ربع حبة ترامادول

أزاحت الأدوية والعقاقير الطبية المخدرات التقليدية عن عرش الإدمان في مصر. فبعد عقود، بل ربما قرون من سيطرة الهيروين والكوكايين والحشيش على المدمنين، ظهرت للوجود عقاقير طبية تصرف بوصفة علاجية لتسكين بعض الآلام التي لا تجدي معها المسكنات المعتادة نفعًا، ومن ثم يدمنها الكثيرون بسبب حالة الانتشاء التي تسببها أو كما تعرف في العامية المصرية بـ "الدماغ العالية". إدمان المسكّنات أو الأدوية الموصوفة طبيًّا بات الأوسع انتشارًا - ليس في مصر فحسب - بل في العالم.

الدمار الشامل

أمام المهام اليومية الشاقة المنوطة بها، لم تستطع أحلام (ابنة الـ28 ربيعا) الصمود طويلا، هذه المهام تبدأ في السادسة صباحًا يوميا، بتهيئة الصغار للذهاب لمدارسهم مع ساندويتشاتهم، ثم تذهب بهم حتى بوابة المدرسة، ثم تعود أدراجها للمنزل لتكمل شؤونه وتصلح ما أطاحت به أيديهم من نظامه، ثم تنزل مرة أخرى للتسوق وشراء حاجاتها من السوق، لتعود بها مرة أخرى للمنزل لتعد منها طعامًا لأسرتها، ثم تعيد كرة النزول للمدرسة للعودة بفلذات الأكباد لبيتهم للطعام ثم النزول بهم مرةأخرى للدروس الخاصة. وهكذا دواليك.

بمرور الوقت أصبحت لا تجد في نفسها القوة للقيام بكل هذا إلا بمساعدة من الترامادول فتبتلع منه حبات أربع، بعد الإفطار أحيانا وفي الغالب بدون إفطار تماما.

عندما شرعت أحلام (ليس اسمها الحقيقي) في تناول الترامادول بجرعات قليلة للغاية، لإعطائها القدرة على مواصلة اليوم بلا كلل وتعب كما نصحتها إحدى الصديقات، لم تكن تتصور أبدًا أن تصل بها الحال إلى إدمانه، أو أن تتوقف حياتها على الانتظام والإكثار من تناوله.

لا يتجلّى المصير الحالك لمدمن المسكنات في بادئ الأمر، أو حتى في منتصفالطريق، فيبدأ المدمن إدراك حقيقة أنه مدمن، ولكن بعد أن تتملك منه تلك السموم لتدمّره وتدمّر حياته،كما فعلت بأحلام.

يعدّ الترامادول مسكّنًا فعالًا للألم، ويصنّف طبيًّا على أنه من بين الأفيونات المخلّقة أو المصنّعة.


يعدّ الترامادول مسكّنًا فعالًا للألم، ويصنّف طبيًّا على أنه من بين الأفيونات المخلّقة أو المصنّعة.

التقينا "أحلام" بأحد المقاهي بوسط القاهرة. بدت شاحبة الوجه، هزيلة البنيان، وكأنها امرأة عجوز. وكانت تدخن بشراهة فقبل أن تنتهي السيجارة التي في يدها تصلها بأخرى باستمرار.

تقول أحلام: "بدأتُ بربع حبة، والآن وصل الأمر إلى تناول شريط بأكمله يوميًّا (عشر حبات) لكي أستطيع أن أؤدي مهامي اليومية، بعد أن كنت أستمتع - في البداية - بحالة من النشاط الهائل، ذهب الانتشاء الذي كنت أجده."

أحلام لا تعمل، وزوجها هو المصدر الوحيد للدخل. زوجها الذي لم يعرف بأمر إدمانها، إلا بعد أن اكتشف أنها تبدّد نفقات البيت لشراء الترامادول. والآن أصبحت تحرم أطفالها من بعض احتياجاتهم الأساسية من أجل أن تتعاطاه.

تقول: "كان زوجي يعطيني أجرة الدروس أو الإيجارلأسددها، فلا أفعل وأنفقها للحصول على الترامادول، وكذلك كان يعطيني نقودًا لشراء دجاج، فأكذب بأنني اشتريته للأطفال وأكلوه. وبالطبع لم يأكلوه، وذلك من أجل شراء تلك الحبوب. ثم أطعم الأطفال مكرونة بجنيهين. للأسف هذه هي الحقيقة."

لقد وصل بها الأمر إلى درجة أنها طلبت من جارها المدمن أن يعطيها حبتين في مقابل أن يمارس الجنس معها، وذلك لانعدام المال لديها تمامًا، بل بدأت في بيع أغراضٍ من شقتها، ومن ثَم تحاول خداع وتضليل زوجها بشأنها.

