حكاية لاجئة سورية: عندما كان صغيري يلهو بيد آدمية

لورين لاجئة كردية سورية عمرها 37 سنة تروي لـ هيفار حسن الصحفية في بي بي سي العربي، حكاية رحلتها الطويلة من الوطن إلى المهجر والتي تلخصها بقولها: "إن الموت غرقا خيار يماثل الموت ذلاً".

ليلة سقوط القذيفة على منزل جارنا

بعد الساعة الثامنة مساءً بقليل، كنت أقوم بعملي الذي يعينني على إعالة أسرتي على ماكينة الخياطة. نزلت لحظتها القذائف مثل مطر غزير على حينا الشعبي الفقير في مدينة حلب. هرعت مع أبنائي الثلاثة إلى الغرفة الداخلية البعيدة عن النوافذ، كنا خائفين جداً، كاد قلبي يتوقف من شدة ارتجاج نوافذ منزلي، لم يكن بمقدوري فعل أي شيء سوى الدعاء لربي بألا أفجع بأحد أبنائي الثلاثة.
(تنفست لورين الصعداء وصمتت برهة قبل أن تتابع)
كانت الليلة شديدة الظلمة بعد أن انقطع التيار الكهربائي وهو ما زادني خوفاً. لم أكن أعرف من يحارب من، كانت الفصائل كثيرة... كانت متداخلة. لم نسمع سوى صيحات التكبير التي كانت تزيد أطفالي رعبا لأنه ارتبط في ذاكرتهم بالموت والقتل والخراب... لكن أكثر ما كان يخيفني في تلك اللحظات هو أن يأتي أحدهم ويهددني بالاغتصاب وأخذ أبنائي حسبما ما سمعت من الجيران.
كنت أما وحيدة مع أبنائي الثلاثة الذين لم يتجاوز عمر أكبرهم 15 عاماً. غطيت أبنائي ببطانية في زاوية الغرفة مطمئنة إياهم بأننا سنكون بخير وسنرحل في الصباح الباكر إلى قريتنا الآمنة.
استمر القصف حتى ساعات الصباح الأولى. وما أن سمعت أصوات الجيران في الخارج حتى خرجت وإذا بالجميع يستعد للرحيل. كان الكل مذعوراً بسبب سقوط تلك القذيفة على
منزل جارنا أبو أكرم والذي لحسن حظه كان قد رحل عن المنزل في وقت سابق.
حمل الجميع حقائبهم واعتزموا الرحيل، وكان الضجيج يملأ المكان. أخذت أبنائي ولحقت بالآخرين متوجهة إلى قريتنا في عفرين التي تبعد ساعة واحدة عن مركز مدينة حلب.

رحلة الهروب الأولى

في الطريق إلى القرية، كانت هناك نقاط عسكرية كثيرة، لم أميز بين الحكومي والمعارض منها. توقفت الحافلة التي اقلتنا عند كل نقطة تفتيش ساعات طويلة، دون أن نعلم لماذا؟ ولكن سمعت من أحدهم يهمس أن هذا المكان شهد معركة شرسة بين فصيلين صباح اليوم، حصدت الكثير من الأرواح من الجانبين، لم يذكروا من هما!
بينما كنا جميعاً ننتظر على الطريق العام خارج الحافلات السماح لنا بالمرور عبر نقطة التفتيش، هرع ابني الأصغر الذي كان يبلغ 12 عاماً إليّ وهو يلهو، ليريني شيئاً ما، خيل له أنه قطعة من لعبة ما. يا إلهي! إنها يد بشرية حقيقية... تسارعت دقات قلبي من هول الصدمة ورهبة الموقف.

لم أستطع أخذها من يديه، توقفت لوهلة جاحظة العينين، سرعان ما رأى أحدهم ما بيديه فأخذها منه بسرعة البرق ورماها بعيداً...
بعد خمس ساعات من الانتظار، سمح لنا بالمرور. وصلنا إلى القرية، وبعد أسابيع قليلة لم يعد لدي المال الكافي لإعالة أسرتي، ولا مجال لممارسة أي عمل في القرية التي اكتظت بالنازحين مثلي. لا خيار سوى الرحيل مرة أخرى إلى أي مكان خارج البلاد.

