"أنا ومدينتي"

مدونة بي بي سي عربي لقضايا النساء

أنا ومدينة الأبواب المغلقة... دمشق

زينة شهلا - صحفية مستقلة

"أنظر للمارة المتجهين نحوي، الرجال منهم والنساء. لا أستطيع أن أقرر إن كانت دمشق فعلاً قد تحولت لمدينة أنثوية، أم أن من أعرفهم هم فقط من قرروا الرحيل."

يتصل بي زوج إحدى صديقاتي ليخبرني برغبته في أن نحتفل "مفاجأة" بعيد ميلاد زوجته في منزلهما. أتحمس للفكرة. الاحتفالات مهما اختلفت مناسباتها باتت فرصة لنا ـ نحن الذين بقينا في دمشق ـ للقاء. تقع على عاتقي مهمة توجيه الدعوات، ويلتفت هو لإعداد قائمة الطعام.

بعد أيام، يعاود الاتصال بي. "كم صار عدد المدعوين؟ "أجيبه: "تقصد المدعوات. عشر. ولك شرف أن تكون مضيفنا والذكر الوحيد بيننا".

نجتمع. نحتفل. نلتقط الصور ونرسلها للمسافرين خارج البلاد.

"أليس من شباب في الاحتفال؟ تبدون وكأنكن في"كوكب زمردة"، أو غابة سحيقة للنساء الأمازونيات"، ترسل لي صديقة سافرت إلى فرنسا منذ حوالي ثلاثة أعوام تعليقا على الصور.

"كوكب زمردة" هو عنوان فقرة كانت مخصصة للفتيات فقط على قناة "سبيس تون" الكرتونية، التي كنا نشاهدها صغاراً.

أفكر في أنني لا أنتبه كثيراً لما يسمى "تغير التركيبة السكانية" في المجتمع السوري، لكنني حقاً أفتقد أصدقائي، الذكور منهم على الأخص، وحقاً تبدو الصور النسائية من حفل عيد الميلاد ذاك أو من مناسبات أخرى مشابهة، مضحكة بعض الشيء.

في العام 2010، ذكر تقرير إعلامي أن نسبة الإناث في سوريا انخفضت لتصبح حوالي 49 في المئة، واليوم يعلن مسؤول أن النسبة اقتربت من60 في المئة. كما تحدثت الأمم المتحدة عن انخفاض نسبة الجيل الشاب في سوريا.

كم شاباً بقي في سوريا اليوم؟ كم أنثى لكل ذكر وفقاً لذلك؟ وكم يفترض أن يبقى اليوم من العشرات من أصدقائي الذين رحلوا تباعاً خلال الأعوام الست المنصرمة، الذكور منهم والإناث؟

لا مزاج لي للحساب، لكن كثيرين يقولون إنه لكل سبع نساء رجل واحد، والبعض يزيد النسبة لتصبح لكل عشر رجل واحد. أرقام تخضع بالطبع لرغبة المحللين في المبالغة أو عدمها.

إحصائية أخرى تتحدث عن ارتفاع نسبة الفتيات غير المتزوجات في سوريا لتصل إلى 70 في المئة. أتذكر حملة انطلقت منذ أشهر عبر مواقع التواصل لتحث النساء على القبول بزوجة ثانية في العائلة أو ما يعرف بـ"الضرّة"، وذلك للضرورة التي يمليها واقعنا شبه الخالي من الذكور.

رغم أن حقيقة الحملة لم تتأكد، إلا أن الفكرة لم تبدو لنا بتلك الغرابة التي يمكن لأي شخص مقيم خارج البلاد أن يتخيلها.

منذ أشهر، انتشرت تصريحات على لسان القاضي الشرعي الأول بدمشق، يشجع فيها على الزواج الثاني لحل مشكلة غياب الذكور وتأخر زواج الفتيات. "الضرّة" ـ أو الزوجة الثانية ـ أصبحت فرصةجديدة للمزاح، ومطالبة صديقاتنا المتزوجات بتقبل هذه الفكرة، "في سبيل خدمة المجتمع".

