"الطابق الثالث"

ألمى حسون – محررة شؤون المرأة

لم أفكر أن أكتب عن أمور تخصني منذ زمن؛ لم يكن هناك داع فلأكثر من عشر سنوات كان عملي يقتضي دائما أن أحاول قص حكايات الآخرين بطريقة شيقة ـ لا حكاياتي. لكني اليوم أتواصل مع نساء لا نعرف عن بعضنا شيئا ـ إلا أصواتنا عبر الهاتف، وأفكارا نناقشها عبر فايبر أو واتساب، وصورنا على فيسبوك ـ وأدعوهن للكتابة في هذه المدونة ومشاركة أجزاء من حياتهن الشخصية مع ناس لن يلتقوا بهم أبدا، فكان علي أن أبدأ بالتدوين عني أنا أيضا.

لأكثر من أسبوع أحاول اختيار المكان أو الموقف الذي أستطيع منه أن أبدأ؛ دمشق كانت أول وأسهل ما خطر على بالي كونها المدينة التي عشت فيها طوال حياتي حتى غادرتها عام ٢٠١٣ عندما حصلت على منحة دراسية لبرنامج ماجستير في لندن. لكن المدينة صارت أكثر من مجرد ذكريات، هي أعقد من ذلك بكثير وتحتاج لأكثر مما تسمح به مدونة صغيرة، أما لندن فلا أزال أتعرف عليها.

شعرت براحة كبيرة لفكرة أن أكتب عن المكان الذي أمضي فيه عشر ساعات في اليوم: الطابق الثالث في مبنى بي بي سي في لندن.

@BBC\/Natalia Zuo

@BBC/Natalia Zuo

لأصل إلى الطابق الثالث أحتاج ساعة على الأقل أنتقل فيها من قطار (نادرا ما أنجح في سباق الحصول على مقعد فيه) إلى ميترو الأنفاق لأمشي بعدها إلى مبنى بي بي سي الذي حصل على شكل حرف U بعد توسيع البناء الذي كان قد قصف خلال الحرب العالمية الثانية. غريبة جدا علاقات الركاب الأنيقين هنا؛ لم أتخلص بعد من عادة أن أتوقع أن يعطيني رجل ما مقعده فقط لأني امرأة، هنا تحتاج المرأة أن تستلم عبر البريد مغلفا رسميا من شركة النقل يحوي دبوسا مكتوب عليه "حامل" تعلقه على ثيابها على نحو بارز ليعرض عليها شخص جالس مقعده.
علاقات البشر تسير على نحو منظم ودقيق جدا هنا.

يبدأ عملي في الثامنة صباحا قبل أن تبدأ الشمس عملها، وتختفي متعة المشي في شوارع لندن الرطبة والتي لم تفتح محلاتها بعد فور وصولي إلى المكتب الذي يذكرني ببقعة زيت بفعل تأثير أضواء الإنارة الصفراء عليه؛ الأضواء ذاتها التي تجعل الإحساس في المكتب الساعة ٨ صباحا لا يختلف أبدا عما هو عليه ٨ مساء. من هذا المكتب بدأت عملي الجديد قبل أشهر قليلة "محررة شؤون المرأة في بي بي سي عربي"، أو كما يقول أصدقائي ضاحكين "محررة المرأة".

تكتب صديقة في الأردن وأخرى في إستونيا على فيسبوك عند خطوبة كل منهما جملة شبه متطابقة تعليقا على صورة تظهر خاتميهما الجديدين: "شعور جميل أن نكون معا، مفاجأة لم أتوقع يوما أن أحصل عليها" ـ يشبه هذا كثيرا شعوري تجاه هذا العمل الجديد. (متأكدة أن تعليقي هذا لن يعجب أختي الكبرى).

أكثر من يعمل في الطابق الثالث ـ وهو مركز غرفة الأخبار ـ رجال أمضى كثير منهم جزءا كبيرا من عمره في هذا المكان؛ بعضهم مثلي جاء صدفة من بلده الذي ضربه العنف قبل سنين وظن أن إقامته بعيدا ستكون مؤقتة. كثير من زملائي يدعمني بوضوح، لكني لا أعرف بماذا يفكرون بخصوص عملي الجديد الذي لم يكن موجودا قبل أشهر. أحدهم قالي لي مرة بمرح إن علي الحذر من الخلط بين أن أكون ناشطة في مجال حقوق المرأة وبين حقيقة كوني صحفية.

أنا نفسي لا أزال أفكر كثيرا بما يجب علي القيام به، وهذه المدونة واحدة من المشاريع التي بدأت العمل عليها لكنها تسبب لي كثيرا من الضغط والتوتر. فمثلا، عندما أعيد قراءة ما كتبت هنا أشعر وكأني أقرأ نصا مترجما بسبب التفاصيل التي أذكرها بحكم حياتي الجديدة هنا في بلد "غربي" مشاكله مختلفة كثيرا عن نوع "مشاكلنا". عندما كنت هناك، كتبت مرة أثناء عملي القصير مع اليونيسف عن امرأة لم يكن أمامها إلا أن تلد بين الشجر بعد هربها مع جيرانها وعائلتها من إحدى المعارك قرب حمص. لا أزال أحتفظ بصورة تلك الطفلة الحمصية وعمرها أيام: ولدت تحت شجرة لوز في صيف ٢٠١٣.