الهجرة

سافرت إلى إقليم كردستان العراق، حيث كان لي أقارب ومعارف رحلوا إلى هناك سابقا، وهو الأمر الذي شجعني على ذلك، وبعد رحلة دامت 17 ساعة والوقوف طويلاً في الطوابير على الحدود السورية العراقية، وصلت إلى مدينة السليمانية.
التقيت ببعض أبناء المدينة الطيبين الذين ساعدوني في إيجاد فرصة عمل، كان علي أن أختار أي عمل يساعدني في إطعام أبنائي ودفع إيجار السكن. لم تكن مهنة الخياطة مجدية لأنها تحتاج إلى زبائن ومعارف كثيرين، فقررت العمل كطباخة في مطعم صغير متواضع وبأجر زهيد، كنت اصطحب أبنائي الثلاثة معي أيضاً ليعملوا بأجور زهيدة، ثم بقيت وحدي أعمل هناك لمدة ثلاث سنوات بعد ان تمكن أبنائي من العمل في بقاليات الحي.

تحرش جنسي

لم تكن حياتي اليومية عادية وسهلة على الإطلاق. كنت أتعرض للتحرش والإزعاجات كل يوم أخرج فيه إلى العمل، من سائقي التكسي وزبائن المطعم ومرتادي السوق
وأصحاب المحلات والبقاليات وحتى من أصحاب "البسطات" الصغيرة على أطراف الطريق.

كانت عروضهم الرخيصة تنهال علي كل يوم، وكثيرا ما كانوا يقولون لي: "أنت جميلة جدا ولا ينبغي لامرأة مثلك أن تقوم بهذا العمل الشاق لساعات طويلة، كوني صديقة لي وأنا ألبي جميع طلباتك"، وبالطبع "الصديقة" في مفهومهم الذكوري تعني عشيقة!
كنت أشعر بالقرف والاشمئزاز من نظراتهم الشهوانية ورغباتهم الحيوانية. كان يخيل إلي كل صباح بأنني ذاهبة إلى غابة مليئة بالذئاب، وعلي أن أتوخى الحذر الشديد.
(هكذا كانت حياة لورين لبضع سنوات، حتى تعبت ويئست تماماً، فقررت السفر إلى أي بلد أوروبي أكثر أمانا لامرأة مثلها)

توجهت إلى اسطنبول حيث يوجد عدد كبير من السوريين والمهربين وهو ما أحتاجه. بقيت وأبنائي الثلاثة في المدينة مدة شهرين حتى وجدنا من نسافر برفقتهم إلى أوروبا. عمل أولادي الثلاثة خلال تلك الفترة في ورشات الخياطة لمدة شهر.
لقد استغلوا جهد أبنائي، ولأننا نازحون، لم يكن هناك من ينصفنا ولم يكن بمقدورنا فعل شيء سوى الصمت والحزن واليأس والتفكير بمغادرة تركيا في أسرع وقت ممكن.
تعرفت على عائلات سورية كانت تستعد للسفر بعد أسبوع، فقررت الانضمام إليها رغم معرفتي المسبقة بمخاطر السفر بالقارب المطاطي أو ما اعتاد أن يسميه النازحون " قوارب الموت " بسبب الأعداد الهائلة من اللاجئين الذين ماتوا غرقاً في البحر المتوسط أثناء ركوبهم هذه القوارب محاولين الوصول إلى اليونان.

طفل آخر ينضم إلينا

كان علي أن أحمل عبئا آخرً إضافة إلى عبء أبنائي الثلاثة. ففي ليلة الرحيل، توسل إلي طفل عمره 15 عاما ويدعى باران وكان يعمل في تركيا مع أحد أبنائي وصارا صديقين. كان باران يعمل ليعيل أمه وأخواته الأصغر منه سناً وجميعهم من عفرين شمالي حلب. في البداية رفضت بشدة لأنني أعلم أن الرحلة محفوفة بالمخاطر.
لكنه رجاني كثيرا، وانضم ابني إليه محاولين اقناعي بالموافقة على مرافقة باران لنا في رحلة الهجرة الى أوروبا. لان قلبي ووافقت بعد اتصلت بوالدته المقيمة في عفرين، وهي الأخرى طلبت مني راجية أن أكون وصية عليه كأحد أبنائي وقالت إنها تؤمن بالقضاء والقدر. أوكلت إلي مهمة رعايته حتى يصبح بالغاً، فقبلت وصار برفقتي أربعة أبناء بدلا من ثلاثة.
ليلة الهروب وقارب الموت
(تتنهد لورين وتصمت برهة ثم تتابع)
كانت ليلة محاولة الهروب إلى اليونان مثل كابوس على صدري، لم يكن قراراً سهلاً أن أجازف بحياتي مع أبنائي وباران في رحلة لعينة، مات بمثيلاتها المئات من الأطفال والشيوخ والنساء والشباب غرقاً في عرض البحر. لم يكن شبح الموت يفارقني في كل دقيقة تقترب فيها ساعة الرحيل.