وعلى كل حال، لا يصل المتعاطي المدمن-في ما بعد، كأحلام- لحالة المتعة الحميمية أبدًا؛ لأنها دمّرت نفسها بذلك المخدر. وبالرغم من ذلك، لا تريد أن تُعالَج. تقول:"أريد أن تُطرد السموم من جسمي لأعود للشعور بالمتعة مثل أول مرة تعاطيته فيها."

يعدّ الترامادول مسكّنًا فعالًا للألم، ويصنّف طبيًّا على أنه من بين الأفيونات المخلّقة أو المصنّعة، ويستخدم في علاج الآلام المصاحبة لحالات الكسور والسرطان. وهو دواء من المفترض أن يتم صرفه بوصفة طبية. ويباع في مصر باسم الترامادول، ولكن له أسماء تجارية كثيرة، إذ يبلغ عدد الأصناف التي تحتوي على مادته الفعالة (ترامادول هيدروكلوريد) قرابة 20 صنفًا يأتي أغلبها من الصين أوالهند، وتصنّع شركات الأدوية المصرية المصرّح لها الترامادول بتركيز 50 و100 مليغرام.

إدمان المسكّنات أو الأدوية الموصوفة طبيًّا بات الأوسع انتشارًا - ليس في مصر فحسب - بل في العالم، وفقًا لتقرير المخدرات العالمي، وتقريرالهيئة الدولية للرقابة على المخدرات. وتشير إحصاءات "صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي" في مصر لعام 2017، إلى أن نسبة تعاطي المخدرات بين المصريين سجلت 10 في المئة، أي ما يزيد عن عشرة ملايين شخص، أو واحد من كل عشرة أشخاص، وقد تكون النسبة أكبر من ذلك، نظرًا لأن كثيرين يفضّلون عدم الاعتراف بإدمانهم أو بإدمان أحد من أفراد الأسرة، نظرًا لوصمة العار المرتبطة بمشكلة الإدمان في المجتمع.

المصدر: صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي - 2017

المصدر: صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي - 2017

المصدر: صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي - 2017

المصدر: صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي - 2017

المصدر: صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي - 2017

المصدر: صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي - 2017

"تعدّ أقراص الترامادول أكثر أنواع المخدرات والأفيونات" المصنّعة انتشارًا بين المدمنين في مصر بنسبة 28.71% ثم يليه الحشيش بنسبة 23.21%، ثم الهيروين بنسبة 15.78%. العدد الأكبر من المتقدمين للعلاج من الإدمان من الشباب في الفئة العمرية بين 21 سنة إلى 30 سنة،بنسبة تقترب من 50 في المئة من الراغبين في العلاج. ويتلقّى الخط الساخن ما بين 350 و500 مكالمة يوميًّا للعلاج أو تلقّي المشورة."

المصدر: صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي - 2017

يقول د. عبد الرحمن حماد، أخصائي الأمراض النفسية والمدير السابق لوحدة الإدمان بمستشفى العباسية الحكومي، إن رخص سعر الترامادول وتوفّره ساعد على انتشاره، ويعتقد أن المشكلة الرئيسية هي في إقبال أعداد كبيرة على تسكين الألم بمادة خطيرة قابلة للإدمان.

ويضيف:"مشكلة الترامادول عندما ظهر في مصر، أنه كان زهيد الثمن، وكان من الممكن شراءُ الحبة بجنيه واحد فقط، فاتّسعت دائرة الإدمان لتشمل كل من يستطيع شراء المخدرات ولا يستطيع الشفاء منها، أو بعبارة بسيطة، لا يملك أغلب مدمني تلك الأدوية المال اللازم للعلاج، لكنهم يستطيعون شراءها لأنها رخيصة."

"العلبة أم الـ "سكوتر؟

تسببت المخدرات لخالد (30 عاما) بعدم الاستمرارفي العلاقة الحميمية مع زوجته إلا لثوان معدودة أو أقل، بل ربما تنتهي العلاقة قبل أن تبدأ. فتنتهي حتى قبل أن يمس يدها.يشعر خالد (ليس اسمه الحقيقي) وكأنه كمن أُعطي حقنة بنج، ويشعر بدوار ولا يستطيع المشي. بعد أن أدمن الترامادول. صار ينام والحبة تحت وسادته،ليأخذها فورًا بمجرد أن يستيقظ من نومه.

