حكاية خصلة شعر

مدونة بي بي سي عربي

أصحاب شعر أجعد يكتبون بحماس عن حياتهم مع الخصلات المتمردة. قد يبدو تخصيص مدونة كاملة لقصص عن خصلات الشعر أمرا مبالغا فيه، لكن هذه القصص تُظهر جانبا خفيا من تحكّم المجتمع بمظهرنا وأجسادنا خصوصا بالنسبة للمرأة.

يلفت الشعر الأجعد الأنظار لاختلافه، لكن كثيرين لم يمتلكوا الجرأة على ترك شعرهم الأجعد حراً، واحتاجوا زمنا لقبول تموج شعرهم وعدم وجود ضرورة لشده كي يصبح أملس ليشبهوا غيرهم.

عن حياة خصل شعر أجعد تنقل أصحابها بين الجزائر ولندن، سوريا وهولندا، وجدة وكولومبو في سيرلانكا؛ عن أسرار وحكايات عمرها سنوات، بعضها يرجع لأيام الطفولة والمراهقة، يكتب أربعة مدونين لبي بي سي عربي في مدونتنا الثالثة: "حكاية خصلة شعر".

"الكدش" في مدينة الذكور

"احتجزت وكان المتهم شعري الذي لم يسرق، لم يؤذ، لم يقتل".

محمد الخمري – شاب يمني عاطل عن العمل حاليا، مقيم في جدة

أطلق العنان لروحي المقيدة في مدينة المتاريس الضخمة، أرقص متخفياً في الهواء الطلق بنغمات موسيقى الهيب هوب، يصاحبني في الرقص الحر، ابتسامة عريضة، وشعري الأجعد المموج؛ تغطي بعض من خصلات شعري السميك أذناي لتقيهما من هترات المدينة الغارقة في الزيف والادعاءات الفاضلة: "أنت ولد ولا بنت؟" أناااااااااا إنساااااااان

@Mohammed Alkhamri

@Mohammed Alkhamri

أصرخ وأدك الأرض لأكسر أغلال المدينة الأبوية والأنماط الجندرية التي تقيدني... تأتيني فتاة من حيث لا أدري وتجر شعري على حين غفلة "هذا شعرك الطبيعي؟"، نعم يا سيدتي، هذه ليست باروكة زائفة مثلها مثل الزيف الهائل الذي يطالك من رأسك لقدميك.. أحذرّك، إذا وضعت يدك في شعري مجدداً فستُعتقل في الداخل من قبل جنود مموجين وعنيدين وصامدين، لن تتمكني من الفكاك من الخصل المترابطة والمتداخلة.

تحط مجموعة من الخصل السميكة على جبهتي العريضة التي آرقها التفكير والتعب. تخفي خصلي المجيدة تساؤلات تغرزت على شكل تجاعيد عريضة مخترقة عمري العشريني. هذه التجاعيد تُحفر مع كل صفعة وعقاب ونهر وإقصاء ينهال عليّ بسبب شعري الجميل والمموج.

لماذا تحاربني مدينتي وتتأمر على شعري المسالم جداً؟

"يا ابني قص شعرك": هذه أمي تكرر ذات الجملة كل صباح، كل مساء وفي كل لقاء، خوفاً وحباً عليّ من هذه المدينة التي تزلزلها خصلات الشاب المموجة والسميكة، خصلات تستحيل على الاستقامة، خصلات فوضويّة وأنيقة، خصلات تتعارض مع صورة الرجل الشرقي التقليدي!

