حب عن بعد

مدونة بي بي سي عربي

"تحولت الحياة بيننا لرسائل إلكترونية. كم من شجار نشب بيننا لسوء فهم كلمة"

"قد نقترب كلما ابتعدنا"

إيمان خطاب ( 30 عاما - مصر)

الأحد، السادسة مساءً. رسالة قصيرة أرسَلها لي على عجالة.

للإجابة عليها هناك ثلاث خطوات عليّ اتباعها: مراجعة جدول عملي، التحقق كم تبقى من باقة بيانات الإنترنت على هاتفي، والأهم من ذلك إلقاء نظرة سريعة على الساعة لمعرفة فرق التوقيت بيننا.

السادسة مساءً بتوقيته تعني العاشرة مساء عندي. أربع ساعات تفصلنا.

لم أعلم أن فرق التوقيت قد يتحكم في أمور كثيرة في حياتي قبل هذا اليوم. كصحفية، أنا معتادة على اختيار التوقيت المناسب قبل الاتصال بضيف سأحاوره على الهاتف على سبيل المثال، لكني لم أتخيل أن كل حدث يرتبط بحياتي العاطفية سيكون مرهونا بفرق التوقيت.

اليوم نكمل العام الأول على تعارفنا. قابلته خريف عام 2017، كنت قد انتهيت للتو من إعداد رسالة الماجستير في الصحافة الاقتصادية في جامعة بلندن. وكفتاة قادمة من الشرق، كنت أبحث عن الدفء في هذه البلاد الباردة. كان حبي لكل ما حولي مصدر طاقتي: حبي لكوب قهوة دافئ، ولأوراق شجر متناثرة على مقعد عتيق في إحدى الحدائق، وحتى لسنجاب يقفز مرحا مطاردا حبة بندق.

رحلت عن بلدي مصر لأدرس، ولم أكن على تمام المعرفة هل شاركني قلبي الرحلة أم آثر البقاء، كانت تلك المرة الأولى التي أسافر فيها وحدي دون أهل أو صحبة. لطالما أردت الاستقلال لكني لم أكن أدرك كيف يمكن لهذا الاستقلال أن يكون.

حط رحالي في بلد جديد هو بريطانيا، وبدأت رحلة البحث عن مسكن جديد للقلب والجسد؛ فمثلما كان عقلي يبحث عن استقرار، قلبي كان كذلك. للمرة الأولى يتفق قلبي مع عقلي على شيء، وقد يكون سبب ذلك تجربة عاطفية دامت ثلاث سنوات استنزفت كل ما أملك من طاقة.

اجتمعنا في حفل لمصورين ورسامين من جامعته، وأنا من هواة التصوير. أردت يومها أن أرى ما الجديد في هذا المجال لا أكثر. حدث أكثر مما تصورت. التقينا، تبادلنا الحديث حول شغفنا المشترك، وقبل أن ينصرف كل منا لحاله طلب رقمي. لأول مرة تحمر وجنتاي وأنا أعطي رقمي لهذا الشاب الإيرلندي. تبادلنا الأرقام وانصرفنا.

كل شيء حدث بسرعة لدرجة أن قصتي هذه أصبحت موضع تندر في كل جلسة من جلسات الفتيات، حتى التي أغيب عنها. كان يصلني أن الفتيات كن يقلن "كيف اتخذت قرارا صعبا كهذا في وقت قصير؟"، "هل بالفعل أحبا بعضهما؟"، هل يمكن لبريكست (انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي) أن يغير مسار هذه القصة؟

عدت إلى مصر، واستمر تواصلنا عبر الإنترنت، لكنه رأى أن علاقتنا ستخبو تدريجيا إن ابتعدنا، فقرر أن يأخذ خطوة جدية في علاقتنا. وقبيل أسابيع قليلة من بداية عام 2018، أي بعد نحو ثلاثة أشهر على تعارفنا، عقدنا قراننا.

اتفقنا على الزواج في مصر لأشارك هذه اللحظة مع أهلي وأصدقائي المقربين، ولسوء الحظ لم تتمكن عائلته أن تكون معنا في القاهرة، لأسباب تتعلق بموعد إجازته وغيرها من التعقيدات. خططنا للانتقال لبريطانيا حيث يعمل ويعيش منذ أكثر من 17 عاما، ولكن بعد أسابيع قليلة من زواجنا جاءني عرض عمل في الإمارات.

لم تبدو تلك الخطوة صعبة في بادئ الأمر، بل على العكس تحمسنا لها بعد أن بدت ملامح انتقالي لبريطانيا صعبة وستستغرق مدة طويلة من الاجراءات الروتينية.