بدأ إدمان خالد بنصيحة من أحد أصدقائه بأن الترامادول مفيد في الجنس، وسيشعره بمتعة لا مثيل لها. يقول خالد: " حقا. كان ذلك فقط في البداية، ولكن لمّا زِدت الجرعات ووصلت إلى خمس حبات يوميًّا، وجدت أن لديّ سرعة قذف كبيرة لا أستطيع معها أن أُتمّ الأمر، دُمّرت بالطبع، وساءت حالة زوجتي النفسية بسبب ذلك أيضًا، لأنها لا تأخذ حقّها الشرعي.

فالعلاقة تنتهي سريعًا ومن أول ثانية، ولا يكون هناك انتصابٌ تامّ، كالشيء الميت. وصارت تقول لي: ماذا بك؟ فأنت لست كما كنت في الماضي. فكنت أرواغ لأُخفي الأمر عنها وأقول لها: إن هذا ناتج عن الإرهاق. لدرجة أنني قلت لها ذات مرة إن لديّ مرضًا بالحالب، هو ما يتسبب في ذلك، وسأراجع الطبيب ليجري لي عملية جراحية لعلاج المشكلة وذلك حتى لا تشكّ في أنني مدمن."

بعد أن أدمن الترامادول، صار خالد ينام والحبة تحت وسادته، ليأخذها فورًا بمجرد أن يستيقظ  من نومه. 

بعد أن أدمن الترامادول، صار خالد ينام والحبة تحت وسادته، ليأخذها فورًا بمجرد أن يستيقظ  من نومه. 

تعتبر طبيعة عمل خالد أحد أسباب تماديه في التعاطي. فهو سائق لدى إحدى الشركات ويسافر كثيرًا، ويستعين بالترامادول ليظل متيقظا ويزيد عدد ساعات عمله اليومي، وبالتالي يزداد دخله. وقد بدأ هو أيضًا بربع حبة ترامادول.

يقول خالد: "كنت إذا أردت أن أخرج لسَفْرٍثانٍ، لا أستطيع؛ لأن جسمي يكون منهكًا، فقال لي صديقي يومًا وحسابه عند الله: إن هذه الحبة سوف تساعدك على مبتغاك (يقصد حبة الترامادول)، وذلك إذا أخذت منها ربع حبة.

وبالفعل أخذت، وجربت، ثم تماديت وانحدرت ووصلت إلى أربع بل خمس حبّات منه، لكي أمارس حياتي مثل الشخص الطبيعي الذي لا يتعاطى، لأن الترامادول يُهدّئني ويُريحني فأشعر كأنني مثل باقي الناس الطبيعيين، لكن لو لم أتناوله ، سأكون غير قادر حتى على وضع يدي في جيبي، فلن تكون لديّ القدرة لذلك، لأن عدم تناوله باختصار يدمّرني. فقد صار هوالحياة بالنسبة لي."

لقد بات الترامادول يتحكّم في حياته، وصار يشفق على ابنته الصغيرة ذات السنوات الثمانية؛ لأنه قام بحرمانها من أمنياتها بسبب إدمانه.

يقول: "(ابنتي) كانت تريد مني لعبة الـ"سكوتر"،بينما كنت أريد أن أشتري علبة ترامادول، فاشتعلت المنافسة بين الترامادول وأمنية ابنتي؛ فصرت لا ادري ماذا أفعل؛ هل أشتري علبة الترامادول أم الـسكوتر؟

لم يستمر التردد كثيرا فقد حسم الترامادول المنافسة لصالحة فاشتريت العلبة. وعندما عُدت للمنزل قالت لي ابنتي مبتئسة: كل يوم تقول لي أنك ستحضره لي ولا تحضر شيئًا وتخدعني، ولقد قُلت لي إن النقود معك وستشتريه لي، ثم لا تشتري شيئا. سالت الدموع من عيني حارة. فهذا الموقف جعلني أبكي بحق، وهو موقف يحتبس لساني من الحزن عند محاولة الكلام عنه؛ فهو يودي بي لحالة من الكآبة".

يعرّف متخصصون إدمان أي مادة مخدرة بفقدان السيطرة، واعتماد المخ والجسم على هذا المخدر، وهو ما يفسر حدوث الشعور بالنشوة. ويعتاد المدمنون على كمية مخدرات أكثر بكثير من المخدر الطبيعي الذي يُفرز في جسم الإنسان، ويحدث لدى المدمنين اضطراب هائل في إفراز مادة الدوبامين، وهي مادة كيميائية يفرزها المخ وهي المسؤولة عن أحاسيس كثيرة مثل النشوة، والسعادة، وتوجد في مراكز ومستقبلات المخ، خاصة ما يسمى بمركز "المكافأة".

