عن التحدي والحب والاختلاف
رسائل من رسامات شابات

مكتوبة بالفرنسية، والعربية الفصحى، والدارجة اللبنانية وصلت نصوص المدوّنة الجديدة من فنانات شابات حول رسّامة المكسيك الشهيرة فريدا كالو.

ملفتٌ جدا كيف تكتب كل واحدة بأسلوب خاص بها، ممتع ورشيق، يشبهها. ربما لأنهن لسن معتادات على الكتابة والنشر، وبالتالي عقولهن ليست محشوّة بجمل جاهزة وكلمات نعتقد - نحن من تدربنا على "قواعد" الكتابة - أنها يجب أن تترافق دائما. أُعجب جدا بقدرتهن على الكتابة ببساطة ووضوح وشجاعة وعدم الخجل من أفكارهن؛ وأفكّر في أني لا أزال أواجه صعوبة في تطوير أسلوب تدوين شخصي خاص بي عندما أكتب هنا، بعيدا عن الكتابة الصحفية. ألقي باللوم على التصاقي المستمر بتكنولوجيا مرهقة بقواعدها التي لا تسمح بالتقاط النفس؛ تويتر يسمح بـ 280 حرفا فقط، ورسالة فيسبوك الصوتية تتوقف بعد دقيقة، وواتساب أراحنا من الكتابة أساسا. أعِدُ نفسي كل فترة أن أبتعد عن كل هذه التكنولوجيا لأستعيد بعض الهدوء، ولا أستطيع.

بلهفة أنتظر أن تصل ترجمة نص "سيليا" الذي كتبته بالفرنسيّة تلك الصبية الجزائرية. وأثناء ذلك أبدأ بقراءة تدوينة أخرى كتبتها “كرستينا” بالدارجة اللبنانية فأستبدل بحرصٍ مبالغ فيه بعضا من كلماتها بأخرى من العربية الفصحى لتصل إلى أكبر عدد ممن يود فهم ما تريد قوله تماما. اللغة يجب ألا تكون عائقا بوجه التواصل، وبعض الشابات غير متقنات للعربية الفصحى، لكنهن خطون خطوة تجاهنا وكتبن ما يدور في أذهانهنّ وما يمررن فيه من تجارب خاصة مرتبطة بالمكان الذي يعشن فيه وتاريخ هذا المكان.

لشدة حماستي لموضوع هذه المدوّنة، عن الرسّامة فريدا، زرت مرتين معرض مقتنياتها الذي افتتح في حزيران/يونيو في متحف فيكتوريا أند ألبرت الشهير في لندن. يبدو أنّ فريدا كانت حزينة جدا وقوية جدا؛ ترتدي دائما تنانير طويلة من قماش بلدها المكسيك حبا بثقافة بلدها ولتخفي أيضا ساقا لا تحبها بعد أن أتلفها شلل الأطفال؛ تستخدم مرايا وهي ممدة في فراشها لترسم على الكورسيه (المشد) الذي اضطرت لارتدائه لمساعدة عمودها الفقري بعد حادث سير كاد أن يودي بحياتها تعرضت له في عمر ١٨؛ كانت تضفر شعرها وتزينه بشرائط وورود ملوّنة حتى عندما لم تكن تتوقع زوارا.

ما عرفته أيضا عنها أنها كانت تحب كتابة الرسائل كثيرا؛ تكتب لأطبائها ولزوجها ولوالدها. لذا اتفقت مع فنانات شابات من أربع مدن أن يكتبن رسالة لأي شخص يخترنه ويخبرنه عن شيء يردن فعلا قوله لتكون رسائلهن مادة هذه المدوّنة.

كفريدا، التي تعلمت حب التفاصيل وصور البورتريه من والدها الذي كان يعمل مصورا، كان “وليد” المدرب الأول ليديّ إيمان. توفي فجأة وليد، والد إيمان، ومنذ أشهر تعمل عن معرض عنه وعن العلاقة الروحيّة التي جمعتهما، وتكتب إيمان، التي تركت سوريا لتعيش في لبنان، عن ذلك.