تحولت الحياة بيننا لرسائل إلكترونية تلتهم المشاعر والمعاني. كم شجار نشب بيننا لسوء فهم كلمة إذ لم أقصد ما فهمه. أذكر أني فشلت مرة في تحديث إحدى تطبيقات التواصل بيننا (اسمه بوتيم، وهو أحد تطبيقات المكالمات عبر الإنترنت المسموح استخدامها في دولة الإمارات)، وبالتالي لم أتلق رسائله، الأمر الذي ظن فيه محاولة مني تجاهل رسائله فغضب.

يمر عيد أمضيه وحدي، كان من المفترض أن يأتي إلى دبي لكنه لم يتمكن من الحصول على إجازة. وعيد آخر يمضيه وحده لأن إجازتي ألغيت في آخر لحظة.

كلانا يقف عاجزا أمام شيء ما ولد، وينازع من أجل البقاء.

تكرر أمي في الهاتف كل مرة تحادثني للاطمئنان علي: "يا بنيتي، البعيد عن العين بعيد عن القلب"، وأنا أدافع بشدة لأقنعها وأقنع لنفسي "قد نقترب كلما ابتعدنا".

يفقد رواد العلاقات عن بعد الكثير.

يفقدون "الآنية"؛ فكل لحظة تمر - حلوة كانت أم مرة - لا يستطيع أحدنا مشاركة الآخر بها وقت حدوثها. أصبحنا نتشارك كل شيء بيننا عبر شاشة زجاجية عن بعد؛ التطبيب حتى أصبح عن بعد، فإذا مرضت ينصحني بما يجب علي تناوله حتى تتحسن صحتي، لكن قلبي يعتصر وأنا أقوم بذلك وحدي بعد أن أفقدتني الحمى القدرة على الحركة.

يفقدون "الإحساس بالمشاركة"؛ فأجلس وحدي على طاولة الطعام، كوب قهوة واحد في الصباح، وفرشاة أسنان واحدة في الحمام.

يفقدون "تدفق المشاعر في الوقت ذاته"؛ فلا يمكن أن أتوقع مفاجأة رومانسية لأنه حتى وإن أنهى عمله باكرا، واستقل أول طائرة فسيحتاج ثماني ساعات على الأقل ليفاجئني.

لكن بالمقابل لم يعد هناك مكان للرتابة في حياتي بفضل هذه العلاقة؛ ولا نظام ثابت. وتمكنت من الإجابة على أهم سؤال: "لماذا أحتاج لشريك في الحياة".

"الحب ليس العثور على شخص للعيش معه، بل العثور على شخص لا يمكن العيش بدونه"

عندما رفضت أن أكون "زوجة جيدة"

ريم خميس (32 عاما - سوريا)‎‏‎

‏‎أذكر جيدا ما قاله لي زوج إحدى صديقاتي قبل خمس سنوات عندما علم أنني أعمل في مجال مساعدة اللاجئين الذي يتطلب عادة الكثير من السفر ولأماكن غالبا ما يصعب العيش فيها مع عائلة. قال لي وهو غاضب وبلهجة شديدة الذكورية إن علي أن أمحو من رأسي فكرة أنه سيكون بإمكاني أن ألتقي برجل يقبل أن يترك كل شيء ليتنقل معي كلما تغير مكان عملي. حتى أنه قال حرفيا إن أي رجل لن يقبل أبدا أن يجالس طفله بينما تجوب زوجته العالم بحكم عملها.

‏‎لكني أعتقد أني التقيت بالرجل الذي ظن زوج صديقتي أنه كائن خرافي لا وجود له، وأصبح هذا الرجل زوجي.

الأمر الذي أدركته لاحقا كان أني لن أقبل أن يترك زوجي - حتى وإن أراد هو ذلك - كل شيء من أجلي ليسافر معي، أو أن يضحي بعمله لأنجح أنا بعملي. فأنا لا أرغب بالتخلي عن أحلامي المهنية، ولا أود أن أغير مهنتي التي أحبها وأعلم أني ناجحة فيها، فقط كي أكون زوجة "جيدة" وأما "جيدة" في نظر المجتمع.

كبرنا، أنا وزوجي عماد، في نفس الحارة الضيقة في دمشق وكان لدينا الكثير من الأصدقاء المشتركين، ولكننا لم نلتق أبدا في دمشق - بل التقينا لأول مرة في تركيا. انتقلت إلى أنطاكيا بحكم عملي، أما زوجي فكانت الحرب قد أجبرته على البحث عن عمل خارج سوريا والانتقال مع عائلته لأنطاكيا في مطلع العام نفسه.

