أسلحة المراقبة الشاملة

ما مدى سهولة اختراق أي حكومة لهاتفك؟

أمر المراقبة الإلكترونية الشامل لا يمسني؛ فليس لدي ما أخفيه… لم علي الإكتراث؟

يفيد وثائقي أسلحة المراقبة الشاملة أن حكومات عربية تقتني أنظمة متطورة من شركات غربية تمكنها من تتبع كل عملية شراء تقوم بها، كل مكالمة هاتفية تجريها، كل موقع تزوره وكل رسالة نصية ترسلها أو تستقبلها. هذا يعني أن في أيدي الحكومات أداة قوية تمكنها من الكشف عن نوايا شعوبها عن طريق فرض نوع عالي من الرقابة. لكن ما هي عواقب اعطاء أفضلية للأمن على حساب الخصوصية؟

يكشف هذا الوثائقي أن تغريدة عن تجاوزات ارتكبتها الحكومة الإماراتية أدت إلى اعتقال الناشط الإجتماعي أحمد منصور لمدة ٨ أشهر بعد إنفاق حكومة بلاده أموالًا هائلة لتعقبه، أهلته للقب "معارض المليون دولار"

الإحساس بالمراقبة إحساس شنيع وسيء… هو اختراق لخصوصيتك كما لو أن شخص يدخل إلى غرفة نومك

أحمد منصور
"الإعتقال كان اختطاف مش اعتقال، كنت في مقهى وحضروا اثنين واختطفوني إلى مكان طبعا مجهول" نبهان الحنشي، احتجزته السلطات في أعقاب الاحتجاجات في عُمان ضمن تحركات الربيع العربي. 


"الإعتقال كان اختطاف مش اعتقال، كنت في مقهى وحضروا اثنين واختطفوني إلى مكان طبعا مجهول" نبهان الحنشي، احتجزته السلطات في أعقاب الاحتجاجات في عُمان ضمن تحركات الربيع العربي. 

تكشف نوال المقحفي في هذا التقرير عن أدلة تؤكد انفاق حكومات عربية الملايين لاقتناء أجهزة تجسس إلكترونية متطورة تمكنها من مراقبة مواطنيها طوال الوقت. وأوضح خبراء أن تلك الأجهزة قوية لدرجة أنها قد تمكن الحكومات التي اقتنتها من استخدامها ضد بريطانيا وحلفائها.
بيّن التحقيق الذي أجرته بي بي سي عربي و صحيفة دنماركية على مدار عام كامل عن أدلة تؤكد أن شركة "بي أيه إي سيستمز" البريطانية للصناعات الدفاعية قامت ببيع أجهزة تجسس إلكترونية متطورة سرًا لكل من الجزائر، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، عمان، قطر، والمغرب. تمكن هذه الأجهزة الدول من وضع الأشخاص والمنظمات تحت مراقبة إلكترونية شاملة طوال الوقت.

وأعربت منظمات حقوقية وخبراء في الأمن الإلكتروني عن مخاوفهم الشديدة من إمكانية استخدام هذه التكنولوجيا المتطورة في التجسس على ملايين الناس أو قمع أي شكل من أشكال المعارضة. ومنذ عام ٢٠١١، كثّفت دول الخليج ودول عربية أخرى جهودها للحد من أي معارضة من خلال سن قوانين صارمة للتصدي لما تصنفه بجرائم الإنترنت.

إن ما يجري في العالم العربي جزء من نسق عالمي يدعو إلى القلق

جاس هوزين

بدأ التحقيق في بلدة نورسونبو الدنماركية، مقر شركة "إي تي آي" المتخصصة في صناعة أجهزة التجسس المتطورة. وطورت الشركة نظامًا قادرًا على تمكين الحكومات من القيام بعمليات مراقبة جماعية لاتصالات مواطنيها وأطلقت عليه اسم "إيفدنت". وتحدث أحد الموظفين السابقين في الشركة لبي بي سي ، دون كشف هويته، عن طريقة عمل هذا النظام.

وأضاف: "ستكون قادرًا على اعتراض أي نشاط على الإنترنت. وإذا أردتَ القيام بذلك في دولة بأكملها، فستستطيع. يمكنك تحديد مواقع الناس من خلال بيانات هواتفهم المحمولة، كما يمكنك تتبع الناس من حولهم. هذه الوسائل تستخدم تكنولوجيا متقدمة إلى حد كبير في التعرف على الأصوات. تلك التكنولوجيا كانت قادرة على فك الشفرات".

وكانت الحكومة التونسية من الزبائن الأوائل الذين اشتروا النظام الجديد. والتقت بي بي سي مسؤولًا سابقًا في الاستخبارات التونسية كان يتولى تشغيل إيفدنت لصالح نظام الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي. وقال هذا المسؤول:

"إي تي آى ركبت هذا النظام. وجاء المهندسون لتنظيم دورات للتدريب على استخدامه. يعمل النظام بكلمات دالة. أنت تدخل اسم معارض من المعارضين، ثم تراقب جميع المواقع والمدونات والشبكات الاجتماعية المرتبطة بذلك المستخدم."