أحقا أكتب عن "دبوس المرأة الحامل" اليوم؟ هذا تماما ما أخشاه، أن تصبح هذه المدونة مكانا لجمع نصوص مكتوبة باللغة العربية حول قضايا ومواضيع غريبة عما تمر به فعلا غالبية النساء في حياتهن اليومية. وأخشى أن نركز على كثير من المواضيع النظرية والنخبوية التي قد تكون بعيدة عن كثير من النساء. لذا أحاول التواصل مع نساء من مدن ومناطق متنوعة ليكتبن عما يمررن به، أجمع مقترحاتهن وآراءهن وبعدها كل ما أقوم به هو اختيار عنوان موضوع يجمع عددا من المقترحات.

المدونة الأولى كانت "أنا ومدينتي"، أما هذه فهي عن "علامات"؛ خمس نساء يكتبن، تعرضت ثلاث منهن لما تعرضن له من عنف روحي وجسدي فقط بسبب كونهن نساء

سأتابع العمل على المواضيع الصحفية بالطريقة المعتادة طبعا وسأكتب عن إنجازات وتحديات تمر بها النساء، لكن الهدف من هذه المدونة ـ التي أحاول أن تكون دورية ـ أن تكتب النساء بأسلوبهن ـ بأي أسلوب ـ عن آرائهن ومواقف تعرضن لها لنعرف بعضنا أكثر. وسأعمل تدريجيا على تنويع المشاركين بحيث لا يقتصر الكتاب على النساء أو على ذوي الجنسيات العربية فقط. عندما أرسلت لي سمارة تدوينتها التي تنشر هنا، كتبت في رسالتها الكترونية: "النص مرفق، كان مؤسف وأنا بكتب.. بتمنى يوصل شعور ما بهاد النص". هذا ما أتمناه أيضا لكل النصوص.

"طبيبة القلوب"

خديجة عيسى – مقدمة برنامج تلفزيوني في الصومال

كان عمري أربع سنوات فقط عندما انهارت الحكومة المركزية في الصومال واندلعت حرب أهلية، لذا فالذكريات الوحيدة التي أحتفظ بها عن فترة طفولتي تدور حول الصراع العنيف الذي دمر البلد، وعن نزوح السكان، وسفك الدماء في كل مكان وتوق أهل بلدي للسلام.
سأخبركم عني وعن عملي في مجال التغيير الاجتماعي والمستمر منذ نحو 14 عاما –وهي نصف حياتي تقريبا.

عندما اندلعت الحرب الأهلية عام 1991، هربنا من بيتنا ورقدنا لأشهر في العراء تحت الأشجار دون مأوى يحمينا من المطر، ووجدنا أنفسنا مرات عدة عالقين بين عشيرتين متقاتلتين. أذكر جيدا كيف كنا نبيت أحيانا جائعين لأيام عدة وكيف كنا نضطر للمشي لأسابيع بحثا عن مكان آمن نختبئ فيه.

امرأة من الصومال، نازحة مع ابنها عام 2001
@GettyImages

امرأة من الصومال، نازحة مع ابنها عام 2001
@GettyImages

استمر صراعنا من أجل البقاء أكثر من عقد من الزمن، وطوال هذه الفترة كانت أكثر كلمة يرددها الناس بلغتنا المحلية: "ناباد" - أي السلام. سمعت الناس يرددون دائما "يا الله امنحنا السلام"، ورغم كوني طفلة حينها كنت دائما أسأل نفسي: لماذا الوصول إلى السلام هو أمر بغاية الصعوبة؟ كان كل ما أحلم به حينها هو أن نعود إلى منزلنا لآكل مرة أخرى البيض المسلوق المحلّى الذي كانت تعده أمي.

وعندما بلغت الرابعة عشر من عمري كنت قد اخترت مساري في هذه الحياة؛ أردت أن أكون جزءا من عملية إعادة السلام إلى الصومال. لم يكن هناك وصفة سريعة للنجاح في هذه المهمة، لكني كنت محظوظة لتمكني من حضور تدريبات تتعلق بالتوعية وتقديم الاستشارة حول الصدمات النفسية؛ حيث وجهت هذه التدريبات اهتمامي هذه المرة نحو العمل في مجال "المداواة الاجتماعية" بدلا من عملية بناء السلام.

مئات الناس يقتلون في مقديشو، وتهدم الممتلكات في تفجيرات دامية تستهدف قلب المدينة، وتؤثر هذه الهجمات على حياة آلاف الناس بشكل مباشر وغير مباشر. وبعد كل هجوم يبذل الناس ما بوسعهم لإسعاف الجرحى مباشرة إلى المشافي، وتنظيف منطقة التفجير، وجمع أشلاء القتلى. صحيح أننا نستطيع رؤية الآثار المروعة للهجوم على الأبنية المجاورة والطرقات والأشجار، لكن كل هذا لا يعدو كونه أمرا ثانويا إذا ماقارناه بتأثير هذه الأعمال الإرهابية على أرواح الناس وعقولهم ومشاعرهم.

لكن - للأسف - لاوجود لمنظومة دعم تساعد على معالجة هذا الدمار النفسي الذي يتبع أي هجوم، ولذا أعتقد أن إنشاء مركز معالجة نفسية في مقديشو يجب أن يوضع على قمة أولوياتنا.