وكرستينا بدأت مشروع رسم تعرضه على صفحتها على إنستغرام عنوانه "مش حلو البنت.." بعد كثرة التعليقات على أنف أختها غير الموافق للمواصفات المتوقعة ليسمّى جميلا. أكثر ما هو معروف عن فريدا أنها تركت حاجبيها متصلين دون إزالة "الشعر الزائد" الذي يؤرق النساء، كذلك كرستينا ترفض معايير الجمال المتعبة والمفروضة على المرأة. ومن تدوينتها نعرف أكثر عن حياة مراهقة مرهقة في لبنان.

وسيليا من الجزائر تكتب غاضبة عن علاقة إشكالية تزعجها عند التعامل مع مستعمر سابق، وعن طريقة التفكير حاليا عند التعامل مع العمل الفني. يزعجها أن الفن أصبح متشابها جدا وتقول إنها أيضا لا ترسم خيالات، بل ترسم حياتها.

أما شامة المغربية فاكتشفت أصولها الأمازيغية وكان الرسم صلتها الوحيدة مع تلك الجذور التي "لم تكن حرة" في التعبير عنها.

لمن سيقرأ هذه الرسائل ويحب الرد عليها، فليكتب لنا.. بأية لغة.

ألمى حسون – محررة شؤون المرأة بي بي سي
@Almahassoun

اسمي سيليا هاشمي، عمري 28 تقريبا.

درست في المدرسة العليا للفنون الجميلة، تخصص نحت، بعد أن درست تجارة واقتصاد في الجامعة ومللت منها.
أعيش في الجزائر العاصمة، ورغم حبي لها أفضّل العيش بعيدا عنها لو استطعت.
أعمل حاليا في السينما مع فريق الديكور.
أدعم جمعية نسوية تدير نشاطات مختلفة للنساء مثل نادي سينما وورشة دفاع عن النفس ونشاطات فنية كالرسم والخياطة.

مرحبا سناء،

اشتقتُ إليك

في الوقت الحالي لا جديد في حياتي سوى الروتين، وانتظار أن تخبريني عن مغامراتك في مالي، الأشياء التي اكتشفتِها، والأشخاص الذين التقيتهم، يخيّل لي أن الحياة مختلفة هناك!

أدرك الآن أني لا أعرف شيئا عن مالي، حتى أني لا أذكر اسم أي شخصية من هناك، على الرغم أن بلدينا متلاصقان. ألا يوجد في مالي عباقرة وفنانون؟ ألا توجد ثقافة وتاريخ؟ هل تمكنوا من الالتفاف حول مفهوم الشهرة رغم صعوبة هذا الأمر؟ هاهاها.

كل ما نعرفه عن هذه البلاد ترهات وأخبار سخيفة معظمها غير دقيق، فمعظم المعلومات تصبّ من فم الأب داخل أذان الأولاد وهم مجتمعون على مائدة العشاء بعد نهار عمل متعب. والأب بدوره غالبا ما يكون قد سمع تلك الكلمات من زميله في العمل الذي بدوره أيضا قد سمعها من إحدى شاشات التلفزة التي ترمي المعلومات جزافا.

هو وغيره من الناس لا يتعمدون نقل المعلومات الخطأ، لكن طبيعة الحياة في بلادنا لا تسمح لهم بتحري دقة المعلومات، فنهارهم يبدأ مع العمل، والاستراحات القصيرة تقتصر على ندب الأوضاع الصعبة، وسرد بعض الأحاديث التي تتخللها معلومات من هنا وهناك.

للأسف هكذا نحملُ الصور النمطية والسلبية والمتخيلة عن الناس والبلاد وكل الأشياء تقريبا، من قبل أشخاص لم يوجدوا أصلا هناك، تاركين لنا مهمة إحياء هذه الصور التي تركها المستعمرون طوال هذه السنين، لدرجة أنك ذهبت إلى مالي وخوف الإصابة بالملاريا يسكنك، وكأن هذا المرض هو الشيء الوحيد في هذا البلد. هل تتذكرين؟

@Celia Hachemi

@Celia Hachemi

لكنني عندما أفكر بأوروبا، فإنني أحمل صورة أخرى ومختلفة. كل شيء تقريبا يبدو
جميلا ونظيفا ومرتبا. كل شيء أخضر، وأستطيع أن أذكر لك عشرات الشخصيات المهمة، من الفرنسيين تحديدا. اسأليني فقط. هل تتابعين الأخبار؟ لقد اتفق الجزائريون بشكل عفوي على تشجيع المنتخب الفرنسي لكرة القدم. أرى في كل مكان شعارات التشجيع: "يلا بوكبا.. يلا مبابي".