"إي تي آى ركبت هذا النظام. وجاء المهندسون لتنظيم دورات للتدريب على استخدامه. يعمل النظام بكلمات دالة. أنت تدخل اسم معارض من المعارضين، ثم تراقب جميع المواقع والمدونات والشبكات الاجتماعية المرتبطة بذلك المستخدم."

ويقول المصدر إن الرئيس بن علي استخدم النظام لقمع المعارضين حتى الإطاحة به في يناير/ شباط ٢٠١١، فيما انتفاضة شعبية انطلقت بعدها موجات الربيع العربي بالمنطقة.

هواتف "لها آذان"

وفي الوقت الذي امتدت الاحتجاجات إلى أنحاء العالم العربي، باتت وسائل التواصل الاجتماعي أداة رئيسية لمنظمي هذه الاحتجاجات. وبدأت الحكومات في البحث عن أنظمة تجسس إلكترونية أكثر تقدمًا، ما فتح أسوقًا جديدة مربحة للشركات العاملة في هذا المجال، مثل بي أيه إي سيستمز.

في عام ٢٠١١، اشترت بي أيه إي سيستمز شركة إي تي آى وأصبحت الشركة فرعًا من مجموعة "بي أيه إي سيستمز أبلايد إنتليجنس". وخلال الخمس سنوات التالية، استخدمت بي أيه إي سيستمز فرعها في الدنمارك لتوريد أنظمة إيفدنت لكثير من دول الشرق الأوسط التي لديها سجلات مثيرة للجدل في حقوق الإنسان.

كشفت معلومات حصلت عليها بي بي سي وصحيفة "داجبلاديت إنفورميشن" الدنماركية بموجب قوانين حرية الاطلاع على المعلومات، عن عمليات تصدير لكل من السعودية ودولة الإمارات العربية وقطر وعُمان والمغرب والجزائر.

وبينما لم يكن ممكنا الكشف مباشرة عن حالات فردية ترتبط بنظام إيفدنت، كان لمستويات التجسس الإلكتروني المتزايدة تأثير مباشر وبالغ على تحركات نشطاء حقوق الإنسان والمدافعين عن الديمقراطية في الكثير من الدول التي اشترت إيفدنت.

ودفع هذا الوضع المنظمات الحقوقية والنشطاء إلى التعبير عن مخاوفهم البالغة على مستقبل المجتمع المدني في الشرق الأوسط. ويحذر جاس هوزين، من منظمة "بريفاسي إنترناشيونال"، وهي منظمة غير حكوميّة في بريطانيا تعنى بالدفاع عن خصوصية الأفراد على الإنترنت، من أن التجسس سيقوض ثقة الناس في تنظيم الأفكار والتعبير عنها ومشاركتها في محاولة لخلق حركة سياسية.

"لن يكون من قبيل المبالغة لو قلت إن أكثر من ٩٠% من أنشطة المشاركين في حملات سياسية في عام ٢٠١١ قد اختفت الآن".

يحيى عسيري، ضابط سابق بسلاح الجو السعودي٬ فر من البلاد بعد نشر تعليقات على الانترنت مؤيدة للديمقراطية

"استُخدم (النظام الجديد) ليكون الجدران التي لها آذان، والآن الهواتف الذكية هي التي لها آذان".

"ليست هناك دولة تراقب مواطنيها بنفس الطريقة التي تقوم بها دول الخليج. إنهم يمتلكون المال، لذلك في استطاعتهم شراء برامج التجسس المتقدمة."

منال الشريف، الناشطة الحقوقية السعودية التي تعيش خارج البلاد

الرد؟

طلبت بي بي سي من حكومات السعودية وعُمان والإمارات التعليق على ما جاء في التحقيق، غير أنها لم تتلق أي ردود حتى الآن. ورفضت بي أيه إي سيستمز في بريطانيا طلب بي بي سي لقاء أحد مسؤوليها للتعليق على نتائج التحقيق . وقالت: إن الطلب يتعارض مع سياسة الشركة بشأن عدم التعليق على عقود بعينها. لكن الشركة قالت، في بيان مكتوب إنها "تعمل مع عدد من المنظمات حول العالم من خلال الإطار القانوني لجميع الدول ذات الشأن ضمن مبادئ التجارة المسؤولة لدينا."

"غير مقبول"

تعتبر النائبة الهولندية، ماريتج سكايك، واحدة من السياسيين الأوروبيين القلائل الذين أبدوا استعدادهم لبحث المخاوف الناجمة عن تصدير تكنولوجيا المراقبة والتجسس. وتقول إن الدول الأوروبية ستدفع في النهاية ثمن التنازلات التي تقدمها الآن. ومضت قائلة: "مع كل حالة يُكمّم فيها فمٌ أو ينتهي الأمر بشخص إلى السجن بمساعدة تكنولوجيا تبتكرها دول الاتحاد الأوروبي، أعتقد أنه أمر غير مقبول."