@Mohammed Alkhamri

@Mohammed Alkhamri

"لا ترجع المدرسة إلا بعد ما تقص شعرك": يمنعني مدير الثانوية من دخول المدرسة لأن شعري كفيل في بث السموم اللاأخلاقية وسط المجتمع الطاهر. شعري كفيل بالتحريض على التشبه بالكفار والثوّار؛ شعري يهدد المجتمع وقيمه الفاضلة. أحكّ رأسي! لماذا كل هذا؟... أقاوم وأدخل صفي في المدرسة فتهوى مسطرة المعلم على كتفي ويجرني من شعري فتسقط خصلة شهيدة الانتهاكات والضرب الذي تعرضت له... أفلت بجلدي وبشعري. أطبب على شعري وأحدثه: لن يسمحوا لي بدخول المدرسة إلا بعد أن أفدي بك كأضحية .. كثيرون حولي يتربصون بك، يريدونك أن تتساقط، أن تكنس.. أن تدفن في سلة المهملات فتصبح لاشيء... لااااااااشيء! في سبيل أن تحيا مدينة الرجال!

"يا تقص شعرك، يا تنحبس!": في طريقي إلى العمل، يستوقفني شرطي، تسقط عيناه على شعري الأجعد الهائل، ينهال علي الشرطي ورفاقه بالسخرية، وتبدأ الضحكات بسبب "الكدش" الأفرو المموج. وعندما أحتج، أرسل إلى الحجز بتهمة الشعر الكث الكبير.حجزت وكان المتهم شعري الذي لم يسرق، لم يؤذ، لم يقتل. ليس هناك بند عالمي للدفاع عن حق الاحتفاظ بالشعر المموج الكبير والكث بغض النظر عن نوعي الاجتماعي، ليس هناك من محام يدافع عني.. عن شعري.. يتحلق العساكر حولي وتبدأ جلسة الاستحقار والاستخفاف مني ومن شعري. "أنت بنت عشان تطول شعرك؟ أنت موش رجال".

@Mohammed Alkhamri

@Mohammed Alkhamri

أصمت وأتمالك نفسي وأطلق زفرة من أعمق نقطة في روحي فتطير أمامهم بكبرياء خصلتي المموجة المنسدلة على وجهي... فإذا بهم يدفعونني.. يركلونني! يقتلهم صمتي فيأتي العسكري ويعلن حكم الإعدام على شعري ويرفض الاستئناف .. أقاوم في سبيل شعري، في سبيل كرامتي.. في سبيل رقصة الهيب هوب الأخيرة.. لكنهم يكبلونني .. يلعنونني... ويبدأون بجز شعري بتعسف، بقسوة وبعنف.. جُز شعري من جذوره لتنتصر ذكورية مريضة.. فقدت كل خصلات شعري وتعرضت للتشويه خلال عملية الجز.

انسحب عسكر المدينة بعدتهم وعتادهم وتركوني خلفهم غارقا في وسط كومة من الشعر ومن الحزن الكبير في غرفة الحجز .. تركوني والدماء تسيل من رأسي.. والندوب غائرة في روحي... انكفأت على ذاتي وتكورت داخل نفسي وأنا مطوق بالآلاف من خصلات شعري المموج... وفجأة .. فجأة يأتيني صوت من حيث لا أحتسب ... "محمد، لا تحزن... سننبت من جديد!".

جينات مهاجرة عبر طريق التوابل

"كان سهلا على الغرباء معرفة علاقة القرابة بين أولئك الأطفال؛ كان لديهم جميعا خصلات شعر مجعدة وجامحة. كانت تلك العلامة الفارقة الخاصة بعائلتنا"

آفيشا دي سارام – مهندسة ديكور من مدينة كولومبو/ سيريلانكا

لحياتي حكاية مدهشة ذات انعطافات عديدة تماماً كحال شعري.

بدأ كل شيء بسبب جدي لوالدتي الذي ولد لأب يمني وأم سوريّة في جزيرة استوائية في منتصف العالم، في سيريلانكا. هذا القدر كان مغلفا بحقيقة أن سيريلانكا كانت تتمتع بموقع استراتيجي على خط الطريق البحري لتجارة التوابل الشهير آنذاك. جذبت كنوز المنطقة - من توابل وأحجار كريمة - تجارا كثيرين من كل أنحاء العالم، بعضهم تعلّق قلبه بتلك المنطقة ولم يستطع مغادرتها أبدا.