نشبّه في بعض الأحيان رفاقنا الذكور القلائل بـ"هارون الرشيد". في ذاكرتنا ما يحكي عن ذلك الخليفة العباسي والجيش الجرار من "حريمه" اللواتي يقال إن عددهن بلغ أكثر من ألف، وعن رومانسيته وفحولته، وهو ما يدفعنا –تندراً - لتسمية كل ذكر يتواجد اليوم بين مجموعة من النساء في دمشق ـ وهي حوادث ماأكثرها ـ بهذا اللقب.

لكننا قد لا نتجرأ على إطلاق هذه التسميات أمام الصديقات والأصدقاء النسويين، داخل دمشق أو حتى عبر الواقع الافتراضي. ففي عالم النسويةوالجندرة، لا مكان لشخصيات تتفاخر برجولتها غير المبررة أو أنوثتها المستضعفة بقصدأو غير قصد. لكن، هل من مكان لمفاهيم النسوية في مدينة لم يعد فيها رجال؟

في جلساتنا النسائية، تُضحكنا تلك المفاهيم وتتحول لمادة للتندر. نسعى لعكسها، وللمطالبة بحقوق الرجال في عالمنا النسائي، حيث نعتقدبأنهم باتوا يشعرون وكأنهم أقلية "مستضعفة" تحتاج للحماية. نبحث عن كلمة بديلة عن النسوية. لا نقتنع بكلمة "رجولية"، ولا نصل لصيغة مناسبة.

كثيراً ما تنشر عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي صور ملتقطة داخل سوريا: فتيات محشورات ضمن باص نقل داخلي، ولعلّ الذكر الوحيد هو السائق.عشرات الفتيات أمام مدرجات كلية ما، أو في قاعة امتحان ما، وبالكاد يمكن للناظر أن يلمح وجوه بعض الشبان.

صور تشكّل مناسبة لأصدقاء مسافرين للاتصال بي من حين لآخر. "كيفك؟ كيف الشام؟ عنجد ما عد في شباب؟ عنجد عم تمشوا بالطريق وكلو بنات؟".أسئلة أجد الإجابة عنها غاية في السهولة والصعوبة في آن معاً.

كيف أنا اليوم؟

كيف هي دمشق؟ دمشق التي تعيش تفاصيل وألوان الحرب في كل زاوية منها.

لا زلت أحب السير في شوارعها. في أزقة الشعلان وشارع العابد والمهاجرين الضيقة، والتي تكاد أسطح منازلها تتهاوى فوق بعضها البعض.في حارات المدينة القديمة، رغم أنني أحس بغرابة السير فيها وحدي، دون عشرات الوجوه التي اعتادت مرافقتي.

أنظر للمارة المتجهين نحوي، الرجال منهم والنساء.لا أستطيع أن أقرر إن كانت دمشق فعلاً قد تحولت لمدينة أنثوية، أم أن من أعرفهم هم فقط من قرروا الرحيل.

أشعر بأن أولئك الذين لا زالوا يعيشون معي اليوم في دمشق أشبه بالكنز؛ عليّ صيانته والمحافظة عليه ونفض الغبار عنه من حين لآخر.

مَن مٍن أصدقائي سيرجع حتى لو انتهت الحرب؟

قلة منهم يخصصون بضعة أيام في السنة لزيارة مدينتنا الكئيبة. يلتقون بعائلاتهم ومعارفهم. يقارنون بين هذه الإجازة وسابقتها. تقنينا لكهرباء أفضل. الأسعار ارتفعت أو انخفضت قليلاً. الهاون يتساقط بكثافة أكبر من الصيف الماضي. لكن الإجازة سرعان ما تنتهي.