مقديشو 2012
@Getty Imges

مقديشو 2012

@Getty Imges

وبحكم كوني امرأة تعمل في مجال الاستشارة النفسية في الصومال تتملكني مشاعرمختلطة تجمع ما بين الشعور بضرورة تحدي الصعوبات طوال الوقت، والشعور بالرضا في الوقت ذاته؛ فأنا محاطة دائما بناس ذوي قلوب محطمة يعانون من خسارة أحبائهم أو من تعقيدات سببها حالات الاكتئاب التي يعيشونها، لكني أشعر بألم كبير عندما لا أتمكن من المساعدة في التخفيف من ألمهم. ومع ذلك، أشعر بالرضا كوني أبذل ما بوسعي لتقديم المساعدة.

وبالمناسبة، أنا أيضا مصابة بجروح على المستوى العاطفي كما أني أعاني أحيانا مما يسمى بـ "وهن التعاطف" مع الناس المتضررين، أو من صدمة من الدرجة الثانية.

إحدى المعوقات التي نواجهها – نحن الذين نسعى لإحداث التغيير - هي أننا مستهدفون من قبل أعداء مجهولين بسبب العمل الذي نؤديه، لهذا السبب فإن عائلتي قلقة دائمة على سلامتي، حتى أن أهلي يفضلون رؤيتي جالسة في البيت بدل رؤيتي محط الأنظار أثناء أدائي عملي.

وطبعا لست وحدي من تضع حياتها في خطر؛ فنساء مقديشو اللاتي أصبحن معيلات عائلاتهن يواجهن تحديات جمة؛ فغالبية ضحايا التفجيرات هن من النساء لأن النسبة الأكبر من أصحاب المشاريع الصغيرة في الشارع هم من هذه الفئة. وإلى جانب التفجيرات، تعاني النساء - مثل باقي الصوماليين - من البطالة ومشاكل اقتصادية وعائلية وغياب منظومة الدعم الاجتماعي، وهذه الأمور كلها تسهم في عدم استقرارالبلاد.

معروف عن المجتمع الصومالي أنه قادر على التكيف مع الظروف الصعبة والتحديات؛ فالناس هنا يساندون بعضهم البعض ويتشاركون الأحزان، وبفضل إيمانهم الراسخ بالله يجتازون الصعاب سوية وبعزيمة.

خديجة بعدسة أختها إسترلين عيسى\/ 2018
@Istarlin Isse

خديجة بعدسة أختها إسترلين عيسى/ 2018
@Istarlin Isse

لكن النزاعات والعنف جزء متأصل من الحياة في الصومال. أعتقد أن كبار قادة البلد وسياسييها لايزالون عالقين في دوائر العنف هذه، حتى أن هؤلاء القادة وصانعي القرار قد يكونون متأثرين بصدمات نفسية كانوا قد تعرضوا لها في الماضي. وبسبب الظلم الذي ارتكب بحق الناس وبسبب الجراح التي لم تلتئم فإننا لا نزال ندور في دوامات من العنف - أعتقد أنّ هذا هو السبب الرئيس لتدهور الوضع الأمني في الصومال.

(التدوينة مترجمة عن نص كتب لبي بي سي بالإنجليزية

"الأرض، والسماء، والبضاعة"

قضت مغربيتان هذا الشهر أثناء تدافع حشود من النساء يحملن على ظهورهن رزما ثقيلة عند معبر في مدينة سبتة يتم عبره تهريب بضائع؛ وهذا ليس أول حادث من هذا النوع. في شهر آب/ أغسطس الماضي، وإثر تقرير عن هذه ظاهرة ما يعرف بـ"ممتهنات التهريب المعيشي" في شمال المغرب، تواصلت مع أحد أعضاء جمعية حقوقية محلية أثناء تواجده في معبر ترخال 2 وساعدني لأتحدث عبر الهاتف مع امرأة لم تذكر اسمها لي. التدوينة هذه هي نقل شبه كامل لما قالته لي المرأة عبر الهاتف بعد أن غيرت فقط في ترتيب الأجوبة.

أنا الآن في الجمارك في (مدينة) سبتة. لم أتخيل أبدا أن أكون بهذا الوضع؛ فلقد كنت شابة متعلمة وطموحة لكن الظروف أودت بي إلى هذه الحالة؛ فزوجي لم يكن مدمن مخدرات بل كانت حالته المادية جيدة.. كان صاحب محل وبائع سمك، تعاطيه المخدرات هو ما جعلني أكون هنا فمكاني الحقيقي هو منزلي بجانب أطفالي.

@Getty Images
 - 2005

@Getty Images - 2005

أنا أم لطفلين، وزوجي مريض يتعاطى المخدرات والهرويين، وأنا حاليا أبحث له عن مصحة للعلاج فهو يريد الإقلاع عن المخدرات فهو يرى ما يحدث له ويخشى على مصيرأطفاله. يريد العودة للحياة وللعمل ولكن ليس هناك مساعدات من طرف الدولة او أي جهة، ليس هناك من يساندك و يقف معك إلا الله سبحانه، لذا فأنا أناضل من أجل أطفالي حتى يكبروا فأنا أصر على تعليمهم، وأتعرض لكل هذه الإهانة من أجلهم.