أم آفيشا وخالاتها وأخوالها وهم أطفال في سيريلانكا
@Avisha De Saram

أم آفيشا وخالاتها وأخوالها وهم أطفال في سيريلانكا
@Avisha De Saram

عندما وصل جدي لعمر الزواج اتبع التقاليد التي كانت سائدة آنذاك وذهب إلى بيروت ليختار عروسا، اتخذ حينها ذاك القرار المهم وبعدها بسنوات أنجب هو وجدتي تسعة أطفال ذوي أصول عربية في تلك المدينة الصغيرة، وكان سهلا على الغرباء معرفة علاقة القرابة بين أولئك الأطفال؛ كان لديهم جميعا خصلات شعر مجعدة وجامحة. كانت تلك العلامة الفارقة الخاصة بعائلتنا.

ومع ولادتي، أصبح مؤكدا أن جينات الشعر المموج أصبحت راسخة في العائلة؛ فأخوتي وأبناء عمومتي البالغ عددهم نحو 37 يحملون تلك البصمة.

واثقة من أنّ كلّ امرأة ذات شعر أجعد تدرك مدى صعوبة العناية بهذه التجعيدات؛ فالأمهات لا يعرفن في بداية الأمر ما يجب عليهن فعله، لذا غالبا ما يلجأن إلى تمشيط شعر فتياتهن وضفره، في حين تختار أخريات إبقاءه قصيرا. كان شعري قصيرا، ولم يكن سهلا علي كفتاة في مقتبل الحياة أن أتقبل شعري القصير المنفوش، وعندما ظهرت في حياتي الدمية باربي وحورية البحر وجدت نفسي فجأة أنهي صلاتي قبل النوم بعبارة: "أرجوك إلهي: هبني ثديين كبيرين، وأظافر طويلة... وشعرا أملس".

آفيشا وأختها
@Avisha De Saram

آفيشا وأختها
@Avisha De Saram

وعندما بدأت بارتداء غطاء الوسادة كباروكة شعر عند ذهابي للمدرسة عرفت أني وصلت إلى مرحلة المبالغة في موضوع علاقتي بشعري، فعلا لا أمزح هنا! أعتقد أن والديّ وجدا الأمر مضحكا لذا لم يمنعاني عن القيام بذلك حتى قالت لي معلمة الصف الثالث في أحد الأيام إنها تعتقد أن الوقت قد حان للتقيد باللباس المدرسي الموحّد.

دعوني آخذكم الآن إلى حياتي قبيل المراهقة. كنا في نهاية الثمانينيات، في مدينة تبلغ نسبة الرطوبة فيها 90 بالمئة، كانت تلك حتما من أبشع الأيام التي مر بها شعري. تخيلوا شكل فتاة ترتدي قميصا ذا بطانات عالية للكتفين – كما كان رائجا حينها - وفوق ذلك تمتلك شعرا كثا!

حفل زفاف عائلي في بيروت. الجد (من سيريلانكا) والجدة (اللبنانية) يجلسان في الوسط
@Avisha De Saram

حفل زفاف عائلي في بيروت. الجد (من سيريلانكا) والجدة (اللبنانية) يجلسان في الوسط
@Avisha De Saram

لحسن حظي كان لدي بنات أعمام يعشن في الخارج ويزرننا بانتظام. حملت لي زيارات بنات أعمامي ثروة من المعرفة؛ عرّفنني على موس الشعر، وكريمات العناية بالشعر، وكيفية تجفيف شعري على نحو صحيح. بدأت بتجريب مستحضرات الشعر وأبدّل طرق تصفيف شعري، لكني كنت محاطة بعقلية المدينة الصغيرة وأنا نفسي كنت أمر بمرحلة المراهقة الصعبة، وكنت أسمع معلماتي وصبيانا سخيفين - لم يعجبهم أني بدوت مميزة - يقولون لي: "رتبي شعرك ومشطيه". شعرت أن شعري كان شيئا سيئا، وغير مرغوب من قبل أي أحد.