هاهاها، في ذلك اليوم قرأت تعليقا أضحكني: "شكرا للجزائريين على تشجعينا لكن وبالرغم من ذلك لن تحصلوا على التأشيرة".

قبل أن أبدأ الكتابة لك، كنت أقرأ مقالة عن امرأة قامت بجمع رسائل عديدة من نساء تعرضن للتحرش الجنسي من رجال سكارى في شوارع باريس حين خرجن للاحتفال بفوز فرنسا بالمونديال. كل ما وصلنا من أخبار عن ذلك اليوم كان صور الفرنسيين فرحين بفور فرنسا، ولم يذكر أحد ما حصل لتلك النسوة اللاتي عشن أسوأ ليلة في حياتهن.

لكن دعينا من أخبار الآخرين. لقد سألتني سابقا عن أخبار عملي و"فني"، لا أعلم، لم أفعل شيئا مؤخرا، أعاني صعوبة في الرسم والتلوين والنحت، أخربش هنا وهناك. بعد دخولي مدرسة الفنون بدأت الأمور تختلط بالنسبة لي بشكل مختلف. هل أرسم بخطوط متوازية في اتجاه واحد؟ أم هل أستطيع خلط اللون بآخر؟ ولكن الحقيقة أن الأمر لا يقف عند التقنية فقط، فالأساتذة أيضا لا يعطونك وحدك حرية اختيار الموضوع، عليك دائما أن تحكي حكاية ما أو أن توجهي رسالة. الموضوع عندهم دائما يجب أن يكون عن الموضة السائدة الآن، أن يجذب أكبر قدر من الناس، والأهم من ذلك يجب أن تتعلم كيف تتكلم، بالأحرى كيف تتفلسف لينال عملك الإعجاب اللازم.

في واقع الحال، كل ذلك لكي تثيري إعجاب المدرس ليمنحك بعض النقاط لتتنافسي بها مع زملائك، أو لتثيري الحيرة داخل معرضك أمام جمهور الفن الذي غالبا ما يدعي أنه يلتقط عمق الفكرة.هذا يذكرني بجملة قالها تارانتينو: "ينتظرون من عملك أن يكون له معنى، لكن حياتهم بلا معنى".

البارحة شاهدت بعض الصور من معرض في الجزائر العاصمة، وشعرت أني أشاهد نفس العمل، مع لون أصفر مضاف هنا، وبعض الدوائر هناك، ولكن في النهاية كل الصور متشابهة. هذه الصور المسبقة التي ينتظرها الجميع منك كفنان. والكل يساهم في تعزيزها لدرجة أنها غطت ما هو حقيقي. كل هذا هراء. ما زالوا يرسمون قوارب المهاجرين بطريقة مبتذلة في كل مكان. وكأن تجار الفن أعطونا جميعا وصفة نجاح واحدة وفي النهاية كل شيء متشابه. قارب الموت هو نفسه، بعدة أشكال لكنه نفسه. حتى أننا نشاهد نفس الأخبار ونتحدث جميعا في نفس المواضيع ونفكر في الأفكار ذاتها التي تجتاح الوسط الفني. ولكن لاحقا قد تلاحظين أنك فعلت كل ما طلبوه منك. حتى الفن لم يكن كما تحبين أنتِ، بسبب كل هذا لا أقدر على العمل.

أتمنى لو كانت الحياة بسيطة كما هي لدى الأطفال، عندما كنت أرسم ما أحب دون اكتراث بما يقال عن لوحاتي. على الرغم من هذا كله هناك بعض من الأعمال الفنية التي تقدم أفكارا وحقائق جديدة تجعلني أبتسم. ويبقى ذاك المشاهد المصاب بالملل من حياته الهادئة ينظر إلى لوحة القارب، القارب الحقيقي الموجود أصلا خارج اللوحة.