أخال نفسي وكأنني "ناطورة المفاتيح". أودعهم على أبواب المدينة. يوصونني بأن أنتبه إلى نفسي، وأعود لحراسة منازل المدينةالفارغة، بانتظار إجازاتهم القادمة.

عن عمان: مدينتي التي أحبها ولا تحبني

لارا - طالبة جامعية

"أعتبر نفسي محظوظة بعض الشيء لتصالحي مع ذاتي ومع مختلف الأدوار ألتي ألعبها يوميا. "

عمري أربع وعشرون عاما، أعمل في منظمة تدعم اللاجئين، وأكمل تعليمي الجامعي. أعيش في بلد أحبها؛ أحب أهلها و شوارعها بالأخص القديم منها كشوارع وسط البلد المزدحمة، وأعشق تفاصيلها: بيوتها الصغيرة، أبنيتها، ومشاريعها غير المنتهية،وابتسامات أهلها الطيبين. لكني على معرفة تامة أنها علاقة حب من طرف واحد.

أحب عمَان في أغلب حالاتها، ورغما عن كل عيوبها، ولا أفكر في الرحيل عنها أو أن أتخذ من الهروب حلا وذلك عكس كثير من شباب جيلي عامةً، ومجتمعي الصغير خاصة.

مدينتي قد تفخر بي، وعائلتي وأهل بلدي قد يساندونني عندما أكون ابنتهم المنتجة، متأملين ومتمنين لي النجاح والمستقبل اللامع اجتماعياً ومهنياً، ينتظرون أن أكون يوما ما باحثةً أحمل اسم بلدي أو ربما أستلم منصباً سياسيا مهما. لكن هذه العلاقة تتغير مع أول منعطف تُكشف فيه هويتي الحقيقية؛ فأنا فتاة من مجتمع ميم، أي أنني مثلية في الميول الجنسية.

في يومي المعتاد أعيش أكثر من حياة واحدة وأؤدي شخصيات عدة؛ فأستيقظ وأنا الفتاة الرضية التي تحترم عادات وتقاليد بيئتها، أرتدي ملابس لائقة لا تظهرالكثير، وأخفي علبة سجائري في الجيب الداخلي من حقيبتي. أغادر البيت بشخصية تلك الفتاة التي لا تقوى على رؤية خيبة أمل في عيني والدها، أو حزن يعتري ملامح وجه أمها ذات الوجه البشوش الذي يودعني لأخرج من بيتي مرتدية شخصيتي الثانية: الفتاةالقوية المبتسمة التي تتنتهز كل الفرص لتصل الى طموحاتها الشاهقة، متنقلة بين مكان العمل وصف الدراسة وبعدها إلى مسؤولياتي الاجتماعية المختلفة.

أنتهي من هذه المسؤوليات العديدة من تطوع في جمعية ما، إلى زيارة صديق أو أؤدي بعض الواجبات العائلية لأخلع بعدها أقنعتي المختلفة عندما أكون بصحبة أصدقائي الذين ائتمنتهم على سري هذا وائتمنوني بدورهم على أسرارهم المشابهة؛ فمعهم أكون على طبيعتي فنتكلم عن أي موضوع دون حدود أو قيود، نعبر عن ميولنا ومشاعرنا، ونتناقش ونختلف وفي معظم جلساتنا نشارك خططنا المستقبلية. أغلب أصدقائي ينوون الرحيل أو رحلوا بالفعل إما للعيش بعيدا عن الأنظار أو للبقاء مع حبيب من نفس الجنس تحت سقف واحد دون ضغوطات و بعيدا عن مجتمع لن يتقبل وجودهم.