ولا يُجدي الإقناع أو الكلام -في أغلب الأحيان- في محاولات الإقلاع، فالأولوية القصوى لدى مخ الشخص المدمن، هي الحصول على الجرعة التي تمكنه من التصرف كشخص طبيعي يستطيع أن يؤدي أبسط المهامّ اليومية.

وإذا أفرط المرء في تناول مسكنات الألم، مخالفًا تعليمات الطبيب لفترة التعاطي التي لا تتجاوز أربعة أسابيع، فإنه يتحول -بنسبة كبيرة- إلى إدمانها.

الحل الأمثل هو تجنب تلك الأدوية تمامًا، أو على الأقل الإدراك التامّ -منذ البداية- أن الإفراط في تناولها سيؤدي حتمًا إلى كارثة إنسانية واجتماعية واقتصادية، كما يقول دكتور أحمد صلاح كامل، مدرس واستشاري جراحة المخ والأعصاب بكلية الطب، جامعة القاهرة.

ويعتبر الدماغ البشري المسؤول الأول عن تنظيم الوظائف الأساسية لكي نستطيع القيام بالأنشطة اليومية، والتحكّم في العواطف والأفكار والسلوك بصفة عامة. ولذلك فإن إدمان المخدرات يتسبب في عدم إدراك الفرد لما يفعله. بعبارة أخرى، العقل الذي دخلته الموادّ الكيميائية من المواد المخدرة، لا يؤدي بصاحبه إلى عدم التصرّف بطريقة طبيعية فحسب، بل قد يدفعه إلى ارتكاب جرائم، كالقتل والسرقة، بل والانتحار أيضًا.

مجسم ثلاثي الأبعاد  للمخ البشري 

مجسم ثلاثي الأبعاد  للمخ البشري 

ويشرح دكتور كامل ما تفعله تلك المخدرات بالدماغ البشري بطريقة مبسطة: "تخاطب الموادّ المخدرة في المخ مركز المكافأة. ويعدّ مركز المكافأة مسؤولًا عن الشعور بالسعادة والفرحة في حياتنا، وعندما يتعاطى الفرد المخدرات يفرز المخ كمية كبيرة من مادة الدوبامين المسؤولة عن السعادة، كما يؤدي الإدمان إلى ضمور في حجم المخ، فيصغر حجمه بسبب التأثير عليه بطريقة دائمة بتلك المؤثرات الخارجية، ويبدأ المخ في تكوين مستقبلات يلزم ملؤها بتلك المواد المخدرة يوميًّا لكي يصبح الشخص المتعاطي طبيعيًّا."

طابور يا جماعة

كان البيع علنيًّا، أو"عيني عينك" في الشارع بمنطقة الطالبية بمحافظة الجيزة، مثل بيع أكسسوارات أجهزة المحمول. بل كان هناك زحام شديد أمام عبدالحميد (24 عامًا)، على أماكن البيع المعروفة للمدمنين في أماكن متفرقة من الشارع، إلى درجة أن بعض المترددين كانوا يصرخون بصوت عالٍ في الجمهور المتزاحم "طابور يا جماعة" لتنظيم عملية البيع، وفقًا لأصناف المخدرات المختلفة، فمثلًا من كان يريد "ترامادول" يصطفّ يمينًا، أما الحشيش والهيروين فـيسارًا.

كان عبدالحميد يريد شراء خليط من الترامادول، ومسكن آخر اسمه أبيترل، وشراب باركينول، المعروف في أوساط المدمنين بالصراصير.

كل منطقة فيها أكثر من ديلر "تاجر"، يقول عبدالحميد، الذي التقيته في أحد المستشفيات الخاصة؛ حيث يتلقى العلاج من إدمان المسكّنات منذ أكثر من ثلاثة أشهر. وافق عبدالحميد أن يسجّل معنا بصورته واسمه الحقيقيين، لأنه يريد أن ينقل تجربته المريرة مع إدمان المسكّنات والمهدّئات والمنشطات للآخرين.

لقد كان عبدالحميد في يوم من الأيام من هؤلاء الناس الذين هم في قاع الحياة. لم يكن يتخيل أنه يمكن أن يجلس ويحكي معي هكذا.

كان عبد الحميد يشعر بعد تناول الترامادول، في بداية التعاطي وقبل الإدمان، وكأنه "سوبرمان".

كان عبد الحميد يشعر بعد تناول الترامادول، في بداية التعاطي وقبل الإدمان، وكأنه "سوبرمان".