قارب الموت

كان الموت في عرض البحر خياراً ليس أقل سوءً من المذلة والإهانة. كنت كمن خُيّر بين "مَوتين"، فاخترت أحدهما.
جاءت الساعة التي صعدت فيها إلى قارب الموت. كنت أصلي، فقط أصلي في هذا الفضاء المرعب، كان للبحر رهبة لا أستطيع وصفها، وأنا أخاف البحر ولا أجيد السباحة، كنا 40 لاجئاً على متنه، في حين لا يفترض أن يحمل القارب أكثر من 20 شخصاً. جادلنا مهرب البشر الذي وعدنا برحلة آمنة. لكنه قال إن أحببتم اركبوا وإلا فابقوا، فكان الخيار أن نركب حيث لم يبق لدي من المال ما يكفينا للعيش بعد أن دفعنا له كل ما نملك.
كان خوفي من الساعتين التي قضيتهما على متن ذلك القارب يعادل كل المآسي التي واجهتها في حياتي. كنا على وشك الغرق من كثرة العدد. كان صراخ الأطفال والنساء يعلو مع علو كل موجة، وكنت قد أحكمت يدي بأيدي الأطفال خوفا من غدر البحر وأمواجه. وظهر بريق الأمل عندما تقدم نحونا خفر السواحل اليونانية وأخذنا إلى جزيرة نائية لم أعد أذكر اسمها الآن.
نافذة الأمل
لم أصدق أذني وعيني عندما تقدمت إلي سيارة بيضاء عليها علامة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وسألنا أحدهم باللغة العربية: "هل تريدون الذهاب إلى ألمانيا، فنحن هنا وسنساعدكم". بالطبع نعم ، نعم ، نحن نعم، نحن نريد. تلعثمت ولم اعرف ماذا أقول من شدة الفرح، أخذوني مع أبنائي وباران في سيارة خاصة وأخذوا الشبان بالباصات. وبهذا تخطينا كابوس المهربين"في اليونان.

صديقتان بالصدفة

وصلت إلى معسكر اللاجئين في ألمانيا صباح اليوم التالي، وهناك التقيت بامرأة حامل، لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، كانت تدعى شيرين. سألتها عن زوجها، وإذا كان لها أقارب، حكت لي قصة وفاة زوجها الذي قتل على يد قناص في حلب، وقصة رحلتها الطويلة حتى وصلت إلى ألمانيا. أصبحنا صديقيتن وتعاهدنا على التواصل.
وبعد شهرين، فرقتنا إدارة المعسكر، وبتنا على بعد مئات الأميال عن بعضنا.

اتصلت بي شيرين في صباح أحد الأيام ورجتني أن أسافر إليها فقد حل موعد ولادة مولودها. كانت خائفة لأنها وحيدة ولا تجيد اللغة، وهذا هو حملها الأول. طمأنتها وسافرت إليها كما وعدتها، بقيت بجانبها وبجانب طفلتها الجميلة، كنت أرعاها ريثما تتعافى، لكن الطبيب أخبرني بمرض شيرين وإن عليها أن تخضع لعملية فورية"!.
أوصتني شيرين بابنتها قبل دخول غرفة العمليات، وعدتها بأن أرعى الصغيرة وأهتم بها ريثما تستيقظ من التخدير وأن كل شيء سيكون على ما يرام... استيقظت شيرين ولكن ذلك لم يدم طويلاً، فبعد أيام كانت شيرين قد فارقتنا تاركة معي أمانة. وليدتها الصغيرة.

موت صديقة

نعم، رحلت شيرين ولم يستطع جسمها الضعيف مقاومة المرض.
كان علي أن "أحارب" من أجل الحصول على الطفلة التي كان عمرها سبعة أيام فقط. كانت إدارة المستشفى مصرة على نقلها إلى دار الأيتام لأنهم لا يعرفون عني شيئاً حسب ما قالوا لي. وكلت محاميا ليدافع عن حقي في الوصاية على الطفلة جينا، التي تعلقت بها كما لو كنت أمها، وقاموا بالتحقيق معي ومع أبنائي و كل من يعرفني من مسؤولين ليتأكدوا من أنني الأم المناسبة للطفلة. وبعد فترة مراقبة طويلة دامت ستة أشهر وأنا أقوم برعاية الطفلة، حصلت على حق التبني رسمياً وأصبحت طفلتي التي تبلغ من العمر الآن ثلاثة عشر شهراً.
تختتم لورين كلامها: ما زلت أحتفظ بصورة شيرين الجميلة، ستكبر جينا يوماً ما وسأحكي لها عن رقة وطيبة أمها التي لم يتسن لي معرفة الكثير عن عائلتها.

المشاركون في هذا العمل:
اعداد: هيفار حسن
الرسوم: حسين فقه