الى الحياة من جديد."

ولكن اعادة اللحمة الى نسيج العراق الطائفي الممزق تعد مهمة أصعب بكثير. فكل جولة قتال جديدة توغل في تمزيق هذا النسيج الهش، ولم يخل تاريخ البلاد من هذه الجولات منذ عام 2003 الا لفترات وجيزة.

يعتقد كثيرون بأن رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي أقل طائفية من سلفه نوري المالكي.
ولكن العبادي مع ذلك رفض اتهامات انتهاك حقوق الانسان التي وجهتها منظمات حقوقية الى وحدات الحشد الشعبي.

وفي آب / أغسطس الماضي، رفض العبادي مناشدة اطلقها رجل الدين الشيعي البارز - والزعيم السابق لاحدى الفصائل الشيعية المسلحة - مقتدى الصدر بحل الحشد الشعبي.

على صعيد آخر، يبدو أن دولة الخلافة التي اعلن تنظيم الدولة الاسلامية عن قيامها قبل ثلاث سنوات آيلة للزوال.

فقد تمت مطاردة مسلحي التنظيم في مدينة تلو الأخرى.

ولكن حتى بعد سقوط آخر معاقل التنظيم، تعتقد قلة من العراقيين فقط أن الصراع قد انتهى.
فيمكن تدمير دولة الخلافة، وقتل قادتها، واعادة العمل بحدود البلاد، واذا كانت ثمة بقية من المال، اعادة تعمير المدن المدمرة.

ولكن الصراعات المعتملة في سوريا والعراق لها العديد من العوامل المساعدة - طائفية وسياسية واجرامية واقليمية - التي ستجعل البلدين ارضا خصبة للصراعات المسلحة ما لم يتم تداركها.

وتشير سلسلة من التفجيرات شهدتها بغداد مؤخرا الى ان خسارة تنظيم الدولة الإسلامية للأرض التي كان يسيطر عليها لن تؤثر على قدرته على نشر الفوضى في مناطق أخرى من العراق.

"متى ستنتهي الحرب؟"

سألت أحد العسكريين عند نقطة تفتيش الصقور.

أجاب، "لن تنتهي ابدا."

لذا ليس من المستغرب ان يشعر زبائن مدينة العاب أنس الجنابي بالتوجس حتى وإن كانوا يتمتعون بالعابها واضوائها البراقة.