أعتبر نفسي محظوظة بعض الشيء لتصالحي مع ذاتي ومع مختلف الأدوار ألتي ألعبها يوميا. لم يكن الطريق سهلا لأصل الى هذه المرحلة من الطمأنينة، لكنني بعد سنوات من الصراع الداخلي ورفضي لذاتي ولتلك الميول غير المفهومة أو المألوفة بالأخص لنفسي التي تبلغ اثني عشر عاما، آمنت بأن الله خالقي ذا الكمال ما كان ليحييني بهذا الشكل وبهذه الميول لو كان في ذلك نقص ما، فأنا مجرد خلق كامل الوصف من خلقه وأستحق أن أتقبل نفسي.

تقبلت نفسي، ولكني لن أفرض ذلك على والدي الذي لا يزال يعتقد بأن المثلية الجنسية مؤامرة غربية، ولن أفرض ميولي على مجتمعي الذي قد يلجأ للعنف ضدي، مجتمع يقتل بداعي الشرف ويقلل البعض من أفراده من شأن المرأة حتى اليوم.

أدرك تماما أن عالمنا ليس مثاليًّا؛ فاختلافاتنا تبعدنا بدل أن تقربنا، وتخلّفنا بدل أن تطورنا، وتجرد بعضنا من إنسانيته لتجعل من عالمنا غابة تضمن مكانًا للأقوياء، فهذا هو سر البقاء في شريعة الغاب. أنا اخترت التكيّف سلاحًاللبقاء، أردت السعادة فاخترت التأقلم. ليس ضعفا إنما سعيا وراء الأمان، فيعتريني شعور من الاطمئنان وأنا أرى ملامح الراحة على وجه أمي التي لا تعرف شيئا عن ميولي الجنسية، ويتجلى الفرح لدي عندما أخلع كل الأقنعة أمام أصدقائي الذين اتخذتهم ملاذا لي ولطبيعيتي المتمثلة في مثليتي الجنسية. في لحظات كهذه أشعر بالامتنان حقا كوني قادرة على تخصيص جزء لا يستهان به من يومي لأكون كما أريد، فتاة مثلية الجنس، منطلقة، متحررة، وفخورة بنفسي كما أنا.

كفتاة تنتمي لمجتمع الميم في هذا البلد وفي هذا المكان من العالم، الذي يخضع لقوانين وعادات وتقاليد، لا أؤمن أن راية "حقوق المثليّين"المرفوعة في الساحات الإعلاميّة والحقوقيّة الغربيّة هي الحل في بيئتي، ففي المسيرات السلمية خطر وتهديد على الفرد، وفي رفع علم المثليين حبس وإجراءات أمنية. إن معظم الثورات الشعبية المطالبة بحقوق الإنسانية بدأت بطريقة سلمية لكنها جميعها انتهت عندما انتقلت إلى مرحلة الدموية. لذا فأنا أعتقد أن الحل الأنسب في مجتمعي هو إدراج حماية المثليّين كجزء من قوانين تحمي فئات اجتماعية مهمّشة، مثل النساءواللاجئين والأشخاص الملوّنين. أعتقد أن حماية المثليّين يجب أن تشملها قوانين تمنع جرائم الشرف (التي تعني على وجه دقيق حماية الإناث من أهاليهن)، وقوانين تمنع التمييز في أماكن العمل، وقوانين تجرّم العنف القائم على أساس الكراهية. إن أيا من هذه القوانين لم تسن بعد في بلدي، والعمل على وضع مثل هذه القوانين سيعني حمايةحقوق المثليين.

لا أدري متى سيأتي اليوم الذي أطلب فيه النصيحة من أمي بخصوص حياتي العاطفية، ومتى سأخبرها عن الفتاة التي أحبها. لست متأكدة من مدى استمرارية تكيفي هذا،لكنه الحل الأمثل باعتقادي في الوضع الراهن.

خطتي للعيش بلا حذر

عبير أيوب - صحفية من غزة

"أصبت بخيبة أمل عندما علمت أنه لا نجاح هناك

يضاهي نجاح الحصول على زوج مناسب، أو حتى غير مناسب"

"الدفاع المدني الأردني يدعو المواطنين لأخذ الحيطة والحذر"، شاركت هذا البيان على صفحتي الشخصية على فيسبوك، ليفاجئني أحد أصدقائي الغزيين بسؤاله عمّا إذا كان هناك قصف جوي على عمّان.