بدأ عبدالحميد إدمانه أيضًا بتعاطي حبة الترامادول على أربع مرات، وذلك عندما كان في الثالثة عشرة من عمره. ربع الحبة -في هذا الوقت- بالنسبة له كان كثيرًا، ومؤثرًا. كان يشعر بـ"الهبَّة"، أي أن مفعول"ربع الحبة" ابتدأ في العمل والتأثير. كان يشعر وقتها أنه يستطيع عمل أي شيء، وكأنه "سوبرمان". ويتذكر هذا الموقف جيدًا:

"ذات مرة. حدثت مشكلة أثناء لعبنا"بلاي ستيشن". لقد كنا في سنٍّ مبكرة، وكنا بالنسبة للناس صغارًا جدًّا. عندما دخلت صالة اللعب شتمني أحدهم، فما كان مني إلا أن قمت بتكسير عِصيّ البلياردوعلى رأسه . كنت منفعلا فشرعت بسباب جميع من حولي، وكسّرت زجاج المحل، وأحدثت دمارًا كبيرًا (في هذه الأثناء كان عبدالحميد يتعاطى حبة إلا ربعًا من الترامادول لاأكثر)."

ويضيف: "في هذا الوقت. أحسست أنني تماديت كثيرا واعتديت على أهل الشارع كلهم، وعندما خرجت للخارج، صعقني أحدهم بعصًا كهربائية في جانبي، فوقعت. لكني سريعا ما نهضت له ثانية، فكنت حينها في نظر الناس "سوبرمان"، ورأيت ساعتها أنني بطل خارق."

وعندما بلغ عبدالحميد الخامسة عشرة، بدأ في زيادة الجرعة.

يقول عبد الحميد: "كنت أتعاطى صباحًا -حسب ما أذكر- سبع حبّات "لايرولين" و"لاريكا". وهذان الصنفان من المسكنات يباعان في الصيدلية، وكنت أتعاطى خمس حبات"باركينول"، وكنت أتعاطى خمس حبات أخرى من الـ"ترامادول". فهذه سبع وخمس وخمس، مجموعها سبع عشرة. وبخلاف ذلك كنتأتعاطى الـ"أبتريل" كثيرا جدًّا.

تجاوزت أربعة شرائط أو خمسة شرائط، ويحوي الشريط الواحد عشر حبات، ويعني ذلك أنني كنت أتناول أربعين حبة تباعًا من ذلك الصنف طوال اليوم، وهذا بخلاف ما تناولته صباحًا (السبع عشرة حبة المختلفة الأنواع)."

حاولت عائلة عبدالحميد أكثر من مرة الانتقال من مكان سكنهم بسبب موضوع المخدرات. فقد كانوا يعتقدون أن المشكلة تكمن في المكان. ولكنها كانت تكمن في شخص ابنهم.

يقول عبد الحميد: "كل مكان كنت أذهب إليه كنت أبحث بنفسي عن أصحاب السوء، وظلوا ينقلونني من مكان لآخر، ولكن كل مكان يوجد فيه أناس من هذه العينة، وأنا من كنت أبحث عنهم."

كان عبدالحميد يحصل على بعض أنواع المسكّنات التي تحتوي على مواد مخدرة تؤدي للإدمان من الصيدليات بدون وصفة طبية أو "روشتة" كما تعرف في العامية المصرية، نظرًا لأن هناك أنواعًا جديدة غير مدرجة في جدول المواد المخدرة.

وبالفعل توجّهنا إلى إحدى الصيدليات الكبرى في وسط القاهرة، وطلبنا من الصيدلانية مسكني "لاريكا" و"ليرولين"، الأكثرانتشارًا حاليًا في أوساط مدمني المسكنات، ولم تطلب منا وصفة الطبيب، بل لم تترددفي الطلب من مساعدها إحضار النوعين بتركيزاتهما المختلفة، ووافقت على تصويرهما أيضًا "لكي نقارن السعر في أماكن أخرى ونرسلهما لصديق لنا عن طريق واتس أب". ويستخدم المسكنان في علاج بعض الالتهابات الحادّة كالتهاب الأعصاب الطرفية لمرضى السكري.

طلبنا من الصيدلانية مسكني "لاريكا" و"ليرولين"، الأكثرانتشارًا حاليًا في أوساط مدمني المسكنات، ولم تطلب منا وصفة الطبيب.

طلبنا من الصيدلانية مسكني "لاريكا" و"ليرولين"، الأكثرانتشارًا حاليًا في أوساط مدمني المسكنات، ولم تطلب منا وصفة الطبيب.