أقوم صباحا الساعة 7 والنصف لرعاية أطفالي وإعدادهم للذاهب إلى المدرسة، أعد الفطور وبعد ذلك أجهز وجبة الغداء وأطمئن على الجميع ثم أحمل حقيبتي وأتوجه إلى العمل. أرجع إلى البيت 9 أو 10 مساء، ومرات كثيرة أقضي الليل هناك حتى الصبح؛ إن أطلق موظفو الجمارك البضائع انتهى الأمر وعدنا إلى ديارنا، وإن لم يفعلوا ذلك علينا أن ننتظر.

عند دخول سبتة تشعرين وكأنك في ملهى ليلي؛ ما إن تضعي قدميك حتى تسمعي ألفاظا بذيئة وسوقية وكلام الشارع.

هناك تجار كبار عندهم بضاعة يقومون بتوزيعها على الحمالين فنقوم بتحمليها على الظهر والمشي والعودة للمغرب. نحمل 124 إلى 130 كيلوغراما على ظهورنا نصعد بها إلى الجبل مسافة طويلة وهناك الشرطة الإسبانية والمغربية من كل الجهات تضرب وتشتم وكأننا حيوانات حتى نصل ونسلم السلعة ونقبض أجورنا ونذهب.

@Getty Images -
 2014

@Getty Images - 2014

ليس هناك وقت محدد للشغل؛ فربما لا يسمح لنا بالعبور فنقضي ليلة كاملة في الشارع، لا ننام حرصا على بضاعتنا إلى حين أن يقولوا لنا إنهم سمحوا لنا بالمرور من الجمارك ويمكننا المغارة والعودة للمغرب، أما إذا لم يسمح لنا العبور بالسلعة، يتم أخد كل السلع بالقوة والعنف لأنها غير قانونية وتسمى مهربة.

الأجر نأخذه حسب وضع السلعة فهي كالبورصة؛ يوم يكون سعرها مرتفعا ويوم آخر يكون منخفضا؛ فقد تعادل مرة 50 درهما أو 100 وقد تصل في حين آخر إلى 400 أو 500 درهم.
نحمل معنا ملابس وأحذية وأغطية وكذلك حقائب مدرسية للأطفال وأشياء كثيرة.

كثيرا لا ننام في الشارع حيث هناك فقط الأرض والسماء والبضاعة. ليس هناك أي مكان نختبئ فيه؛ البحر أمامنا والشارع والشرطة (من خلفنا) ولا نستطيع أن نعمل شيء؛ لا حول ولا قوة لنا.
دخلت اليوم إلى سبتة لكن بمشقة كبيرة؛ فالإسبان لا يتركونا ندخل بسهولة، فعندما نعطيهم جواز السفر يقولون "لن نسمح لكم بالمرور إلا إذا كان عندكم إقامة إسبانية، أو ورقة مرور للأراضي الإسبانية"؛ فكل من لديه هذه الوثائق أموره تكون سهلة، أما نحن الذين نركض وراء لقمة العيش وعيش أولادنا لا ندخل المدينة إلا بمشقة.

حين ندخل سبتة علينا الحصول على السلع وربطها وتحميلها، وعند المغادرة يقوم الإسبان بصف الكل على شكل رتل واحد طويل ويقومون بدفعنا وضربنا من هنا وهناك بعض النساء تصاب في الرأس من العصا الكبيرة من طرف الشرطة حتى تنزف، وهناك من تكسر رجلها وأخرى يدها. دائما هناك سيارة إسعاف تحمل مصابين.

لا يوجد لدي عمل آخر؛ اشتغلت من فترة في محل لبيع المأكولات السريعة لكني لم أحظ بمعاملة جيدة، كما أن الأجر كان بسيطا جدا؛ المعيشة في مدينة تطوان غالية جدا لأنها مدينة سياحية - مدينة تتطلب مصاريف عالية جدا وهي مخصصة فقط للناس ميسورة الحال والغنية كوجهة لقضاء عطلهم الصيفية، أما بالنسبة للدراويش مثلنا فكل شيء غالي.

صحيح أني أتعب (من عملي بالتهريب) وأبذل جهدا كبيرا، لكننا (في آخر اليوم) نأخذ أجورنا بذل وإهانة وتعب.

في منطقة الشمال - وبالأخص مدينة تطوان - لا يوجد كثير من الشركات أو المعامل لذا ليس لدينا شغل. هناك فنادق لكنها توظف فقط ذوي الشهادات والشباب والشابات الأصغر سنا، أما نحن – جيل الأربعين وما فوق والذين ليس لدينا شهادات - فلا مكان لنا بينهم. هناك دائما إهانات وألفاظ بذيئة حتى بحق نساء كبيرات في السن يهن بألفاظ خادشه للحياء.. إهانات وشتم وتطاول باليد. نشعر بالذل بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

هذا هو الذل.

معبر ترخال 2 عند مدينة سبتة
@GettyImages

معبر ترخال 2 عند مدينة سبتة
@GettyImages

ليس لدي ما أقوله أكثر فنحن نتعرض لذل من طرف الشرطة المغربية على الحدود وكذلك الإسبان ونحن في الوسط مثل الحيوانات.

الحل يكون بتنظيم العبور إلى سبتة والخروج منها، الكل هنا يشتغل بفوضى (...) كما أن الرشوة عنصر مهم فإذا قدمت المال الأمور ستكون سلسة وسهلة.

أهلي يتأسفون كثيرا لوضعي ولتعبي يقولون لي إني أتعب كثيرا كما أنهم يشاهدون الأخبار لما يحدث للنساء خاصة اللواتي يتوفين بسبب الوضع المزري.