أوضحت له أن التحذير جاء بعد أن ضربت عاصفة غبار البلاد، فكتب متهكمّاً: "تخليش الغربة تغيرك يا عبير، احنا ما بناخد الحيطة والحذر إلا وفوقنا طيارات F16". ضحكت كثيراً عندما رأيت هذا التعليق، لكني حزنت عندماتذكرت جملة سئمت من سماعها على إذاعاتنا المحلية: "طيران إسرائيلي مكثف،الرجاء أخذ الحيطة والحذر".

ربمّا لم يعلم صديقي أن تعليقه القصير تركني في حالة تأمل طويلة. تركني أفكر عمّا غيرته السنة الأخيرة التي قضيتها خارج قطاع غزة في شخصيتي وأولوياتي؛ فأنا التي نجيت خلال الثلاثين عاما الماضية من ثلاثة حروب قاسية، أقلق اليوم بشأن عاصفة غبار قد تثير عندي بعض "الكحَة".

تركت قطاع غزة لأنني تعبت من أخذ الحيطة، وأردت العيش دون حذر - حذر على أمني؛ على ما إذا كانت هذه دقيقتي الأخيرة في الحياة؛ أوما إذا كنت سأفقد أحد أفراد عائلتي في أية لحظة. أردت أيضا التوقف عن القلق بخصوص حريتي في التنقل ومن أحكام الآخرين التي يطلقونها على كل شيء. أردت أن أعيش حياة طبيعية فيها نوع جديد من المشاكل، لكنها خالية من القلق بخصوص الساعات الست من الكهرباء التي يحظى بها منزلنا يوميا والتي لا تكفي لتصفيف شعري لأن أمي تستغلها لغسل ملابسنا، وخالية من القلق بشأن تذكرة سفر ستنتهي صلاحيتها قبل فتح معبر رفح المصري.

انتقلت مؤخراٌ للإقامة في الأردن بعد أن قضيت نحو سنة متنقلة بين ألمانيا وبريطانيا أعمل وأدرس هناك. التحقت ببرنامج دراسات عليا لدراسة الإعلام في الجامعة الأردنية، ونجحت بإيجاد عمل كمحررة أخبار أيام إجازاتي لأسدً احتياجاتي المالية فتفاصيل الحياة اليومية في عمّان مكلفةأكثر منها في المملكة المتحدة. لا أحد يصدق أن الدينار الأردني أغلى سعرا من الجنيه البريطاني! رفضت أية مساعدة مالية من عائلتي رغم إلحاحهم على إرسال النقود لي؛فأنا التي أقنعتهم أنني أريد السفر كي أكون "امرأة قوية مستقلة بدون أي رجل."

غادرت غزة في آب/أغسطس من العام الماضي، وللخروج من غزة هناك طريقان: معبر رفح المصري وهو مغلق في أغلب الأوقات، وحاجز بيت حانون الإسرائيلي والذي لا يسمح إلا بمرور التجار، وموظفي المؤسسات العالمية، والمرضى إن نجحوا بتحصيل موافقة أمنية إسرائيلية.

مررت بسلسلة من الصراعات للحصول على تصريح سفر إسرائيلي وللتنسيق مع السلطات الأردنية، لكن المهمة الأصعب كانت إنجاح المفاوضات مع عائلتي بشأن قرار سفري وانتقالي للعيش وحدي لفترة قصيرة في أوروبا لإتمام بعض المشاريع المهنية والأكاديمية.