وتعدّ إدارة مكافحة المخدرات وإدارة الصيدلة في وزارة الصحة، الجهتين الرسميتين المسؤولتين عن وضع الأدوية في جدول المخدرات، والتي يندرج فيه عديد من الأدوية التي قد تؤدي إلى الإدمان في حال الإفراط في تناولها.

ويقول الدكتور ياسين رجائي، مدير المكتب الفني للإدارة المركزية للصيدلة بوزارة الصحة المصرية، لبي بي سي، إن صرف أي دواء مدرج بجدول الأدوية المهدئة أو المؤثرة علي الصحة، يخضع لعملية مراقبة مشددة، وتنظّم وزارة الصحة حملات تفتيش على الصيدليات المخالفة لهذه الإجراءات.

ويضيف رجائي، أنه يجب صرف هذه الأدوية بموجب وصفة طبية، ولا يجوز صرفها بدون وصفة طبيب، حيث "تراقب وزارة الصحة المصرية الصيدليات العاملة في مصر، بالتعاون مع وزارة الداخلية المصرية، وتنظّم حملات تفتيش على الصيدليات كافة."

وينظم القانون المصري عبر موادّه المختلفة، عملية صرف الأدوية المهدئة أو المؤثرة على الحالة النفسية، ويجب أن تصرف الأدوية بوصفة معتمدة من طبيب ولمدة محددة، بناءً على حالة المريض، وفي بعض الأوقات من حق الصيدلي الاحتفاظ بالوصفة الطبية."

أسوأ من الهيروين

لم تكن المذاكرة في برنامج حياة هيثم (37 عامًا)، عندما كان في مرحلة المراهقة. كان النجاح آخر اهتماماته، أما أهم أولوياته فهو: الترامادول والبرشام (الحبوب المخدرة)، ثم الحشيش، والأفلام الجنسية.

بدأ هيثم، وهذا اسم حركي، التعاطي تقريبًا في سنّ صغيرة. لا يذكر السنّ على وجه التحديد، لكنه يذكر جيدًا أول ربع حبة. هكذا يبدأ تعاطي الترامادول والمسكّنات في أغلب الأحيان.

أوعز إليه صاحبه وقتها أن هذه الحبة مفيدة وجيدة.فقام بتناولها وأعجبته، ثم بدأ بشرائها بنفسه من الصيدلية بدون وصفة. كانت حينها متوفرة وسعرها رخيصا جدًّا. كان اسم الحبة وقتها هو "أفانول". وقد كانت تعطيه شيئًا من الطاقة وتغير مزاجه للأفضل.

يقول هيثم: "لقد بدأتُ بربع حبّة، ثم تطورالأمر وبدأ يزداد شيئًا فشيئًا. وكان السعر حينها رخيصًا (مئة وتسعين قرشًا). فكنت أشتري خمسة شرائط بعشرة جنيهات. وأجعلها عندي في البيت، وبعد أن أستهلكها أشتري غيرها. ولو كان معي مبلغ كافٍ كنت أشتري شرائط أكثر، حوالي عشرة أو أكثر، وأجعلها في البيت. وذلك بدلًا من أخرج ويتكرر خروجي باستمرار من أجل الحصول على شريط واحد في كل مرة. ثم بدأ استهلاكي يزداد فأصبحت أتناول نصف شريط، أي خمس حبات، ثم صرت أتناول شريطًا كاملًا، ثم لم ألبث أن تناولت بعدها شريطًا ونصفًا، وهكذا".

هيثم من عائلة مستواها المادي مرتفع إلى حدّ كبير،فالأب: مقاول معروف، والأم: مهندسة، والأخ الكبير منضبط جدًّا، ولم يدخّن قط، والأخت الأصغر تعمل مديرة أعمال لأبيها. ولكن لا أحد في العائلة كان يُعنى بأمره، خاصة الأب والأم. لكن كل شيء يريده كان يُلبى على الفور.

يعترف أن مشكلة إدمانه تنحصر في سلوك منحرف منذ الصغر، وحب للانفلات أو"الصياعة" على حد تعبيره. يقول هيثم: "كنت أكذب بدون أسباب، بل وكنت أسرق أيضًا بدون أسباب. فأنا لست محتاجًا للسرقة. كنت أسرق من السوبر ماركت، ومن أصحابي في المدرسة. فقد كنت أسرق مثلا قلمًا. أو كشكولًا. أو حتى أسرق سندوتشات. أسرق أي شيء. ومنها أشياء لا أحتاجها من الأساس. وأذكر أنني -في مرحلة من حياتي- كنت أسرق بلا هدف.لمجرد السرقة فقط. فأسرق أشياء لا أحتاجها. لا أستخدمها ولا أريدها. وبعد أن أسرقها أتخلص منها وألقيها."