"باسبور فضائي"

سمارة سلّام - فنانة بصرية
المشهد هو غرفة صغيرة، بلا نوافذ أو منافذ تهوية كل شيء مغلق بإحكام، هناك مغسلة ومرآة مصنوعة من الألمنيوم كثيرة الانحناءات حيث ترى نفسك شبه آدمي. لا تستطيع أن تبصر أي شيء في المكان، الحقائق كلها مشوهة، السرير له رائحة عفونة وبقع من سوائل بشرية مختلفة الألوان.

المكان بارد وأنا متكورة في الزاوية أخاف مدّ ساقي فتأكل أصابعي المخاوف الوجودية تحت السرير. لم أستطع تبديل ملابسي أو خلعها، كنت مرهقة جدا وعندما حاولت النوم كنت أهلوس وأردد: كل هذا بسبب اسرائيل عندما طردتنا بداية منذ 48، رددتها طوال الليل، لم يكن لدي أي شيء آخر منطقي أفكر فيه يفسر معاناتي.

@Samara Sallam

@Samara Sallam

هذا كان مكان الاعتقال الثاني، خلال 17 ساعة اعتقال اختبرت ثلاثة أماكن مختلفة، اثنين في أقبية مطار باريس والثالث في محيطه، وفي كل مرة كنت أقف شبه عارية أمام التفتيش الدقيق لملامحي. كانت أشيائي وأمتعتي تُصنّف بدقة فيأكياس بلاستيكية مختلفة: سبعة خواتم فضية، عقد، هاتف خلوي، ثلاث عملات معدنية دنماركية من فئة ٥ كرون وست عملات من فئة ٢ كرون، بطاقة بنكية، بطاقة إقامة دنماركية، بطاقة فنان، بطاقة طبيب الأسنان، ثلاثة مفاتيح في حلقة معدنية وشريحة قفل الكترونية وكتاب باللغة العربية..إلخ.

رغم أنيّ كنت أقف متفرجة شبه عارية أمام عملية إحصاء تفاصيلي الشخصية، إلا أني كنت أبتسم، حينما كان على الشرطية أن تخوض البحث في ملابسي الداخلية، شيء ما جعلني أشعر بالفخر بأنثويتي المسلوبة أمام شرطيتين معدومتي الإحساس.

حِينَ أمسك الشرطي جواز سفري الدنماركي المعنون «Alien passport» بدأ يصرخ باتجاه الكابينة المقابلة مخاطبا شرطيا آخر: «ماهذا؟ماذا يعني هذا؟» عشتُ في الجزائر ثلاث سنوات وهناك تعلمت الفرنسية، خاصة الشتائم التي كان يتمتم بها الشرطي في طريقه إلى رئيس الأمن.

@Samara Sallam

@Samara Sallam

في الجزائر تقضي أغلب الوقت في محاولة فهم ما صنعه الفرنسيون هناك، أين يبدأ عمق الجزائر وأين ينتهي اضطراب الهوية، مفهوم الغريب الذي كان له معاني متعددة تتواطأ دائمًا مع سياسة فرنسا وحدها. من هو الغريب؟عندما تتكلم العربية أو الفرنسية في الجزائر لن تكون غريبا، الفرنسيون ليسوا غرباء هناك، مئة وثلاثين عاما من العنف ليمنحوا أنفسهم بطاقة عبور تخترق مفهوم الغريب.

في مساحة الاعتقال الأولى غرفة صغيرة مع هاتف في وسط الجدار، وعلى الجدران الأربعة كنت أحصي أسماء مدن جزائرية، لم يكن منطقيا بالنسبة لي أن يسجن جزائري في هذا المكان ويكتب ذكرى اسمه دون اسم منطقته. حِينَ تكون مرفوضًا تبحث بعمق عن انتمائك تعويضا لخسارتك، وعندما تهان تفكر باسم المكان الذي لا يهينك أو يهينك أقل. أنا لم أنتمِ إلى أي مكان. أنا الغريبة في كل مكان. وأسماء كل الجزائريين في ذلك المكان كانت تؤسس لأُلفة غريبة ومواساة ما. لذلك رفضت التكلّم بالفرنسية، وأحضروا لي مترجما عربيا ولكني أصررتُ أن أتكلم الإنجليزية حرصًا مني على إثارة عجزهم الدائم عن تكلم الانجليزية.. لنكن جميعا غرباء.. في النهاية الشيء الوحيد الذي قلته هو كلمة «دمشق» عندما سألوني عن مكان ولادتي. وهذا كان كل شيء، الجواب الأول والأخير.

في اللحظات الأولى كنت أفكر كيف أنني خلال ثوانٍ تحولت من شخص حر إلى شخص معدوم، خارج الزمان والمكان، لم أكن في فرنسا لأنهم منعوني من الدخول ولم أكن خارجها أيضا، كان هاجس الوقت يسيطر عليّ، لم أكن أشعر بالوقت وكل شيء يبدو متشابها، الزمن يختفي في هذه الأمكنة، يصبح لزجا، يتقلص، يزحف أو يتمدد، النتيجة واحدة وكل شيء مهين ابتداء من تلفظي بكلمة دمشق ولاحقا عندما جُرجرتُ كإرهابية صغيرة مع ثلاثة عناصر أمن إلى مقعدي في الطائرة المتجهة إلى كوبنهاغن.