سيليا

النص مترجم عن الفرنسية

اسمي كرستينا عتيق (تينا)، عمري 26 سنة.
درست تصميم الغرافيكس، أعيش في بيروت ولم أقم أي معرض بعد.
رسمت مرة بسبب أنف أختي، ثم قررت توسيع هذا العمل ليصبح سلسلة قصيرة عن أشياء أسمعها من النساء حولي والتي تقيد حياتهن في المجتمع. سمعت تعليقات رائعة عن هذه المجموعة من الرسوم والتي أسميتها "مش حلو البنت.."، وبدأت نساء بإرسال جمل عن مواقف أو تعليقات يسمعنها لأرسمها.

تينا الصغيرة،

أتذكر أنك قضيت معظم طفولتك أمام التلفاز تتأملين الممثلين الأجانب، معتقدة أنّ عالمهم هو عالمك. اعتقدتِ أن عائلتك مثل العائلات التي تظهر على شاشتك الصغيرة، بتقاليدهم وثيابهم وتاريخهم. لا ألومك على أنك كنت تكرهين شكل عينيك وشفاهك الكبيرة وشعرك المنفوش. كنت دائما تكبسين على شفاهك ليظهروا أصغر وليصبحوا متل شفاه الممثلات. وعندما لاحظت أمك ذلك كانت تقول لك "كل البنات عم تكبّر شفايفها تا تصير متلك"، لكنك لم تكوني لتقتنعي.

كانت أمك تصبغ شعرها باللون أشقر، وكنت تريدين أن تكوني مثلها. وأختك كانت بشرتها أكثر بياضا منك، مثل أمك، وأنت كنت تنزعجين جدا من ذلك. في ذاك الوقت، لم تكوني تعرفين شيئا لا عن عالمك ولا عن هويتك. لم تكوني تجلسين مع أهلك لتستمعي إلى حكاياتهم. موسيقاهم لم تكن موسيقاك، وتاريخهم لم يكن تاريخك.

أنت كنت من عالم التلفاز وكنت تريدين أن تحكي لغة من يظهر على التلفاز، وأن تلبسي ثيابهم وتعيشي حياتهم. عندما كبرت، أمك كانت تفرح كثيرا عندما تتكلمين الإنجليزية مثل رفاقك، وتحديدا باللفظ "الأميركاني". كنت تخجلين من أن تحكي أمامها بلغتك الجديدة، وكنت تحسين بالذنب لأنها لم تكن محظوظة مثلك لتحظى بالفرصة التي حصلت أنت عليها.

هل تذكرين عندما اتصلت جدتك على الهاتف وأنت أجبت واعتقدتْ أنها طلبت الرقم الخطأ؟ وعندما دخلت محل ثياب وتكلمت معك المرأة بالإنجليزية لأن شكلك بدا أجنبيا، هل كنت سعيدة؟

جعلت شعرك أملس، وغيرت طريقة كلامك وثيابك، هل كنت تحسين أنك لست عربية؟ وقبلك، أمك فعلت الشيء نفسه أيضا، وجدتك كذلك. كنت تعتقدين أن أمك بشعرها الأشقر تشبه مادونا Madonna، وجدتك بصورها القديمة كانت تشبه الممثلات بأفلام هوليوود القديمة. أنت من كنت تشبهين؟

جدة كرستينا
@christina atik

جدة كرستينا
@christina atik

والدة كرستينا
@christina atik

والدة كرستينا
@christina atik

عندما كان أحدٌ يسألك "أي من صبايا فرقة Spice Girls" هي المفضلة لديك، كنت دايماً تجيبين: "إيما Emma" لأنك كنت تحبين شعرها الأشقر وبشرتها البيضاء. كنت تعتقدين أنها تشبه النساء في اللوحات الفنية المشهورة، دائماً بالبشرة الفاتحة والشعر الأشقر. لم تعرفي في ذاك الوقت من حياتك أن الجمال ليس له لون.