يؤدي الإفراط في تناول المسكنات إلى الإدمان.

يؤدي الإفراط في تناول المسكنات إلى الإدمان.

نجح هيثم بصعوبة بالغة في الثانوية العامة، ودخل إحدى الجامعات الخاصة باهظة التكاليف، ووجد له والده وظيفة محاسب في إحدى الشركات، ولم يتوقف قطّ عن تعاطي المخدرات والحبوب المسكّنة بأنواعها المختلفة. ولكي يغطي نفقات التعاطي التي أصبحت مرتفعة جدا لجأ للسرقة من خزينة الشركة والتلاعب في حساباتها، فقد كان في حاجة ماسة للمال لأنه صار مدمنا للهيروين.

بدأ بنصف غرام، وانتهى به الأمر إلى تناول سبع غرامات بصفة شبه يومية (الغرام ذو الجودة العالية بحوالي 500 جنيه) عن طريق الحقن بـ"السرنجة". وهو اليوم يتلقى العلاج للمرة التاسعة في إحدى المستشفيات الخاصة. ومضى أكثر من ثلاثة أشهر على علاجه من أعراض الانسحاب الخطيرة.

بالنسبة له، أعراض انسحاب الهيروين كانت بمثابة نزهة لطيفة مقارنة بأعراض الانسحاب التي تبدأ بعد التوقف المفاجئ عن تعاطي المسكنات بعد فترة إدمان طويلة.

يقول هيثم:"عندما حاولت بمفردي التوقف عن المسكنات، عانيت كثيرًا. فقد كنت أتلوّى في سريري غير مرتاح. وأرفس برجلي باستمرار أي شيء، وأضرب الأثاث من حولي. ولو وُضع الغطاء عليّ أشعر بحرارة شديدة، ولو كنا في فصل الشتاء، ولو رفعته عني أشعر بالبرد الشديد، وباستمرار كنت مصابًا بالرشح وسيلان الأنف، وتخرج من فمي رغوة بيضاء، وأتعرّق بشدة على الرغم من البرد، وكذلك عانيت من الإسهال والقيء، كل هذا كان يحدث لي. بالإضافة إلى أنني لم أكن أستطيع النوم، وكان النوم يجافيني ربما لخمسة أو ستة أيام."

وهذه الأدوية في كثير من الأحيان، كما يقول، تتسبب في حدوث هلاوس وتخيلات؛ كأن "أجلس مع أناس في مكان ما ونتحدث سويا، ويتكلمون معي بطريقة طبيعية تماما، بينما ذلك لا علاقة له بالواقع، بل مجرد أوهام وتخيلات تدور في العقل."

عندما توقّف هيثم فجأة عن تعاطي المسكّنات شعر وكأنه يموت، على عكس الهيروين، ففي حالة تعاطي الهيروين يمكن أن يصحو المتعاطي الساعة الثانية بطريقة طبيعية لا يشكو من شيء، ونحو الساعة السابعة أو الثامنة يبدأ الإحساس بأعراض الانسحاب.

بخلاف المسكنات. أذكر آخر مرة طلبت مسكنات، كان ذلك في آخر يوم قبل شهر رمضان، وكنت قد قررت أنني لن أتعاطى مرة ثانية احترامًا للشهر الكريم. عندها استيقظت من النوم في الساعة الثانية عشرة، فلم أتمكن من الصبر على الوعد الذي قطعته لنفسي فعند الساعة الثانية كنت عند الديلر (التاجر)، لأحصل على المخدر، فلم أستطع أن أظل ممتنعًا عنه لأكثر من ساعتين".

والانسحاب المفاجئ والسريع بعد الإدمان على تلك الأدوية، وخاصة في حالات التعاطي المكثّف لها، يؤدي إلى أعراض خطيرة قد تودي بحياة الإنسان أو تسبب تدميرًا في خلايا المخ. والأشخاص الذين أدمنوا تلك المسكنات والهيروين، يعرفون جيدًا أن أعراض انسحابها أصعب وأطول بكثير من الهيروين، الذي تستغرق فترة انسحابه من أسبوع إلى أسبوعين.

وينصح المتخصصون بالانسحاب البطيء، الذي يصل إلى ستة أشهر في حالات الإدمان، عن طريق تقليل الجرعة تدريجيًّا، مع المواظبة على بعض الأدوية المعالجة للأعراض الجانبية، فيتم خداع الجسم والمخ وتهيئتهما على أن هناك انخفاضًا تدريجيًّا ومطردًا وبطيئًا في تركيز الموادّ الكيميائية المخدرة، حتى يصل المخ إلى حالته الطبيعية.