مع كل حالة يُكمّم فيها فمٌ أو ينتهي الأمر بشخص إلى السجن بمساعدة تكنولوجيا تبتكرها دول الاتحاد الأوروبي، أعتقد أنه أمر غير مقبول.

النائبة الهولندية، ماريتج سكايك

وقالت: "أعتقد أن تلك الشركات تلعب في حقيقة الأمر أدوارًا تجارية، لذلك فإن تطوير التكنولوجيا المتقدمة التي يمكن أن يكون لها تأثير بالغ على أمننا القومي وعلى حياة الناس أمر يتطلب النظر مرة أخرى في أي نوع من القيود التي يجب فرضها عليها، وأي نوع من الشفافية والمساءلة اللازمة في هذه السوق قبل أن تنقلب ضد مصالحنا ومبادئنا الخاصة".

تراخيص التصدير: الأمن على حساب الخصوصية

حصلت بي بي سي على رسائل إلكترونية تعود لعام ٢٠١٥ بين هيئات التصدير البريطانية والدنماركية، أعرب فيها الجانب البريطاني صراحة عن بالغ مخاوفه إزاء هذه الإمكانية في إشارة إلى مبيعات نظام إيفدنت إلى الإمارات العربية.

وتقول الرسالة: "سنرفض منح ترخيص لتصدير برمجيات تحليل الشفرات من المملكة المتحدة بسبب المخاوف المنصوص عليها في المعيار الخامس (من المعايير اللازم مراعاتها عند إصدار ترخيص التصدير)". يشير هذا المعيار إلى الإضرار بالأمن القومي لبريطانيا وحلفائها. ويكمن هذا القلق في أن هذه البرنامج قد تمنح مستخدميها إمكانية الوصول إلى الاتصالات البريطانية نفسها.

وعلى الرغم من اعتراضات الجانب البريطاني، وافقت الهيئات الدنماركية على تصدير إيفدنت. ورفضت وزارة الخارجية الدنماركية إجراء مقابلة بشأن القضية، غير أنها قالت في بيان إن هيئة التجارة الدنماركية لم تكن لتمنح ترخيصًا بالتصدير إذا رفضت دولة ما في الاتحاد الأوروبي التصدير بسبب دواعٍ أمنية. ويقول خبراء في الشؤون الأمنية إنه بينما تواجه دول كثيرة في أنحاء العالم تهديدات إرهابية متزايدة، ثمة تبرير واضح لمبيعات أجهزة المراقبة والتجسس."

ويقول جوناثان شاو، الرئيس السابق للأمن الإلكتروني في وزارة الدفاع البريطانية: "إنها تضحية بخيارات للحصول على أخرى". وأضاف: "أتصور أن الاعتبار الذي يشغل الأذهان لا يرتبط كثيرا بالجانب المادي، لكنه يرتبط بأمن الدولة التي نتعاون معها ومدى قربها من بلدنا. أو أنهم يتعقبون أشخاصا يشكلون تهديدا مباشرًا لبريطانيا ونحتاج مساعدتهم."

ووفقا لتقرير أعدته وزارة الداخلية البريطانية عام ٢٠١٦، اضطلعت تكنولوجيا المراقبة الجماعية بدور مهم في أي تحقيق موسع يُجرى بشأن مكافحة الإرهاب خلال العقد الأخير.

وتابع: "كلما زادت الحوادث الإرهابية، يزداد عدد الذين يشرعون في إعطاء أفضلية للأمن على الخصوصية." ولم يرغب أي مسؤول من الحكومة البريطانية في التحدث إلى بي بي سي بشأن الآثار الناجمة عن مبيعات أنظمة إيفدنت. لكن وزارة التجارة الدولية أصدرت بيانا، قالت فيه: "الحكومة تضطلع بمسؤوليتها بشأن صادرات الصناعات الدفاعية على نحو جاد وتستخدم واحدًا من أقوى أنظمة مراقبة الصادرات في العالم."

وأضافت: "جميع طلبات الحصول على تصاريح (تصدير أسلحة) تُقيم كل حدة وفقًا لمعايير صارمة، مع الأخذ في الاعتبار العوامل المتعلقة في وقت تقديم الطلب، من بينها اعتبارات حقوق الإنسان."

حصل وثائقي أسلحة المراقبة الشاملة على جائزة "أريج" لأفضل تحقيق ضمن فئة الأفلام الطويلة.

تشكل أسلحة الرقابة الشاملة تهديد خطير لمبدأ الحرية برمته

فريق العمل
تحقيق: نوال المقحفي
إنتاج: Rosie Garthwaite
مساعد منتج: Owen Pinnel
المنتج المنفذ: Christopher Mitchell Marc Perkins
تصوير: David Langan
Cherbel Garbo
Nazim Aggoume
Rachelle Noja
Marouba Jaoubi
إخراج: Elizabeth C Jones
غرافيك: Lior Ben Gai
Brian Dunphy
Goldsmith University London