عندما كنت حزينة، وكان هذا معظم وقتك، كانت أمك تشجعك على أن تتكلمي أمام المرايا لتقوى شخصيتك. أمضيت وقتا طويلا أمام المرآة حتى أصبحت ملامحك غريبة عنك؛ ملامح فتاة حزينة أخرى، وجه مشوه، وعيون أكبر من اللازم. حواجبك كانت عريضة وكثّة، وشاربك أسود على شفاه غريبة. وعندما بلغت سن المراهقة تجنبتِ المرآة كلياً. كانت مصدر كآبة لك وأنت تنتظرين أن تتغير ملامح وجهك.

تخلصتِ من كل الصور التي كنت موجودة فيها والتي التقطها أبوك دون علمك. أردت أن تنسي وجهك.هل تتذكرين ماذا كان يقول عنك الشباب؟ "منّك كتير بشعة، فيكي تكوني حلوة إذا شلتي عويناتك وحطيتي مكياج".

كرستينا
@christina atik

كرستينا
@christina atik

يوما ما ستكبرين، ستنظرين إلى نفسك وستحاولين أن تجمعي كل ما فقدتيه من هويتك. ستحاولين أن تحبي عيني جدتك الواسعتين، وشعرك المنكوش، وخصرك العريض. ستحاولين أن تسمعي موسيقى بلدك وأن تقرأي قصائدها. ستشعرين أنك مقصرة، وبطيئة. لكنك تدريجيا ستتعلمين أن تحبي نفسك. سترسمين فتيات يشبهنك، قد يظهرن بملامح عربية مثلك، لتحبي جمالك. ستسألين جدتك لمَ لم تلبس - ولا حتى مرة واحدة - ثيابا لبنانية، وستجيبك "كان دارج اللبس الأجنبي، كان أحلى".وستلاحظين أن دورة كره النفس والهوية المشتتة لم تبدأ معك بل هي أقدم منك بكثير.

وعندما تحاولين كتابة رسالة إلى نفسك في الصغر ستعانين مع العربية المكسرة وستخافين الفشل ولكن الفشل هو عدم المحاولة.

كرستينا (تينا)
تموز/يوليو 2018

النص كان مكتوبا باللهجة المحكية اللبنانية

اسمي شامة مشتالي، فنانة مغربية في الـ 26 من عمري.

عشت في الدار البيضاء، درست علاقات دولية في بوسطن، وأقيم الآن في دبي. مشغولة بموضوع أزمة الهوية خاصة بعد اكتشافي تاريخ المغرب الأمازيغي، وبموضوع العدالة الاجتماعية وقضايا تخص المرأة. أقمت عدة معارض في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والدار البيضاء.

عزيزتي فريدا،

قد تستغربين أن أكتب اليك هذه السطور وقد مضى 65 عاما على رحيلك عن عالمنا، لكنكِ دوما في الذاكرة ولعلك تُبعثين كل عام في احتفال يوم الموتى في المكسيك (Día de Muertos) وإن صحّ ذلك فكلي أمل أن تصل رسالتي هذه إلى أناملك المبدعة.

اسمحي لي سيدتي أن أعبر لك ما عنته لي تلك الأنامل كفنانة ناشئة وكامرأة من أصول أمازيغية. فقد ألهمتني حين كنت في أمس الحاجة إلى إلهام في محيط بالغ الذكورية لا يعترف بإبداع النساء، لا بل لا يعترف بوجودهن أحيانا ولا يفسح لهن مجالا للتعبير أو الحضور.

فما زلت أذكر بوضوح وأنا ابنة الرابعة عشر مشاركتي في ماراثون في الدار البيضاء بمناسبة يوم المرأة العالمي حين تضجّر رجل على دراجة نارية من الانتظار لدقيقة كي تمر المتسابقات فانطلق بدراجته غير آبهٍ بمن دهس منهن قبل أن يمسكن بتلابيبه ويطرحنه أرضاً ومعه نظرته الدونية للمرأة. وأذكر أيضا تلك النظرة قبل ذلك بعدة سنوات على وجوه الصبية الذين كانوا يستهزؤون من الأصوات الأنثوية لمجموعتنا المسرحية ونحن نؤدي عرضا فلسفيا وشاءت سخرية القدر أن اضطلع بدور "صوت الحرية".