لم تكن تلك المهمة واردة من قبل،لكن تدهور الأوضاع في قطاع غزة جعلها ممكنة، إضافة إلى نقص فرص العمل والتعليم المتقدم الذي كنت أبحث عنه - والأهم - كان إصراري الشديد على إنجاح هذا المشروع؛ مشروع انتقال فتاة عازبة في مجتمع عربي للعيش في الخارج دون وجود "عريس الأحلام" الذي ينتظرني في المطار، كحال أغلب الفتيات اللواتي يغادرن بلادهن.

كنت أعلم أن تقبل عائلتي لقراري ليس سهلاُ، خاصة وأنني كنت قد اقتربت من عامي الثلاثين؛ فكان الأنسب لي من وجهة نظر الجميع- بما فيهم الجيران وأقارب الجيران- أن أتزوج وأنشئ عائلة، لكنني كنت أعلم أن مكانا خاليا من أي نوع من الاستقرار والأمان مثل قطاع غزة هو أكثر مكان غير مناسب للارتباط والإنجاب.

طبعت صورتي وعلقتها بمغناطيس على باب الثلاجة وقلت لأبي: "وضعت صورتي في المطبخ لأنك ستشتاق لي كثيراً في الفترة المقبلة".

ضحك وقال: "سأزيلها، ولن تسافري". "خليكي احلمي"!

بعد أسابيع أخبرتهم أنني حصلت على فيزا شنغن وعلى الموافقة للسفر وأنني سأسافر بعد يوم.

علم الجميع حينها أنني ماضية في قراري رغم كل شيء.

كان كل الحي يعلم أنني أحزم أمتعتي، وكان الجميع يبتسم لي ويخبرني أنني قوية وشجاعة وأنني سأنجح.

لكن يبدو أن هذا لم يكن كل شيء.

مرة، جاءت طفلة من أقاربي لتسأل عمّا سمعته في الحي عن أن "عبير رايحة تدور على عريس برة صح؟".

لا زلت أذكر خيبة الأمل التي شعرت بها عندما عرفت أن هذا مفاد الأحاديث التي تجري بخصوص سفري، بكيت كثيراُ. كنت أعتقد أنني أخيراُ أصبحت أمثل حالة نسوية جديدة في الحي البسيط الذي أقطنه، والذي ينشغل نساؤه بدرجات امتحانات أطفالهم، وبما إذا كانت ساعات الكهرباء ستسعفهم في إنجاز مهمة غسيل الثياب. ولدت في هذا الحي وأحبه كثيرا، فهو شاهد على كل التغييرات التي طرأت على شخصيتي، لكنني أصبت بخيبة أمل عندما علمت أنه لا نجاح هناك – بالنسبة لهم يضاهي نجاح الحصول على زوج مناسب، أو حتى غير مناسب.

مضت أكثر من سنة على خروجي من غزة.

حتى الآن لا أصدق أنني فعلتها، و أنني فعلا أعيش وحدي أعمل وأدرس في آن واحد. لكنني أشعر في أغلب الأوقات أنني أعيش حياة مزدوجة؛ فتارة أقلق بشأن حفل موسيقي أريد أن أذهب إليه ولا أستطيع دفع ثمن تذكرته، وتارة أقلق بشأن تصعيد عسكري في قطاع غزة. أحيانا أذهب إلى السينما لأشاهد فيلماُ جديداُ فأكتب لإخوتي على مجموعة واتساب الخاصة بالعائلة عنه،فلا يستقبلون رسائلي بسبب انقطاع التيار الكهربائي، فأكمل طريقي إلى السينما، ولكن مع مشاعر عميقة من الذنب والحزن أيضا.

لا أتوقف عن المقارنة بين حياة عشتها ثلاثين عاما ثم قررت ترك عائلتي وحدها تعيشها، وبين حياة جديدة فيها مشكلات وأولويات جديدة، لكني اخترتها بملء إرادتي.

