الصبي الظاهر في الصورة

تعرض للنابالم، وأصبح يتيما، ولكن بعد ثلاثة عقود استلم رسالة غيرت مجرى حياته

كتابة: جون كاي
الفيديو والصور: أندي ألكروفت وأليكس ليتلوود

إنها ليلة السنة الجديدة، وفي شقة بائسة وخالية من الأثاث جنوب غربي انجلترا، يفتح عمار رزمة وصلته بالبريد ويستخرج منها مسحة من القطن.

لا يجد عمار ضرورة لقراءة التعليمات التي جاءت في الرزمة، فقد قرأ مثلها العديد من المرات في السابق. ينظر إلى نفسه في المرآة بينما يستخدم المسحة لمسح داخل خده لثلاثين ثانية.

بعد ذلك، يحركها في الهواء لثلاثين ثانية أخرى لتجف قبل أن يضعها في مظروف مكتوب عليه "نموذج للحامض النووي". يبدو الأمر بأسره بسيطا وسهلا.

لم يستغرق الأمر أكثر من 60 ثانية، ولكنها دقيقة قد تغير مسار حياة عمار إلى الأبد.

فلفترة قصيرة في تسعينيات القرن الماضي، اكتسب عمار شهرة كبيرة على النطاق العالمي.

فقد ظهر وجهه المشوه وقصته الحزينة في واجهات الصحف في أنحاء العالم، وتعرف على ديبلوماسيين وسفراء، كما حضر جلسة في الأمم المتحدة.

وكان يُعرف على أنه الصبي الذي خسر كل شيء في غارة استخدم فيها النابالم الحارق. وأصبح رمزا لمعاناة الشعب العراقي على أيدي رئيسهم.

يقال إن عمار أصيب بحروق جسيمة عندما "استهدفت القوات العراقية القرى الشيعية في جنوب العراق في آذار / مارس 1991".

كان الرئيس العراقي صدام حسين يحاول اعادة سيطرته على البلاد بعد أن نجح تحالف غربي تقوده الولايات المتحدة في طرد القوات العراقية من الكويت في ما يسمى "حرب الخليج".

في أعقاب تلك الحرب، انتفض بعض العراقيين على الحكومة، ومنهم أكراد في الشمال وشيعة في الجنوب.

فما كان من صدام إلا أن أرسل قواته لقمع تلك الانتفاضات بقدر كبير من الوحشية.

حرب الخليج
1990 - 1991

- الرئيس العراقي صدام حسين يغزو الكويت في الثاني من آب / أغسطس 1990، والأمم المتحدة تطالب بانسحاب القوات العراقية وتفرض عقوبات إقتصادية على العراق.

- تشكيل "تحالف دولي" يضم 35 بلدا تقوده الولايات المتحدة ويضم بريطانيا وفرنسا والسعودية ومصر وغيرها لإخراج القوات العراقية من الكويت.

العراق لا ينسحب من الكويت بموجب الموعد النهائي الذي أعلنته الأمم المتحدة في الـ 15 من كانون الثاني / يناير 1991. القصف الجوي للعراق يبدأ في اليوم التالي.

بعد ستة أسابيع، الرئيس الأمريكي جورج بوش (الأب) يعلن "النصر" على العراق، وبغداد توافق على كل القرارات الأممية.

في الأول من آذار / مارس 1991، اليوم الأول لوقف اطلاق النار الرسمي، وجد عمار نفسه في خضم واحدة من أولى الهجمات التي تستهدف الشيعة التي أمر بها صدام حسين.

يتذكر عمار يوم الهجوم الذي وقع على مدينة البصرة بشكل دقيق. يقول "كان عصرا جميلا، وعندما كنا نلعب، سمعنا أصوات اطلاق نار وصافرات انذار كما سمعنا دوي طائرات. اختبأنا أنا وشقيقتي في مخزن يطلق عليه "السايلو" ومعنا نحو 30 شخصا آخرين".