كما ألهمتني أناملك أن أدافع عن حقوق المرأة دون التنازل عن أنوثتي، وأن أدرك أن النهوض بحقوق المرأة لا ينحصر في حلبة السياسة بل لا بد أن يمتد إلى حقول الثقافة والفنون. كنت أستحضر رسومك المبرزة لألم المرأة وقوتها في كل مرة رسمت امرأة قوية المراس مثل كاهنة أمازيغية قادت شعبها في الدفاع عن أرضها. وفي كل مرة تحدثت عنَ رسوماتي مع طلبة المدارس في المغرب كنت أنتهز الفرصة لأسرد عليهم التاريخ المهمّش لتلك النسوة وكنت أرى في عيون الإناث عطشاً لبطلات يقتدين بهن وكنت أرى في عيون الذكور عجباً لسماع قصة بطلتها امرأة.

@Chama Mechtaly

@Chama Mechtaly

ولم يكن ذاك الإلهام هديتك الوحيدة بل ألهمت أيضا تلك النظرة الأبية المتحدية التي تعلو وجه كل امرأة أمازيغية رسمتها والتي لا تتحدى الناظر فحسب ولكن تتحدى كل نظرة مكسورة خانعة رسمها الرجال على وجوهنا سواء من ذوي أوطاننا أو من المستشرقين والمستعمرين مثل يوجين دولاكوا أو جون جوزيف كونستان وأدريان تانو وغيرهم. أي زائر لكبريات المتاحف لا بد أن تقع عيناه على لوحة من لوحات هؤلاء الذين طالما صوّروا المرأة (سواء في رسوماتهم أو صورهم الفوتوغرافية وحتى في كتاباتهم) بلا روح ولا محتوى مختزلين دورها المجتمعي في إشباع خيالهم الجنسي، متجاهلين الإرث التاريخي والتميز الثقافي لنساء منطقتنا اللاتي ناضلن وحاربن ووقفن في الصفوف الأمامية أمام كل أنواع الاستعمار.

وكما عبرت في لوحاتك عن رفضك للاستعمار والإمبريالية في صورتها العسكرية والرأسمالية وما يصاحبها من قهر للشعوب والحضارات القديمة، فقد حرك اكتشافي لأصولي الأمازيغية وأنا في المرحلة المتوسطة شغفا بكل الشعوب المضطهدة أو الأقليات المقموعة وكل من يخضع لأنماط مختلفة من التهميش. وفي غياب أي هامش رحب للتعبير عن الرأي لجأت للفن حيث للريشة هامش أوسع للتعبير من القلم والصوت في العالم الناطق بالعربية. ورغم ذلك فسرعان ما قوبل حماسي لاكتشاف تلك الأصول التي ينحدر منها معظم سكان شمال إفريقيا بمقاومة حادة ممن ينظرون بعين تخوينية لكل من لا يحمل نظرتهم الأحادية للتاريخ. فقد تلقيت العديد من الرسائل الالكترونية التي تتهمني بالخيانة والانفصالية لمجرد حديثي عن التعددية الثقافية وعن تاريخ الحضارة الأمازيغية.

ولعل أكثر ما حزّ في نفسي أن بعض أساتذتي في المدرسة أخذتهم العصبية لما يرونه "عروبة بلا شوائب" بغض النظر عن التاريخ وثأروا لذلك النقاء عبر درجاتي في الامتحانات. لكن كل ذلك لم يثبط من عزيمتي وإصراري على تحويل لوحاتي إلى منبر تشكيلي للمهمشين.