لم أكن افكر بالاعتقال بحد ذاته، ولا بالإهانات التي انهالت علي في كل ثانية ولا بالتعب الجسدي والجوع .. كنت للحظة أسأل نفسي: ما هو حجم خسارتي هنا؟ ماذا يعني أن أحصل على إقامة من دولة أوربية وأقف أمام حدود دولة أخرى وأعامل بسوء وتمييز وأجبر على العودة؟ سأبدأ من تسمية ذلك بالعنصرية.

@Samara Sallam

@Samara Sallam

عندما وصلت إلى كوبنهاغن كان هناك شرطي ينتظر أمام باب الطائرة، قلت له: مرحبا. رد قائلاً: أهلا ولكني مشغول أبحث عن شخص ما. ضحكت وأنا أقول له: أعلم، أنا.

كان يحمل أوراقي الثبوتية وطلب مني توضيح ما حصل، وفعلت. أعتقد أن مشكلتي الحقيقية تبدأ هنا في هذه الحكاية، أخبرني أن ما حدث غير منطقي ويجب أن أقدم شكوى للسفارة الفرنسية في كوبنهاغن. مرة أخرى: ما هو حجم خسارتي؟

في السفارة الفرنسية أخبروني أن تقديم الشكاوى ليس من اختصاص السفارة. من أنا ؟ .. سألني. أنا لا أحد، أتعرض للعنصرية، للإهانة ولسلب حريتي لأني لا أحد. هل مجهودي في البحث عن حياة أقل بؤساً هي محاولات مجوفة إلى الأبد؟ سأبقى دائماً مصبوغة بحرية منقوصة، بسكاكين الانتماء تطعن في ماهية وجودي: من أنا؟ من هم؟ من نحن؟

اغتراب "أمنية"

أمنية ابراهيم - مُدونة وصانعة أفلام مُستقلة

يراني من حوْلي أتحرك هنا وهناك ولا أتركُ لنفسي فرصة لالتقاط أنفاسي، يظنونه نشاطًا مبالغًا فيه، ويستنكرونه عليّ، لا يعلمون حقيقةَ أنني أسابق العُمر والحياةَ كي أصل... أصِلُ لنفسي، جسدي، ولوطنٍ أغرس فيه جذوري فلا أكون مُنتميةً إليه بالأوراق الرسمية فقط.

نشأتُ على مرارة الغُربة، وأن ليْست لي هُوية ولا انتماء، ورغم كون عائلتي على قدرٍ كبير من التعليم، إلا أن هذا لم يُغيّر واقع أنها كانت تحرص في كل مناسبة أن تُفقدني طريقي لذاتي؛ فكأيّ أسرةٍ عتيدة تنتمي لـ "مجتمعٍ ذكوري" جائر أكملت أسرتي الطريق في اتّباع كل عُرفٍ وتقليد بغض النظر عن كونه مفيد أومضر ودون الاهتمام بتأثيره عليّ.

ففي نظرهم كوْني فتاة يعني وجوب تغطيتي عن الأعيُن، مقتنعين أن ملامحي الطفولية تُطمع الرجال بي، فتعلّمت أن أتغرّب عن جسدي وأن أُخبّئه وراء الملابس الفضفاضة وحجابٍ أُجبرت على ارتدائه، ولكن رغم ذلك كان هناك ألفُ سبب لكي يتم التحرّش بي، وضربي وإهانة إنسانيّتي.. دائمًا هناك سبب !.

أمنية بعمر الـ9 تقريبا
@Omnia Ibrahim

أمنية بعمر الـ9 تقريبا
@Omnia Ibrahim

ومع بلوغي الحادية عشر، وخلال إحدى إجازاتي المدرسية - والتي كانوا يصرّون على قضائها مع أهلهم في مصر - خانوا ثقتي بهم وسمحوا لأشخاص لا أعرفهم ولا يعرفونني باستباحتي باسم الختان، مجبرين إيّاي على فتح ما بين ساقي، مُقطّعين جزءً من جسدي ليتأكدوا جميعًا أنني سأكون فتاة صالحة "باردة" لا تشتهي الجنس و"قلة الأدب"، فتركوني بيْن دمائي وجرحٍ غائر بروحي، غيْر مُصدقةٍ أن هناك مَن يملك قلبًا من حجر لا يلين تحت صرخاتي.

عرفتُ حينها أن ما حدث كان فقط لأنّي فتاة، فكرهتُ أني خُلقت أنثى، وفي كل لحظةٍ كان جسدي يتغيّر وينضج مؤكدًا تلك الحقيقة؛ كنتُ بـِ غلّ أتعمّد إحداث جروح وتشوّهات في جسدي كارهةً هيئته راغبةً ألاّ أكون أنثى، وبعدما أعيتني محاولاتي لطلب المساعدة من عائلتي بلا فائدة كونهم يعيشون حالة من الإنكار والخوف من الفضائح؛ وجدت نفسي وحيدةً عاجزة تمامًا أبكي مُتمنيةً أن ينتهى كل هذا العذاب.