تعرفنا على بعضنا البعض عن طريق أحد الأصدقاء المشتركين، وقررنا الزواج بعد مرور حوالي سنة من بداية علاقتنا، وانتقلنا إلى الولايات المتحدة بهدف البحث عن مستقبل أفضل. وساعدنا في ذلك أني أحمل الجنسية الأمريكية بحكم ولادتي هناك عندما كان والداي يدرسان في إحدى الجامعات الأمريكية.

كنت أسافر من وقت لآخر في رحلات عمل قصيرة لأجري ورشات تدريب مثلا، وأعود إلى بيتنا القريب من العاصمة شديدة الغلاء. لكني كنت أشعر بالملل والوحدة وأنا في واشنطن، في قارة بعيدة، فأنا معتادة أن أكون موجودة مع فريق عمل، وقريبة من مكان الحدث أو ما نسميه في مجال عملنا بـ "الميدان".‏‎

لذا قبلت قبل نحو ستة أشهر عملا جديدا في تركيا مع الأمم المتحدة، وجدته أكثر خيار مناسب لعائلتي، وفي الوقت ذاته يقربني من الميدان، فغادرت واشنطن، بدون زوجي.

ها أنا ذا أسافر مرة أخرى، ولكن هذه المرة المسافة أبعد بكثير؛ فبيني وبين زوجي أكثر من 10,000 كيلومتر.
‏‎لا يمكن أن أنكر أن هذه الخطوة تحديدا كانت صعبة جدا بالنسبة لي؛ فالأمر لم يعد مقتصرا علينا نحن الاثنين، فلدينا الآن ابن في عمر السنة وهذه المرة هي الأولى التي سيبتعد فيها عن والده – ليكون معي.

أعتقد أن مجال عملي المتركز على مناهضة العنف ضد النساء تحديدا ألهمني حتى في حياتي الخاصة، وأرغمني أن أكون قدوة لنفسي ولابني الذي أريده أن يكبر وهو مؤمن أن أمه وأباه متساويان، يجمعهما الحب والاحترام، وأن يكون فخورا بنا نحن الاثنين على حد سواء. أذكر مرة عندما قالت لي أم إحدى صديقاتي وهي تهمس بأذني "أحب شخصيتك القوية لكن عليك الحذر فالرجال يخافون من المرأة القوية". لا أريد لابني أن يخاف من أن يجد شريكة قوية الشخصية أو ناجحة مثله أو أكثر في حياتها العملية، بل أن يبحث عن هذا الشيء تحديدا في شريكته المستقبلية. ‏

‎نتواصل أنا وزوجي يوميا على واتساب وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي رغم الصعوبات التقنية، بسبب تقطع خط الإنترنيت حيث أعيش، ورغم فرق التوقيت الشاسع بيننا.

لم يكن هذا القرار لينجح لولا تحلينا - نحن الاثنين - بالصبر، ولولا دعم عائلة زوجي المقيمة في تركيا، خاصة فيما يتعلق بالاعتناء بابننا. وأعتقد أيضا أن تفاهمنا واتفاقنا المشترك على ما هو في مصلحة عائلتنا الصغيرة ساعدنا في تلك اللحظات الصعبة التي لا مفر منها.

جعلني بعدي الدائم عن أهم الناس في حياتي، بمن فيهم زوجي ووالديَ، أقدّر كثيرا قيمة الوقت القصير الذي نمضيه معا. أصبحنا نخطط كثيرا، ونحضّر للقاءاتنا وعطلنا العائلية قبل أشهر كعطلة رأس السنة، وقريبا عطلة عيد الفصح في أبريل/نيسان.

‏‎ليس من السهل أبدا الحفاظ على علاقة عن بعد – لكن ذلك لا يعني أبدا أنها لن تنجح.

‏‎أردد دائما بيني وبين نفسي أن "الحب ليس العثور على شخص للعيش معه، بل العثور على شخص لا يمكن العيش بدونه". أتمنى أن يكون زوج صديقتي تلك يقرأ تدوينتي هذه – وتحديدا السطر الأخير.

"أشكر نفسي على شجاعتها، أنها لم تحرمني هذه اللحظات"

ليس فصلا ملائما للحب

أمل خليف - (32 عاما - تونس)

الساعة المعلقة ببهو مطار قرطاج تشير إلى السادسة صباحا، عيناي تمسحان الشاشة الكبيرة بحثا عن رقم شباك تسجيل المسافرين إلى القاهرة.

حرة من حقيبتي، تذكرتي في يدي. يغمرني إحساس رائع بالحماس والخفة.