أنا اليوم لا آخذ الحيطة أو الحذربشأن ساعات الكهرباء القليلة وتجفيف شعري أو بشأن إغلاق المعابر بسبب تفجير في سيناء، لكني صرت أكثر حذرا بخصوص درجاتي في امتحانات الجامعة، وراتبي الشهري الذي يجب أن يكفي لدفع أقساط الجامعة المرتفعة وتذاكر الحفلات الموسيقية.

رائحة الحب في نيويورك!

حنا كابلان – محررة صور

"أنا – حتما - لم أكبر وأنا أحلم بلقاء فارس الأحلام على تطبيق هاتفي الذكي. لا، لم يكن ذلك جزءا من القصة التي تخيلتها."

(المقال مترجم عن نص كتب بالإنجليزية)

لا أستطيع أن أمنع نفسي من الضحك وأنا أطبع هذه الكلمات أثناء رحلة عودتي إلى المنزل بمترو الأنفاق. ولمعلوماتكم فإنني أختار تسع مرات من بين كل عشر رحلات مقطورة رائحتها أشبه ما تكون بمزيج من رائحة البول ورائحة أقدام كريهة. وليس هذا كل ما في الأمر؛ فأنا محشورة الآن بين شخصين لا يمكن لهما أن يكونا على درجة أعلى من الحب.

أظن أن هذه الأزمة نصف-الوجودية هي وقت مناسب لأعرفكم بنفسي: اسمي حنا إليس كابلان – ولقد احتفظت باسمي الثاني لأن له وقعاً ملكيا. عمري ٢٢ عاما وقد بدأ العد التنازلي لبلوغي عامي الـ ٢٣، ورغم محاولات الكون كله تصدير فكرة ازدياد نسبة الحكمة مع التقدم بالسن، فأنا لست متحمسة أو سعيدة لأني قريبا سأكبر عاما جديدا.

وكما ترون، وضعت ٢٢ سنة من الحكمة على المحك قبل أربعة أشهر عندما حزمت أمتعتي وغادرت منزلي في مدينة كاليفورنيا المشمسة لأنتقل إلى مدينة نيويورك المتجمدة حاليا. ومنذ ثلاثة أشهر وأنا أصارع في عملي كمساعدة في إخراج الصور في مجلة كوزموبوليتان؛ أشعر في عملي الممتد بين الساعة ٩ حتى ٥ مساء وكأني آخذ السلالم صعودا وهبوطا طوال الوقت، ولكن واقع الحال أني في عملي وكأني أركض على جهاز المشي ٢٤ ساعة كل يوم في الأسبوع.

إن تجربة العمل هذه مبهرة؛ فأنا اليوم أعمل،وأعيش، وأتنفس الحياة التي لم أستطع التوقف عن تخيلها قبل ٨ سنوات.

ولكن وقعت عدة أمور لم أستطع تخيل حدوثها؛ فهناك عدة أشياء أغفلتها حنا التي كانت تبلغ ١٥ عاما قبل 8 سنوات وكتبت قصة لحياتها؛ وما لم تدركه حنا المراهقة كان أن فهمي للوقت سيصبح مغلفا بالفقاعة المجنونةالسريعة المسماة نيويورك.

هنا يقاس الوقت بشيء له إحساس النانو- ثانية، وأحيانا تقف كلها ضدك.

يخوض أهالي نيويورك معارك يومية من أجل الوقت؛ الشيء الوحيد في العالم الذي لا يمكن المتاجرة به، أو إيقافه، أو إعادته إلى الوراء. وفي هذه المدينة؛ حيث أن كل ثانية هي احتمال لقاء حبيب جديد، أو ترق وظيفي أو مجرد قصة جديدة؛ يصعب الشعور بأن كل الأمور تحت السيطرة.