لذا كانت المرآة عدوّتي اللدودة فلم أقرَبها طوال أعوامي الثلاثين، غير مميزةٍ للون عينيّ أو متعرفة على ملامحي، فأنا دومًا غيْرُ مُطابقةً لمعايير كل منحولي، ولا أرقى لإعجابهم على أية حال.
حُرمت من أبسط حقوقي كإنسانة لها حرية التصرّف بجسدها ومشاعرها أو الشكل الذي ترغب أن تكون عليه، وأشياءٌ أخرى كالوقوع في الحُب ومشاركة حياتي مع رفيق درب، بل وغدتْ فكرة أن أحظى بعلاقات إنسانيّة غير مُهينة أو مُسمّمة حلمًا بعيد المنال. كرهتُ جوعي الدائم للحنان والمحبة والقبول، يُحاصرني على الدوام ذاك الشعورالخانق بأنني لا أستحق غير السوء، وأني غير كافية لكل مَن عرفتهم، فيُمكن استبدالي في أقرب فرصة.

لتكتمل غُربتي كنت أتنقل مرارًا بين البُلدان والمدن والبيوت، ورغم اعتباري محظوظةً من قِبل البعض كوْني كثيرة السفر أشعر أني مقسومةٌ كليُّا بين بلدين. لم أعرف لي يومًا مرسًى أو جذورا، ليس لي حق الطمأنينة بوطن أو ببيْت، فأعيش دومًا بمشاعر الغريب، مُتعلّمةً ألاّ أرتبط بالأرض أو الأماكن أو الأشخاص، فكلّهم لا بدّ يومًا ما راحلون.

ففي الدولة العربية التي وُلدت فيها وعشت عُمري عاملوني دائمًا كغريبة لمجرد أن جواز سفري مصري، بيْنما كان عقد عمل والدي هو السبب الوحيد بنظرهم لوجودي، وبمجرد انتهائه بوصول أبي لسن التقاعد أُجبرنا على العودة لمصر، لأجد نفسي من جديد غريبة أينما كُنت، وهذه المرة بين أناسٍ لم أُشاركهم الحياة والذكريات، بل إن لهجتي تبدو لهم غير مصرية بشكلٍ كافي، فأصبح من المعتاد سؤالي " هوّ إنتي مصرية؟"

@Omnia Ibrahim

@Omnia Ibrahim

لذا راغبةً أن أكون أنا بنفسي المَرسى والوتد لحياتي، سِرتُ في كل الاتجاهات، وطرقتُ كل الأبواب، وزرتُ الأطباء والمعالجين النفسيين ليظهر أخيرًا الشط من بعيد، لأبدأ في اعتياد سماع اسمي بلا فزع، وألاّ أبكي عند سماعي صوتي، بل وأقرر الوقوف أمام المرآة حتى وإن جعلني ذلك أرتعد، فلأول مرة منذ سنين لم أعُد أرانى عبْرَ انعكاستها ذاك الكائن الهُلامي غيْر واضح المعالم.

بل إنني أعدت استكشاف الشجاعة في نفسي، حينما أُتيحت لي فرصة الوقوف أمام الكاميرا لتصوير فيلمين وثائقيين؛ حكيت فيهم بصوتٍ عالٍ عن أوجاعي وأفكاري ومشاعري التي أُجبرتُ على كبتها في مجتمع يأبى سماع أصواتنا، فكان فيلمي "أمنية" هو الضوء الذي يُبدّد الظُلمات ليدلّني على الطريق، ومنه قررت ألاّ أكتفي بعشقي للسينما كـ فن، بل أن أتعلم صناعة الأفلام كيْ أكون صدًى لأصوات ونداءات مَن يعجزون عن التعبير عن أنفسهم، مستغلّةً تجاربي لأمنح المشاهدين نظرةً مختلفة عن الشائع والمُعتاد.

والآن وبعدما مرّ عليّ عام في القاهرة، ركزتُ جهودي خلاله على حضور ورش الدعم النفسي وورش صناعة السينما وغيرها، سأكمل طريقي بكل جهدي، في سبيل تجميع كل قطع البازل التي أدماني البحث عنها، لتعبّر عن نفسي الحقيقيّة.

"تحت المراقبة: صورنا وأجسادنا"

أسماء العبيدي - صحفية من تونس مقيمة في ألمانيا

النساء في تونس معتادات على ارتياد الحمّام العربي أسبوعيا، ولكن في مدينتي، مدينة الكاف بالشمال الغربي، كان الحمام عبارة عن ''أغورا'' (منتدى) اجتماعي لتقييم الأجساد: النحيفة يجب أن تأكل أكثر "فالرجال لا يحبون النحيفات ذوات العظام البارزة"؛ والبدينة عليها اتباع حمية أو التقليل من كميات الأكل "فالرجال يحبون اللحم الأبيض المتوسط'' لكن الإفراط ليس محبذا؛ والندبات يجب التخلص منها سريعا فهي "بشعة".

كان الكل - القريبات والجارات وحتى صديقات العائلة اللواتي لا تربطنا بهن علاقات وطيد - يعتقد أن له الحق في تقييم جسد الآخر وتعييره إن لزم الامر.

لست من هواة المقارنة بين النساء الشرقيات والغربيات وتعديد خصال العيش في بلد أوروبي يمنح النساء حريات كثيرة ويحترم اختياراتهن الجسدية والجمالية على نحو خاص، لكني أعترف أنني أحسد النساء هنا في ألمانيا لعدم تعرضهن لتلك الأسئلة التعيسة التي تسائل أحجامهن وتستبيح كرامتهن.