المسنجر ينقرني، وجه حبيبي مبتسما: أنا في انتظارك، بسرعة.

قلبي يرف من الفرح، خطواتي راقصة، وابتسامة طفولية ترتسم على وجهي. كم لذيذ هذا الشوق، مسكرة هذه اللهفة، الحماسة تنفض عن روحي غبار الليالي الوحيدة، الانتظار والملل.

ساعات فقط وسأتمكن أخيرا أن أعانقه وأشتم رائحته. ساعات فقط. هل يمكن للزمن أن يسرع؟ أتمنى من أعماق قلبي ألا تتأخر الطائرة. يا رب.. يا رب..

انتبهت أن دوري، في صف المنتظرين عند أمن الحدود، يقترب. بأصابع مرتجفة بحثت عن نسخة التصريح الأبوي للسّفر، فنحن في تونس نحتاج موافقة الأب للسفر لمن دون الخامسة والثلاثين من العمر. أخذت نفسا عميقا استعدادا للشوط الأخير في هذه الرحلة.

بدأت الاستعداد للرحلة منذ ثلاثة أسابيع حتى حصلت أخيرا على إجازة وقررت السفر للقاء حبيبي في القاهرة، حيث يسكن. بدأ الأمر بجمع الأوراق اللازم إرفاقها مع طلب التأشيرة، واقتنصت فرص الهرب من الدوام لإكمالها: كشف الحساب المصرفي، شهادة العمل، حجز تذكرة الطائرة، وحجز الفندق.

ألقى الموظف في القنصلية نظرة على كشف حساب البنك، ثم أعاده إلي. لا أملك المبلغ الأدنى المطلوب، حاولت أن أعترض، لم يخبرني أحد بالحد الأدنى، طيب هل يمكن أن يقبل الطلب ثم أستكمل الأوراق في وقت لاحق؟ منذ متى جدّت هذه الإجراءات؟
"هذا ردّ الخارجية المصرية على تشديد تونس إجراءات منح التأشيرات"، فسّرت لي امرأة كانت تقف أمامي. كان يجب أن ينهي الجميع تقديم طلباتهم لأنتقل مع مجموعة إلى صالة أخرى ليتم دراسة وضعنا.

جاء دوري. دخلت مكتب السيد (س) وورائي امرأة لم تيأس من محاولة إقناعه:
- يا سي (س) أنا ذاهبة لمعالجة أسناني
- تريدين إقناعي أن معالجة أسنانك تتطلب أكثر من ستة أشهر!
انحنت المرأة على المكتب، وفتحت فاها لتريه أسنانها المركبة
- ركبت هذا الجزء، ولا يزال ذاك الجزء.

- وأنت يا أمل لماذا تريدين العودة إلى مصر؟
- سياحة، أحب مصر.
- لست مقتنعا بذلك، تكرار زيارتك مريب أمنيا.

شعرت بنوع من التسلية لغرابة الحوار، كأنني نادية الجندي في أحد أفلام التسعينات. أحاول أن أشرح للسيد (س) أنني لا أمثل أي خطر على الأمن القومي المصري أو التونسي، أنني لا أمثل أي خطر إطلاقا، أنني مجرد ساذجة تبحث عن الحب وتتصيد لحظات اللهفة عن مسافة ألفي كيلومتر.

لم يقتنع السيد (س)، لكنه لم يحب أن يصرفني مكسورة الخاطر، فقبل طلبي وقال "التساهيل على الله".

"الموافقة الأمنية لا بد منها"، هكذا داعبتني أمي في المساء على الهاتف. "كيف سأقنع والدك؟ لماذا تعودين إلى مصر". افتعلت ابتسامة حتى يصلها صوتي خفيفا: "قولي له إني أحضر ورشة كتابة". "متى تعقلين؟" زفرت أمي بتعب وعتب.

حقيبتي بدت أثقل مما كانت عليه هذا الصباح، جررتها إلى البوابة الأخيرة في المطار قبل أن يستوقفني عنصر الأمن ويتفحص جواز سفري: "لماذا تزورين مصر يا أمل؟ ثلاث مرات على الأقل في سنة!"

أصابني شيء من الذهول ولم أعرف ماذا أجيب
"لماذا تزورين مصر حضرتك؟
"صديقتي متزوجة بمصري وأحب أن أقضي إجازاتي معها".
"اسمها؟ أين تسكن؟"
الهواء يداعب رقبتي وذراعي، جسدي يرتجف من التوتر.

القاهرة ممتدة، واسعة وضخمة، مثيرة ومخيفة.