ولكن هل تعلمون أين يمكن لنا – نحن سكان نيويورك - أن نجد الإحساس بالسيطرة؟ سأبقى مركزة على موضوع تدوينتي هذه أثناءجلوسي هنا محشورة بين عصفوري الحب، وأقول إن الجواب يكمن بالمواعدة الإلكترونية.يمكنني المحاربة واستعادة السيطرة على حياتي العاطفية فورا عبر استخدام قوة تطبيقات الهواتف الذكية. سم ما شئت من التطبيقات، فنحن سكان نيويورك نعرفها كلها. كيف نبقي على ذاك الوهم بأننا محيطون بكل شيء؟ إننا نقوم بأداء عدة مهام في ذات الوقت، والمواعدة الإلكترونية ما هي إلا واحدة منها.

اعتاد إبهامي أن ينقر على شاشة جهاز الموبايل ساحبا إياها يمينا (عندما أعجب بأحدهم) أو يسارا (لأبعد آخر). في الواقع، ولأكون صادقة فإن الوضع غالبا ما يكون: يسار، يسار، يسار، يمين! سأكون غبية إن لم أجمع ما بين المواعدة الإلكترونية ورحلتي في مترو الأنفاق.

السؤال الحقيقي هنا: هل كنت محظوظة؟ أعتقدأنه بإمكاني الإجابة نيابة عن غالبية الذكور والإناث بأن المواعدة الإلكترونية ماهي إلا إحدى طرق تحقيق الرضا عن الذات على نحو سريع؛ فالأمر لا يحتاج أكثر من عدة نقرات وها نحن ذا! أنا وجيريمي متوافقان على التطبيق، فهو يعمل صحفيا في موقع مشهور؛ يشرب قهوته دون سكر؛ ويتطلع للقاء لشخص مهتم بأكثر من مجرد التسكع. آه، لم ألاحظ صورته مع كلبه اللطيف! أهو كلبه حقا؟ أراهن أنه كذلك، كما وأني أستطيع منذ الآن تخيل صورتنا العائلية.

هل أدركتم الآن ما أعنيه؟ إنه تخديركامل. ويستمر عادة هذا الإحساس بالخدر حتى موعد لقائي بجيريمي، عندها فقط أعرف أن صورته – التي اخترته بسببها - كانت قد التقطت قبل خمس سنوات وأن كلبه قد توفي. وهكذايتحول شعوري السابق بالقوة كامرأة إلى نوع من الشعور بالندم لكن هذا كله جزء من اللعبة في عالم لا نملك وقتا فيه.

أعتقد أنه من المثير للسخرية أننا نستخدم تطبيقات المواعدة هذه للعثور على الرفقة، ولنتواصل وجها لوجه مع الناس، ولاحتمال بدء علاقة رومنسية، ولكن هذه التطبيقات تقود إلى تضاؤل الشعور بالتفاعل الإنساني؛ فهذا التفاعل – للأسف - يعتبر رفاهية في ميزانية أسبوعي المزدحم.

أنا – حتما - لم أكبر وأنا أحلم بلقاء فارس الأحلام على تطبيق هاتفي الذكي. لا، لم يكن ذلك جزءا من القصة التي تخيلتها حنا المراهقة، لكن هذا أحد النواحي الهامة لحياتي بعد أن انتقلت للحياة في مدينةمثل نيويورك تخدعك بالوقت، أو على الأقل جزءا من واقع يعيشه أبناء جيلي.

لا أحب هذه اللعبة لكني سأستمر بكوني جزءا منها لأنه على ما يبدو فإن الجميع قد دخلها، وفي عالم تفرض وسائل التواصل الاجتماعي طبيعة حياتي الاجتماعية بدرجة كبيرة، يمنحني اتخاذ قرار يتعلق بالأشخاص الذين أود التفاعل معهم شعورا بالقوة.

ملاحظة هامشية: أنا متأكدة تماما أن تطبيق المواعدة الإلكترونية قد ربطني الآن مع الشخص الجالس قبالتي في المترو. أرجو ألا يكون هو ذات الشخص ذي رائحة الأقدام الكريهة!