ويقول دكتور أحمد خالد، رئيس مستشفى الأمل لعلاج الإدمان: "هناك حالات لا يصل فيها المخ إلى حالته الطبيعية حتى بعد انتهاء فترةالعلاج، فأعراض الانسحاب تختلف من شخص لآخر، وفقًا للحالة الصحية العامّة، وحدّة الإدمان، ونوع المخدر، ومدة التعاطي، والشخصية، وأسلوب الحياة، وإذا ما كان يتعاطى مخدرات أخرى أقلّ أو أكثر حدة مثل القنّب أو الحشيش، أو الهيروين، وأخيرًا وليس آخرًا العامل الوراثي. ويبدأ المدمن بالشعور بأعراض مختلفة بعد توقيف المخدر مثل التعب، والعرق الشديد، والإسهال، والصداع، والبرد، وتكسير يكاد يحطم عظامه وضلوعه، والاكتئاب".

وتمتدّ قصص إدمان المسكنات والمنشطات التي استمعنا إليها لتشمل أطباء، وومرضين، وطيارين، وأناسًا من مختلف المهن التي تتطلب مجهودًا ذهنيًّا وبدنيًّا عاليًا. فهذا ممرض أدمن حقن البثادين التي يأخذها المرضى بعد أداء عمليات جراحية كبير لتسكين الألم، وأخذ يسرق تلك الحقن لنفسه، وفصل من عمله بعد اكتشاف أمره، وطبيب بدأ الأمر معه بمسكّن لعلاج الصداع النصفي، وبدأ بحبة واحدة ثم زاد الجرعة إلى ثلاث حبات ليشعر بحالة من النشوة العالية، لكنه انتبه أنه على وشك الدخول في تلك الدائرة المظلمة، فتوقف فورًا .

كما بدأت ظاهرة جديدة في مصر وهي "الدكتورشوبنغ"، وهي قيام المدمن بالكذب على الطبيب واختلاق أعراض مرض ما في العظام، كالانزلاق الغضروفي، ليحصل على وصفة علاجية بها مسكّنات للألم، ويتوجّه لأكثر من طبيب لكي يصرف له نفس الدواء، نظرًا لأنه مسجّل محليًّا ضمن جدول المخدرات.

الشيء الذي يجمع قصص كل من تحدثنا معهم، هو ذلك الإحساس بالثقة الزائدة بأنهم جميعًا لن ينجرّوا إلى الإدمان؛ لأن كل شيء "تحت السيطرة". الكل يجمع على أنهم كانوا يستطيعون التوقف متى يشاءون . لكنهم لايريدون.

قابلنا من تعاطى الترامادول والمسكنات بسبب الجنس،ومن كان يتناوله ليساعده على إكمال يومه، وهناك من يتخذه بديلًا للهيروين، فيقوم بطحنه ثم يستنشقه؛ لأن الهيروين مرتفع الثمن.

اللافت أيضًا أنك لو دخلت بعض الصيدليات، لن يكون من غير الطبيعي أن تسأل عن الترامادول وتلك الحبوب المخدرة التي بات لها مصطلحات شائعةمثل: "أريدُ حبةَ باور" أو "تفاحة" أو "فراولة"، وهناك ماركة "التفاحتين" و"الفراولة" في صنف الترامادول، فترى تفاحتين مرسومتين على الحبة، وأخرى مطبوعًا عليها الفراولة.

ويريد خالد، (الحالة الثانية)، أن يبسط لي الأمر، وإن بالغ في التوصيف، فيقول :"إن الترامادول تستطيع الآن أن تشتريه من السوبر ماركت، أو من أي مكان. ولو سألت أحدًا عمن يبيع المنشطات في مكان ما، فسوف يدلّك على أحد حتمًا. أما في السابق فلم تكن تستطيع أن تسأل أحدًا عن هذا. فبالتأكيد كنت ستخجل أن تسأله خشية أن ينهرك، أو يبلغ عنك الشرطةويتسبب في سجنك. أما الآن فلو سألت أحدًا عن الترامادول، فكأنما تسأله عن عنوان. ولى زمن الخجل."

المشاركون في هذا العمل:
المؤلف: أحمد ماهر
المنتج: محمود أبوبكر
تصميم الغرافيك: إسماعيل منير - أليس غرينيه (Alice Grenie) - ليونيه روبرتسون
رؤساء التحرير: محمد يحي - مصطفى كاظم - أشرف مدبولي