قبل أن يتمكن منى الإحساس بالضياع التقطت عيناي ابتسامة أحفظها وأميزها من بين وجوه كثيرة. قلبي يرقص من الفرح.

ذراعان تحيطان بي ورائحة أحبها تسحبني إلى قوقعة مطمئنة ودافئة. أخيرا، وصلت. تمر لحظات اللهفة خفيفة وخاطفة من المتعة الخالصة، فقاعات ملونة أركض خلفها وأستمتع بأني لا أدركها. ألتصق بجسده كأنه وصلة كهرباء، الحب يجدد الخلايا التالفة ويشحن جسدي المرهق.

أسترخي على الكنبة، وأتأمل الرجل قبالتي بإعجاب ورضا، أشكر نفسي على شجاعتها، أنها لم تحرمني هذه اللحظات.

قلبي يخفق بحماسة أعرفها، منذرة بأوان الخطر. عقلي يعرف نزقي ويضخ في دمي جرعات زائدة من القلق لأنتبه.

"والآن؟ ماذا سنفعل؟"، أقول له.

"أعرف أنك تنتظرين خطوة مني. يمكننا أن نبدأ خطوة، خطوة. تنتقلين هنا، ثم نسكن معا.
لست مستعدا لمشاركة حياتي بشكل كامل الآن. يمكننا التدرج في العلاقة".

''يمكننا" "يمكننا"، "يمكننا".

أبتسم بسخرية. "تتحدث بأريحية، كما يليق برجل".

"كيف ذلك.."

"لست متأكدة ما إن كانت السفارة ستمنحني تأشيرة المرة المقبلة. لست متأكدة إن كان أبي سيمنحني التصريح بالسفر كل مرة. لست متأكدة أني أريد السفر كل مرة".

شحب وجهه: "تريدين أن نتزوج؟"

"تحتاج أن أطمئنك؟ لا، لا أريد أن أتزوج".

"أشعر بالذنب الآن، لا أريد أن تشعري بالضغط".

"لماذا الذنب؟"

"لا أعرف، لم انتبه أن عليك ضغوطا أخرى".

"لم تنتبه أني امرأة، أم أننا هنا؟"

صمتنا مجددا.

"لماذا يجب أن يكون كل شيء بهذه الصعوبة والتعقيد. على الحب أن يكون سهلا".

"لا أحب تلك النظرة الحزينة بعينيك"

"لست حزينة".

الصمت يخيم بيننا مجددا، أغطس في مقعدي.

"أمل، نحن في إجازة، جئنا لنستمتع".

"أجل. نحن في إجازة".

في رأسي مقاطع للوركا: "ما الإنسان دون حرية يا ماريانا؟ قولي لي كيف أستطيع أن أحبك إذا لم أكن حراً؟ كيف أهبك قلبي إذا لم يكن ملكي؟"

الرصاصات التي وجهت إلى رأس لوركا، تصيب فقاعات الأحلام الملونة في الجو. ليس فصلا ملائما للحب ولا بأس بذلك.

قبل أن تسحبني أفكاري أبعد من ذلك، قفزت إلى حضنه: "نذهب لنرقص؟"

كان التكييف معقولا في ممرات المطار، ومع ذلك أحسست بالبرد وأنا أعبر أمن الحدود. في قاعة انتظار المسافرين ألقيت نظرة على جواز سفري والتأشيرة. يغمرني إحساس عميق بالاغتراب والوحدة. انتهت الإجازة وحان الوقت لكي أعود.

"انفصلنا عندما حان وقت الانفصال"

"لمَ لا تقع في غرام شخص يسكن مدينتك؟"

ليث (اسم مستعار/ 23 عاما – الأردن)

لم أعد أذكر كم مرة سألني أصدقائي خلال السنة الماضية "لم لا تقع في غرام أحد يسكن في مدينتك؟"، وكنت خارجا للتو من علاقة حب عن بعد، كانت الأولى لكنها لم تكن الأخيرة.

عشت علاقتَي حب، لم أكن في كليهما - أنا والشخص الآخر - نسكن في البلد ذاته، رغم إصراري في المرتين على عدم الإقدام على ذلك. الأولى كانت مع شاب من مدينتي أعرفه منذ مراهقتي، لكنه انتقل للعيش في دولة أوروبيّة؛ والثانية مع شاب أجنبيّ عرفته لمدّة شهرٍ وبعدها اتّخذنا قرارنا. استمرّت الأولى سنة واحدة، أما الثانية فلم تتجاوز الثلاثة أشهر.