@Chama Mechtaly

@Chama Mechtaly

وفي لوحتي التي أسميتها "فريدة بنت تزنيت" رسمتك فيها بنظرة تجمع الجمال والاعتزاز والتحدي وأبدلت حلتكِ "التيخوانا" المكسيكية التقليدية بحلة أمازيغية من مدينة تزنيت في جنوب المغرب وأبدلت حليتك المستوحاة من الحضارات اللاتينية بحلية تزرزيرت وقلادات الخمسة والمرجان. كما زينت وجهك بنقوشنا الأزلية التي تحاور حروف لغة التيفيناغ التي نشرتها خلفك. ومع بعد المسافة بين الجغرافيتين فقد رأيت تقارب كل حضاراتنا القديمة في العادات والرموز والألوان وكنت على يقين أنك تقفين معي لأنتصر لحضارة أخرى مهمشة كان ولا يزال لا بد من رد اعتبارها.

فلك فنانتي كل الشكر والامتنان.

شامة مشتالي

الخميس 19 تموز/يوليو 2018

أنا بكل بساطة إيمان نوايا، عمري 28.

أعمل على نفسي لأكون أقرب إلى الفن الحقيقي.
غادرت سوريا أواخر عام ٢٠١٣، وأقيم اليوم في لبنان. عندي استوديو صغير أطور فيه مشروعي الشخصي. لي مشاركات كثيرة في سوريا ولبنان ودول أوروبية. أول معرض فردي لي (وتبقى.. ومضات انثوية) كان عام ٢٠١٥.

وليد،

شربت معك فنجان القهوة وجلسنا ندخن السيجارة ونتحدث عن كل شيء، بلحظة.

كيف يستطيع أن يتحدث شخص مع أي أحد عن موضوع بلحظة. نعم فعلناها. قررتَ التمدد والاسترخاء لبضع دقائق، ومعاودة شرب القهوة معي يوما ما في (مدينة) كسب لنرى الصباح المنعش سوية ونشعر بالحب الذي ينبض من الشجر والجبل معا.

وليد، والد إيمان@Eman Nawaya


وليد، والد إيمان@Eman Nawaya

يوم الاثنين أعيد ترتيب عروقي بعدما فقدت جزءا كبيرا من دمي كما كنت أعتقد.

دقائق ويعود الدم إلى جسدي حاملا معه صفيحات جديدة. استقبل جسدي هذه الذرات بهستيريا عارمة وكأنه يرحب بالمنتظر.

روحك وليد دخلت وصنعت لي دما جديدا. أنا أتنفسك. أعمل بيديك.

أطير بعالمك وأحلّق كلما شعرت بالضيق في عالمي.

استيقظت في صباح يوم اثنين أعدّ نفسي لأستقبلك، عند الساعة السادسة مساء أحضر لك القهوة. ألفّ سيجارتين وأنتظرك، فأرى يديّ تطلبان مني التحرك والمطالبة بتجسيدك أمامي خطا ولونا.

@Eman Nawaya

@Eman Nawaya

تجليت أمامي لونيا وخطّ اللون الأسود والأبيض تفاصيل وجهك وحالات عينيك.

حلم النظر إليك اليوم أحاول مسكه، لا أريدك أن تكبر ولا أرى تفاصيل تجاعيدك. أنا ألاحقك بكل تجعيدة تظهر على وجهك. أدعي أني أرسم "وليد" بكل حالاته لأنني إذا فكرت أن أعترف تظهر أمامي حقيقة أني أتابعك بمستقبلك وليس بماضيك.

أعلم بالضبط كم خطاً على وجهك يزيد أو ينقص، ويداك كم من النمش زاد عليهما. لكنني على ثقة أنني في كل يوم أرسم فيه وجهك، فإنه يتكامل بكل واقعه الحالي.

وليد، لا أستطيع أن أختصرك بمشروع ولا فكرة وحتى بشرح. أنتَ أنت، وروحك حرة.

كيف لي أن أختصر ما في دماغي بـ 500 كلمة مفترض أن أكتبها هنا وأنا لا أعدّ الكلمات عنك. لا أختصر أي لحظة. أطير بك وأعود بلا تململ أو توقف أو اختزال.

إيمان
17/07/2018

فريق العمل:

المدوّنات: إيمان نوايا، سيليا هاشمي، كرستينا عتيق، شامة مشتالي

إعداد: ألمى حسون، محررة شؤون المرأة

تصميم: أليس غرينيه

رئيس التحرير: مصطفى كاظم