احتجت سنوات طويلة لأدرك تماما جمال التاج الذي أحمل، وكيف أنه يناسبني تماما. كان كل ما علي فعله هو أن أتأمل عائلتي لأفهم جيدا من أنا. أمّي وأخواتي - بالنسبة لي - نساء ذات شخصيات استثنائية؛ جميلات بطريقة طبيعية أخّاذة... كما أن تاريخ أسلافي هو عبارة عن سلسلة تموجات وتداخلات بين ثقافات وقارات ارتبطت ببعضها بفعل الزمن والقدر.ومع ازدياد تقبلي لجمال شعري، فهمت أنه من المستحيل ترويض ما هو جامح، لذا فأنا أعامل شعري اليوم كتاج؛ كتركة عائلية قيّمة نتناقلها من جيل لآخر

(التدوينة مترجمة عن نص كتب لبي بي سي بالإنجليزية)

شعري الذي أبعدني عن السعادة

"جدتي لا تزال حتى اليوم لا تحب شعري الأجعد، حتى أنها صرخت عليّ من شدة صدمتها يوم زفاف أختي عندما أبقيت شعري أجعد ووصفت خصل شعري بالعنكبوت".

هناء شايش – صحفية جزائرية/بريطانية

عندما أصفف خصلات شعري المبللة كل صباح، غالبا ما أجد نفسي أفكر بالرحلة المرهقة التي مررت بها حتى أصبح تسريح شعري أمرا روتينيا لا يحتاج إلى أكثر من عشر دقائق، وأفكر بمدى حبي لشعري المجعد والكثيف، وبالثقة التي أتمتع بها اليوم بأن أتركه كما هو، على طبيعته.

أعتبر شعري اليوم جزءا مهما من هويتي، لكني لطالما شعرت بالكره والقرف من شعري. كرهته من كل قلبي لأنه جعلني أبدو قبيحة؛ كرهت ملمسه ولم يعجبني شكله مطلقا، كان من الصعب علي أن أتعامل معه ولم أعرف كيف أسرحه.

@Hana Chaich 

@Hana Chaich 

أنا جزائرية، وعشت في العاصمة الجزائر أول عشر سنوات من حياتي؛ كان الشعر الطويل حينها موضع إعجاب وتقدير الناس لأنه أنثوي بنظرهم، لذا تركت شعري طويلا، لكنه كان طويلا وأجعد، وبسببه أصبحت أمسيات أيام الجمعة في طفولتي جحيما.

كان الجمعة يوم عطلة نهاية الأسبوع الوحيد في الجزائر في الثمانينات والتسعينيات، وكنا ننتظره بلهفة؛ كنت أنتظر الجمعة لأستيقظ باكرا وأشاهد أفلام الكرتون وألعب مع أصدقائي، ولكن كان هناك دائما ما يجثم على صدري في ذاك اليوم، كنت أنزعج من فكرة أنه مع انتهاء ساعات النهار كان علي العودة للاستحمام وانتظار أمي لتملّس شعري الأجعد بمجفف الشعر. كانت أمسيات الجمعة مؤلمة، وطويلة ولا تطاق.

كانت تلك الأمسيات متشابهة بالنسبة لكل الفتيات في صفي، فكلنا ذوات شعر أجعد، لذا تشاركنا جميعا ذاك الفزع من مجفف الشعر الذي كان ينتظرنا دائما. لكننا لم نكن نتحدث أبدا عن تلك التجربة المشتركة. أعتقد لو أننا تحدثنا عن ذلك لخففنا قليلا من صعوبة ما كنا نمر به. للأسف، لم يكن الحديث عن تلك المحنة واردا فذاك كان يعني اعترافا من قبل فتيات الصف بمدى خشونة شعرهن، وبالطبع لم تكن أيا منا تود أن تظهر نفسها على ذاك النحو. كنت في الثامنة من العمر وكان ذاك الموضوع يرهقني فعلا.