تشابهت العلاقتان سطحيا؛ أعمارنا متقاربة، والبيئات التي ننتمي لها متشابهة، وكان كلاهما يعيش في دولٍ تفرض عليّ الحصول على تأشيرة سفر معقّدة تتساوى فرص رفضها وقبولها. لكن حيثيّات العلاقتيْن اختلفت تمامًا بسبب الشريك في العلاقة وبسبب مدتها، وحتى بسبب التغيّرات التي مررتُ بها خلال العلاقتيْن وبينهما.

عندما يسألني أحدهم السؤالَ المشؤوم إياه أتفادى إجابته، وأقول: "لأنّني أحب تجميع تأشيرات سفر مختلفة على جواز سفري الأردني"، أو "لأنّني أكره نفسي".

بدأ أصدقائي طرح هذا التساؤل بعد أن عاشوا معي تفاصيل العلاقة الأولى، ظانّين أن المنطق قد يفرض عليّ عدم تكرارها، حتى أنّ بعضهم قرّر تفادي هذا النوع من العلاقات البعيدة بسبب ما مررت به. لكن إن أردتُ مصارحتهم، ومصارحة نفسي أيضا، فلا يمكنني الادّعاء أن المسافة البعيدة كانت السبب وراء إنهاء علاقتي الأولى. أظن أنّي وصاحبي السابق نتّفق على هذه الحقيقة، وإن لم نتّفق على أشياء كثيرة تخصّ علاقتنا.
بينما كان في زيارة لمدينتنا عام 2017، عائدًا من دراسته في الخارج، التقينا، وكنت قد تعرّفت عليه أول مرة عام 2013 في معهد تعليم لغة إنكليزية، وجمعتنا صداقة سطحيّة استمرت حتى بعدما انتقلتُ بدوري للدراسة خارج البلد، ثم اعترف كلّ منا بمشاعره تجاه الآخر عندما رجعت إلى مدينتي بعد سنة.

بعد فترة اقتربنا من بعض أكثر شيئًا فشيئا، وبدأنا المواعدة على قدر ما سمحت لنا مدينتنا التي لا تترك مجالًا واسعًا للعلاقات المثليّة. لكنّنا اقتربنا.
سافر.

أقسمنا أنّنا لن نخوض تجربة العلاقة بين بلدين، ثم تراجعنا عن قَسمنا.
طوال سنة، زرته حيث يسكن، وكان هو يزورني في مدينتنا. سبقت كلّ زيارة لي للبلد الذي يعيش فيه فترة من التوتّر بسبب جمع الأوراق اللازمة للتقدم بطلب التأشيرة وانتظار القرار.

كنّا نتحدّث كلّ يوم، عبر رسائل نصّية وصوتيّة خلال اليوم، وعبر الفيديو في المساء. إن انشغل أحدنا يومًا، يحرص على إرسال رسالة صوتيّة كالعادة، "تصبح على خير حبيبي".

في البداية لم نواجه أي مشاكل. كاد الاشتياق أن يهزمنا أكثر من مرّة عندما زادت ضغوطات الدراسة والعمل على أحدنا، لكننا كنا نتعامل مع هذا الشعور معًا، ومع أنّ المقولة مبتذلة لكن فعلا جمعتنا تلك التجربة وزادت من قوّة علاقتنا. كنّا محظوظين، لأن طلب حصولي على تأشيرة سفر لم يرفض خلال علاقتنا، ولأن أهله ما زالوا يعيشون في مدينتنا، ما يعني أنّه كان يزورني عندما يزورهم، دون أن يبوح لهم بسرّ ميوله، أو بأي شيء عن علاقتنا.

سافرنا معًا، ومع أصدقائنا. شعرنا بارتياح عارم خلال سفرنا، لأنّ علاقتنا لم تكن سرًا في الخارج.

بعد فترة، بدأت مرحلة التجارب التي لم تجمعنا معا؛ بدأ كل منا يتصور شكل علاقة تختلف عن تصوّر الآخر، ويبتعد. لم نتقن التعامل مع هذه التغيّرات، ولم نكتشف إلّا لاحقًا أن مشكلتنا كانت جذريّة. انفصلنا، ثمّ عدنا، ثمّ انفصلنا مرّة أخرى، وتقبّلنا أخيرًا حتميّة الانفصال النهائي بعد أشهر.

المسافة لم تنه العلاقة، لكنّها لعبت دورًا مصيريًّا بالمماطلة في إنهائها، لأن الانفصال عن بعد يجعل التصالح مع الانفصال مستحيلًا.