عرض أزياء في تونس عام 2013
@Getty Images

عرض أزياء في تونس عام 2013
@Getty Images

وصلت إلى ألمانيا منذ سنة ونصف لم أتعرض خلالها إلى سؤال واحد عن ''متى سأبدأ حمية غذائية'' أو عن قصة ندبات يحملها جسدي، لا أحد يذكرني بضرورة التخلي عن كيلوغرامات زائدة لإيجاد زوج مناسب، أو ضرورة ارتداء ملابس تخفي أجزاء "غير جميلة'' من جسدي لأن الفستان القصير يصبح "فاضحا" فقط عندما ترتديه ''البدينة".

خلال السبع والعشرين سنة التي قضيتها في وطني - تونس، أعترف أن جسدي كامرأة كان مستباحا من المجتمع، لا أقصد هنا بالضرورة العنف الذي نتعرض له والتحرش الذي يستبيح الجسد والنفس، لكن أيضا تلك التعليقات العقيمة التي تعتدي على خياراتنا الشخصية، وهي لا تقل خطورة عن العنف، تترك جراحا ترافقنا أحيانا مدى الحياة.

أحدهم علق تحت صورة من صوري على فيسبوك قبل أشهر، وكنت وقتها أضع حلقا في أنفي: ''تبدين و كأنك شيميل (متحولة جنسيا)''. أصابتني هستيريا من الضحك المرير. مررت على صور أخرى، بعضها لي وبعضها لصديقات وفتيات يضعن صورهن بكل تلقائية... العشرات والعشرات من التعليقات المحتقرة للنساء اللي تحمل عنفا شديدا واعتداء صارخا على حريتنا في وضع صورنا من دون قيود ولا رقابة.

في الماضي كنت أقضي الساعات أحيانا أمام المرأة لاختيار الملابس المناسبة التي لا تعرضني لمواقف مزعجة، فأتفادى الملابس القصيرة، وإن تجرأت ولبست فستانا قصيرا أحرص على التنقل في سيارة تاكسي. أعترف أن أفكاري النسوية لم تكن لتصمد أحيانا أمام ديكتاتورية الشارع.

في تونس، لم تسلم من السخرية تسريحة شعري ''الإفريقية'' كما يسميها البعض مِن مَن يعتقد أن تونس بلد يقع في قارة أوقيانوسيا!، وفي فترة الدراسة الثانوية كنت أتفادى الصعود في الباص العمومي، لأن البعض كان يتعمد شد ضفائري، كما فرضت المدارس والمعاهد الثانوية على الفتيات فقط ارتداء الميدعة (المريول المدرسي) لإخفاء"عوراتنا"، وتم نعتنا بأبشع الصفات في تلك الفترة العمرية الهشة؛ حيث تم استهداف أحجامنا وشكلنا الخارجي وملابسنا من قبل زملائنا في الدراسة، أو من ناس لا نعرفهم في الأماكن العامة، وأحيانا من قبل الأقارب.

الخطير في الأمر أن هذه الظواهر ليست فقط متفشية في الشارع أو في سياقات اجتماعية شاذة لا يؤخذ بها، بل يساهم الإعلام في تعزيز هذه الصور المزعجة حيث تقوم جل البرامج الإعلامية المحلية ببث فقرات فكاهية يقوم فيها شخص باستهداف النساء وأجسادهن، ولباسهن وحتى تسريحات شعرهن من أجل إضحاك الحضور والمتابعين. كل من يخرج عن السائد والمتعارف عنه يتم نعته/نعتها بأبشع الألفاظ ويصبح جسدها/جسده مستباحا لدى شعوب مواقع التواصل الاجتماعي التي تغذي هذا العنف اللفظي والنفسي الذي له أثر كرة الثلج.

@Asma Abidi

@Asma Abidi

لست الوحيدة التي تعرضت لتعيير جسدي، السيء في الأمر هو أن هذه الممارسة العنيفة ليست مجرّمة اجتماعيا، بل يقوم المجتمع بالتطبيع معها وكأنها أمر عادي أو حتى ''طريف''، لكن المفرح في الموضوع وجود أساليب عديدة لمقاومة التعيير الجسدي اليوم منها التشهير بالمعتدين أو التنديد المستمر بالمواد الإعلامية التي تروج هكذا خطاب عنيف.

اليوم لا تستغرق عملية استعدادي للخروج أكثر من بضع دقائق؛ فلا أحد هنا في ألمانيا سيلحقني بوابل من الكلمات النابية ولا أحد سيطلق على جسدي كلمات مهينة. جسدي هو حقا ملكي اليوم؛ فالمجتمع الذي أعيش فيه يجرًم كل أنواع الاعتداء على الأفراد والنساء خاصة، فالتحرش ليس شيئا عاديا والعنيفون منبوذون اجتماعيا.

في كتابها '' النساء والعار'' تقول ريني براون - وهي كاتبة أمريكية وأخصائية نفسية: ''الشجاعة معدية، وفي كل مرة نختار فيها التصرف بشجاعة، نجعل كل من حولنا أفضل قليلا والعالم أشجع قليلا".

أعتقد أيضا أن فعل المقاومة اليومية فعل معد أيضا، وتقوم هذه المقاومة على مواصلة ''الاختلاف'' وحب النفس والمؤازرة والتضامن النسوي في وجه كل من يرغمنا على الإحساس بالعار والخزي لمجرد أن أجسادنا مختلفة.
--------------

الآراء الواردة في هذه المدونة تعبر عن آراء كاتباتها لا عن رأي بي بي سي