@Hana Chaich 

@Hana Chaich 

استمرت رحلة العذاب بسبب شعري الأجعد حتى بعد وصولي إلى لندن؛ وعندما بلغت 15 عاما كنت مصممة جدا على تمليس شعري على نحو دائم، خاصة بعد أن شاهدت بأمّ عيني كيف جعلت صديقاتي من ذوات البشرة السوداء شعرهن الأجعد أملسا ورائعا. سعدت عندما علمت بوجود مثل هذا الحل وقررت أنني سأستفيد أنا أيضا منه.

لكن هذا الحل كان مكلفا، وأصبح إقناع أمي بضرورته هاجسي، وشاغلي الوحيد طوال الوقت. كنت أتوسل لها ليل نهار، وأعدها بشتى الوعود، مثل أني سأرتب غرفتي كل يوم، أو أني سأنظف الصحون حتى آخر يوم في حياتي. كان كل همي مركزا على تنعيم شعري إلى الأبد باستخدام مواد كيميائية. لم أعد أستطيع التركيز على دراستي بعد أن علمت بوجود مثل هذا الحل لمشكلة شعري، كان لا بد من وضع حد لهذه المشكلة. كانت السعادة على بعد خطوة مني. حقا، بدني يقشعر اليوم وأنا أكتب وأتذكر شعوري حينها.

وجاء ذاك اليوم أخيرا. ذهبت إلى مصففة الشعر وأصبح شعري أملس وبالتالي أصبحت درجة السعادة التي كنت أشعر بها تفوق الوصف: شعرت أني أصبحت جميلة جدا، وأنثوية جدا، ومرغوبة جدا؛ أحببت ملمسه، وأحببت أن تلامس خصلات شعري الجديدة وجنتيّ. كنت أشعر بتلك النعومة وأنا أمرر أصابعي بين خصلات شعري المنسابة الطويلة. ولكن كان لكل شيء ثمنه؛ لقد كانت عملية تمليس الشعر مؤلمة جدا فالمواد الكيميائية التي استخدمت على شعري كانت قوية جدا حتى أنها حرقت جلدة رأسي، لكنها كانت تجربة تستحق أن أخوضها.

عيد ميلاد هناء ال 11 في لندن@Hana Chaich 

عيد ميلاد هناء ال 11 في لندن
@Hana Chaich 

أعرف أن ما سأقوله الآن سيبدو جملا مكرورة، لكني كصبية لم أشعر أن أيا من المغنيات أو الممثلات الشهيرات كانت تشبهني؛ كلهن كن يملسن شعورهن حتى أولئك اللاتي كن يمتلكن شعرا أجعد مثل ماريا كاري وجينيفر لوبيز. لذا عندما أطلقت شاكيرا أغنيتها الأولى - وكنت في الـ 17 من عمري - تملكني شعور رائع عندما رأيت نجمة تشبهني، رغم أن شعرها لم يكن أجعد جدا. بعدها بسنوات تحدّت مطربة عربيّة هي ميريام فارس كل معايير الجمال التقليدي التي كانت سائدة وأطلقت أول فيديو لإحدى أغنياتها (أنا والشوق) والذي كانت ترقص فيها بخصلات شعرها المموجة والكبيرة، وفي ذلك الوقت لا أذكر أني سمعت بأي مغنية عربية كانت تترك شعرها الأجعد على حريته. شعرت برهبة ذاك المشهد. كانت ميريام فارس رائعة بكل ما للكلمة من معنى، لم أستطع التوقف عن مشاهدة الفيديو مرارا وتكرارا والتحديق في صورها.