غاب الحظّ عن علاقتي الثانية. لن أطيل الحديث عنها لأنها لم تكون طويلة.
التقينا صيف 2018 في دولة ثالثة، تبعد عن بلدينا. انسجمنا وأمضينا عشرة أيّامٍ كاملة معًا، ثم عاد كلّ منا إلى بلده وكرّرنا تمثيليّة رفض العلاقة عن بعد، قبل بدء العلاقة عن بعد.

زارني بعد شهرين، وعشنا علاقة سريّة وفقا لما تسمح به مدينتي، التي كان سيمضي بها شهرًا في الصيف للدراسة.

توصّلنا إلى استنتاج بديهيّ، ومؤلم رغم ذلك، أن انحصار علاقتنا في مدينتي، ورؤية بعضنا لمدّة شهرٍ واحد من السنة، أي الاشتياق لبعض طوال الأحد عشر شهرا المتبقيين، يخرج عن المنطق. وجدنا أن الانسجام لا يكفي في العلاقة، وفعلنا ما لم نستطع أنا وصاحبي الأوّل فعله: انفصلنا عندما حان وقت الانفصال.

"كنا نتحدث بالفيديو خلال فترات الراحة بين العمل وأثناء الذهاب للعمل والعودة منه"

تبادلنا "أكثر من مليون رسالة" على فيسبوك خلال 11 عاما

كريم المنتصر (28 عاما)

بدأت قصتنا عندما سافرت مع أهلي عام 2008 إلى جاكرتا بحكم عمل والدي في السفارة الليبية في إندونيسيا وكنت حينها في السابعة عشرة من عمري. كان الانتقال من مكان لآخر أمرا معتادا بالنسبة لنا، وكنا قد عشنا في ثلاث دول قبل ذلك، لذا لم أشعر يوما بالانتماء لأي مكان.

كان موقع فيسبوك لايزال جديدا نسبيا، لكن موقع تواصل اجتماعي آخر اسمه "تاغد" كان شائع الاستخدام فوجدت نفسي أجربه. أضفت فتاة رائعة من الفلبين اسمها إيلين، ولم أتصور يوما أن ضغطي على زر الإضافة ذاك سيقودني يوما إلى الارتباط بتلك الفتاة طيلة أحد عشر عاما وسيجعلنا مخطوبين.

بدأنا التواصل عبر رسائل نطمئن فيها على بعض؛ كانت على وشك الانتهاء من دراسة التمريض بينما كنت أدرس إدارة الأعمال. بدأت تدريجيا ألاحظ مدى روعتها؛ كانت بريئة، مجتهدة في عملها، ذكية، تهتم بعائلتها، فانجذبت جدا إليها.

إلى أن حل عام 2011 وتغيرت حياتي.

توفي أبي أمام عيني قبل أسبوع على عيد ميلادي العشرين، كنت أشعر أن مسؤولية حمايتي أنا وأمي تقع على عاتقه وكان فعلا يبذل ما بوسعه لضمان ذلك، ومن يوم وفاته تغيرت، ولم أعد كما كنت. كنا نحظى بامتيازات كثيرة بحكم عمله؛ كانت لدينا سيارة فارهة، وكنا نحضر احتفالات مع باقي عائلات الدبلوماسيين، وكان الناس عموما يظهرون الاحترام لنا ولبلدنا، ليبيا. وقبل وفاة والدي لم أكن قد جربت أن أعمل أبدا. ولكن تغير كل ذلك بوفاته، بما في ذلك صورة ليبيا، التي بدأت أدرك أنه كان ينظر لها "كبلد يضم كثيرا من الإرهابيين".

وقبل المغادرة أردت أن ألتقي إيلين وجها لوجه لأول مرة، لذا ذهبت إلى بلدتها وتدعى باكولود عام 2013 والتقيت بعائلتها التي وافقت على خطوبتنا رغم اختلافنا ثقافيا ودينيا. منذ ذاك اللقاء العائلي تعاهدنا أن نمضي المشوار معا، بكل ما فيه من تحديات.

انتقلت للعيش في طرابلس - مسقط رأس والدي - وكانت المدينة لا تزال في فوضى عارمة؛ كانت الميليشيات في اقتتال دائم، وكان صوت الرصاص المستمر أمرا معتادا، مثله مثل رؤية الدبابات في الطرقات. كان التحدي الكبير أن نجد وقتا لنتواصل. اضطررت للعمل في ثلاث شركات مختلفة في آن واحد لأعول أمي ولأدخر. كان يفصلنا فرق توقيت هائل، كما كانت خطوط الإنترنت سيئة جدا لكننا كنا نجد دائما طرقا لنبقى على تواصل.