لكني في ذاك العمر كنت قد بدأت بتقبل شعري الأجعد، توقفت عن تمليسه وتركته على طبيعته فبدأت أشعر أن هذا المظهر الجديد أقرب إلى شخصيتي، وبدأت ثقتي بنفسي تزداد على نحو لم أعهده في حياتي؛ كان شعري يبدو حقيقيا؛ على سجيته. بدأت أيضا بالانتباه إلى نظرات إعجاب الناس في كل مكان أكون فيه، وأصبحت تعليقات المديح لشعري بداية المحادثات في أغلب الأحيان.

@Hana Chaich 

@Hana Chaich 

عندما زرت مدينتي الجزائر مؤخرا كان الناس ينادونني "ميريام فارس" بعد أن كانوا يشبهونني في السابق بالـ "الخروف" بسبب شعري ذاته. لكن جدتي لا تزال حتى اليوم لا تحب شعري الأجعد، حتى أنها صرخت عليّ من شدة صدمتها يوم زفاف أختي قبل عامين عندما أبقيت شعري أجعد ووصفت خصل شعري بالـ "عنكبوت".

سواء أكانوا ينظرون لي كخروف أو عنكبوت فأنا فعلا أحب شعري اليوم. أحب هذه التموجات التي سأبقيها كما هي، بل سأحرص على أن أجعلها أكثر تموجا.

(التدوينة مترجمة عن نص كتب لبي بي سي بالإنجليزية)

تكتيكات لترويض شعري الأجعد

"تواعدنا عدة مرات في مقهى، وذات يوم صيفيّ جميل في دمشق كنا نتحدث. هبت نسمة عليلة، فتأثر الشاب وأراد أن يلمس شعري. المسكين علقت أصابعه في شعري ... وذهب الشاب ولم يعد".

رولا أسد – صحفية من سوريا مقيمة في هولندا

بالكاد أذكر شعري الطويل الأجعد طليقاً في المرحلة الابتدائية، غالبا ما كان يشدّ على شكل جديلة محكمة بدءا من الجذور ويربط بشريطة مطاطية منعاً لتسرب أية خصلة. كان هذا تكتيك أمي لضبطه، معها حق، فإطلاق سراح شعري حينها كان يعني إطلاق زوبعة تلتهم ما يصادف طريقها. لا يمكن توقع ما يمكن أن تجد داخله، سيصبح كالمغارة! لم نكن وقتها قد اكتشفنا بعد مرطبات الشعر "البلسم" - وحتى لو عرفناها لم تكن لدينا القدرة على شرائها - المهم، كانت نتيجة ذاك التكتيك فراغات في مقدمة رأسي بسبب شد الشعر المبالغ فيه، وآلام في الرأس أحياناً.

@Rula Asad

@Rula Asad

لم أغير هذا التكتيك في المرحلة الإعدادية حين توليت بنفسي مهمة تسريح شعري وضبطه برفق أكثر، وفي الثانوية اكتشفت تكتيكات جديدة كانت مثيرة في البداية لكن سرعان ما مللتها؛ أولها "غُرّة الشعر" أي تقصير مجموعة خصلات شعر لتسدل على الجبين؛ ثانيها مجفف الشعر. تجرأت حينها عدة مرات فقط على تجفيف شعري أسوة بصديقاتي وللمناسبات الخاصة جداً ودون ملاحظة أحد من أهلي لأن ذلك سيلفت انتباههم إلى أنني كنت أعتني بنفسي وأحسّن من هيئتي، أي أنني كنت أراهق، وهذا ما كان يطلق عليه "جهلانة"، وضغطه الأسري أقوى من زلزال شدته ٧ ريختر.

تغيرت حياتي وحياة شعري في المرحلة الجامعية عندما تعرفت على كارولين، صديقتي التي يمتلك والدها صالون حلاقة راق في دمشق. عودتني كارولين عند الانتهاء من الامتحانات كل عام أن نذهب لصالون العم خليل ليمنحنا "نيو لوك"، ودائما كان ينتهي اللوك الجديد بلون جديد وتمليس للشعر، وكان ذاك اليوم المفضل عند أمي التي كانت تهين دائما شعري حين تراه منفلتا: "روحي مشطي شعرك، العوذ بالله من هالمنظر".لاتزال تضحكني تعليقات أحد أصدقاء الجامعة حين قال مرة: "يوم الامتحان، سأجلس بالمقعد، خلفك مباشرة لأخفي "الراشيتات" في شعرك، لن يلاحظها أحد".

وعندما بدأت أعمل، أصبحت لدي خطة ثابتة بخصوص شعري خاصة عندما كنت أتقاضى أجرا جيدا، لذا كان هناك يوم مخصص لتدليل شعري في صالون الحلاقة، ولتسريحة عالية الحرفية بدلا من تجاربي الفاشلة لتمشيطه في البيت والتي غالباً ما كانت تنتهي بشعر أملس لساعتين فقط. كما استخدمت تكتيك "الكيراتين" الشهير لفرد الشعر لستة أشهر تقريبا، عدت أيضا لتكتيك الغُرّة، ثم الشد، الفرد. لم يعد ينفع شيء! قررت بعد ثلاثة أعوام من التجارب أن أتركه على طبيعته، وهذا ما حدث.

@Mohan Dehne

@Mohan Dehne

عملت عام ٢٠٠٨ في مجلس الشعب السوري، وفي اجتماع رسمي طلب مني مديري المباشر أن أتقيد بالمظهر الرسمي أثناء العمل. نظرت لنفسي حينها، لم أفهم ماذا يقصد، كنت بالفعل ألبس بدلة قماش سوداء رسمية، لا بنطال جينز، أو بنطالا قصيرا. قالت صديقتي يومها ممازحة "شعرك هو السبب".

عاطفياً، لم يكن الأمر سهلا أيضاً. ذات مرة قبلت اقتراح أهلي بمقابلة شاب كان يعمل طبيبا في السعودية جاء في عطلة الصيف بحثا عن عروس، تواعدنا عدة مرات في مقهى، وذات يوم صيفيّ جميل في دمشق كنا نتحدث. هبت نسمة عليلة، فتأثر الشاب وأراد أن يلمس شعري. المسكين علقت أصابعه في شعري، ضحكت وقلت "تحتاجين تكتيكا آخر لهذه التجعيدات، المرة المقبلة سيكون شعري أفضل". ولكن لم يكن هناك مرّة مقبلة، ذهب الشاب ولم يعد. ربما كان شعري سبب تردده. أتذكر الأهزوجة الشامية "روحي يا سمرة يا لشعرك شعر جراس، بتفوتي عالحمام ما بينبل بمي"، وأضحك.

@Mohan Dehne

@Mohan Dehne

يُضحكني شعري، كما يضحكني كلبي "ليل"؛ عفوي وغير متوقع، وتعليقات الناس غير متوقعة أيضاً. شعري يسمح للناس بالتجرّؤ والتعليق عليه. ذات مرة كنت في القاهرة أقف على إشارة ضوئية للعبور للطرف الآخر، وكانت تقف امرأة غريبة قبالتي تمعن النظر فيّ، أصبح الضوء أخضر ومشينا باتجاه بعضنا البعض لنتقابل في منتصف الطريق، لتقول ضاحكة فاتحة يديها بتعجب: "أنت منكشوة كده ليه". أما في ألمانيا أو هولندا فأكثر ما أسمع: "ماهذا؟ غابة!".

فريق العمل:

المدونون: محمد الخمري - آفيشا دي سارام - هناء شايش - ورولا أسد

إعداد: ألمى حسون - محررة شؤون المرأة

رسوم: Alice Grenie

رئيس التحرير: مصطفى كاظم