لم تكن كل عائلتي سعيدة بخطوبتنا أو داعمة لعلاقتي بإيلين؛ كان بينهم الرافض بشدة للفكرة؛ إذ أرادوا لي أن أسير حسب العادات والتقاليد وأتزوج بفتاة من بلدي، لكني رفضت ذلك تماما.

ألقت الحرب بحملها الثقيل على مدينتي وعليّ، وبعد ليلة أصابت فيها ثلاثة صواريخ أبنية قريبة من حيّنا (في شارع الزاوية، جامع مولاي محمد) قررنا الرحيل، لم أعد قادرا على البقاء في طرابلس، فتركت عملي في الشركات الثلاث، واشتريت تذاكر سفر إلى بلغاريا – بلد أمي الأصلي – وسافر أنا وأمي إليها عام 2015.

سافرت من ليبيا إلى بلغاريا، وكانت إيلين حينها قد انتقلت لتوها إلى سنغافورة لتعمل كممرضة في مشفى مرموق. كان عملها مرهقا؛ وكنت فخورا بها فمهمتها كانت رعاية أطفال في حالات حرجة.

وفي بلغاريا كان الوضع الاقتصادي في ترد، لذا ذهبت للبحث عن فرص أفضل في دبي عام 2016، وبسبب تكلفة استئجار السكن الباهظة هناك تعيّن علي تقاسم المسكن الضيق مع عدد كبير من الأشخاص لأدخر بعض المال. كان الوضع مزريا للغاية بسبب تزاحمنا، وكنت أتجنب المكوث في الغرفة إلا وقت النوم. كان علي العمل لساعات طويلة، وبسبب وضع المكان الذي كنت أعيش فيه لم أستطع الحديث مع إيلين دون وجود عشرات من العيون والآذان المحيطة بي.

في تلك الفترة بدأنا نفكر في ضرورة تكوين أسرة، فصرنا نبحث الخيارات المتاحة: بسبب الحرب في ليبيا لم تكن العودة إليها خيارا واردا؛ ولم تكن الفلبين المكان المثالي للادخار؛ أما بلغاريا فكانت فتواجه صعوبات اقتصادية وتختلف ثقافيا عما اعتادته إيلين؛ وفي الإمارات يستحيل الحصول على الجنسية؛ وبالنسبة لسنغافورة هناك الكثير من العقبات القانونية التي تحول دون استقراري فيها. لذا رأيت أنه كان من الأفضل لي العودة إلى بلغاريا، وهكذا كان عام 2017.

كنت أعمل في العاصمة صوفيا، وأعيش في بلدة أخرى؛ استيقظ في السادسة لألحق بالحافلة في السابعة، وأعود للبيت نحو العاشرة مساء كل يوم. كل هذا أضاف عبئا على تواصلنا، فضلا عن فرق التوقيت ومحاولة إيجاد وقت للتواصل بين نوبات عملنا المختلفة. احتاجت علاقتنا بذل جهدا مستمر، وكنا نتحدث بالفيديو خلال فترات الراحة بين العمل وأثناء الذهاب للعمل والعودة منه. وخلال السنوات التي أمضيتها مع إيلين، تبادلنا أكثر من مليون رسالة على فيسبوك، ودخلنا بمشادات لا حصر لها وخلافات وقضايا وصعوبات، ومع ذلك استمر الحب وتغلب على كل ذلك؛ فهو ذاك الخيط الرفيع الذي يبقيك مستمرا. كانت لحظات السعادة القصيرة بيني وبين إيلين هي ما أحدثت كل الفارق.

بعد كل هذه السنوات أدركت أن العلاقة عن بعد تأتي بتحديات جمة؛ كانت أحيانا الغيرة تستبد بنا، وخبرنا الوحدة لسنين، وكان البعد صعبا، أصعب من أي شيء يمكن تخيله، ناهيك عن صعوبة التواصل، وعدم القدرة على رؤية أحدنا الآخر أو حتى إرسال رسالة بسبب سوء خطوط الإنترنت - ما جعلنا نكاد نجن أحيانا. ولكن بعد كل هذه السنوات مع إيلين، عشرة منها أمضيناها خلف الشاشات، اجتازت علاقتنا المحك الأصعب وأدركنا أن لا غني لأحدنا عن الآخر.

فريق العمل:

المدونون والمدونات:

أمل خليف - تونس
إيمان خطاب - مصر
ريم خميس - سوريا
كريم المنتصر - ليبيا
ليث - الأردن

رسوم: كرستينا عتيق
إعداد: ألمى حسون، محررة شؤون المرأة
رئيسة التحرير: مي نعمان