"سمعنا دوي انفجار كبير، واخترقت قنبلة طوابق المخزن الذي كنا نختبئ فيه. كان هناك وهج هائل ولم أتمكن من العثور على شقيقتي. لم أتمكن إلا من تغطية عيناي".

"كان الجميع قد لاذوا بأماكن أعمق في المخزن ولذا لم يتمكنوا من الفرار، أما أنا فكنت قرب الباب. كسرته وهربت. أظن أنني كنت الناجي الوحيد".

"كنت أعرف أن شط العرب لا يبعد عن المكان إلا بمسافة قصيرة، ولذا قفزت فيه لوقف الألم الذي تسببت به الحروق في جسمي. وأعتقد أنه أغمي عليّ بعد ذلك لأنني لا أتذكر ما وقع لاحقا".

ما وقع بعد ذلك ليس واضحا، ولكن يبدو أن المسلحين المعادين لصدام عثروا على عمار وهو فاقد للوعي على حافة النهرونقلوه إلى معسكر للاجئين في إيران المجاورة.

يتذكر عمار كيف أنه استعاد الوعي في ردهة في احد المستشفيات وكانت الحروق قد التهمت اجزاء من جسمه. ويقول "كنت ملقى هناك، وكنت أشعر بالكثير من الألم". ويضيف "كل حركة كانت مؤلمة، فلم أكن أتمكن من الكلام أو الأكل أو الشرب أو البلع. لم أكن أعرف مكان أسرتي. كنت وحيدا ولم أكن أعرف ما اذا كنت سأتمكن من النجاة."

بعد شهور ستة، وفي أيلول / سبتمبر 1991، عثرت السياسية البريطانية إيما نيكولسون على عمار في ردهة احد مستشفيات مدينة الأهواز الإيرانية.

تقول نيكولسون، "كان منظرا مروعا، فقد كان هذا الطفل يجلس لوحده وهو مصاب بحروق امتدت من رأسه إلى أخمص قدميه ويعاني من آلام مبرحة".

كانت عضوة مجلس العموم نيكولسون في جولة لتقصي الحقائق في الشرق الأوسط الغرض منها زيادة الوعي بمعاناة سكان الأهوار في جنوب العراق.

كانت بريطانيا جزءا من "التحالف" الذي طرد القوات العراقية من الكويت، ولكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها شعرت نيكولسون بأن المجتمع الدولي لم يعد يولي اهتماما كافيا بما يفعله صدام بحق شعبه.

قيل لنيكولسون إن عمار هو الفرد الوحيد من أسرته الذي نجا، ولذا سألت الأطباء والعاملين على العناية به وعمل ما يمكنهم عمله لمساعدته.

لا يقدر على الإبتسام ولا يقدر على البكاء ولا يقدر على الضحك. لا يستطيع فعل أي شيء. لا توجد في وجهه أي عضلات أو أعصاب. لا شيء

إيما نيكولسون في كلمة أمام مجلس العموم في 12 كانون الأول / ديسمبر 1991

أخبر أخصائيون طبيون نيكولسون بأن عمار بحاجة إلى علاج تجميلي متخصص عاجل في المملكة المتحدة.
عندئذ، أطلقت نيكولسون حملة لجمع التبرعات بالمشاركة مع صحيفة الصنداي تايمز اللندنية. وأثرت صورت الصبي المشوه في القراء الذين ما كانوا للتو يتابعون صور الحرب، وتبرعوا بآلاف الجنيهات لجلب عمار إلى بريطانيا وعلاجه.
تمكنت نيكولسون من استصدار جواز سفر دبلوماسي إيراني لعمار، وفي شباط / فبراير 1992 كان العشرات من الصحفيين والمصورين ينتظرون وصول عمار في مطار هيثرو بلندن عندما اصطحبته نيكولسون يدا بيد.

كان منظرهما وهما يصلان المطار غير متناسق، فعضوة مجلس النواب نيكولسون كانت ترتدي زيا ازرق يتبع موضة الثمانينات، أما رفيقها الشاب فكان يرتدي الجينز وشدة عنق حمراء كانت الممرضات الإيرانيات قد اشترينها له خصيصا لأجل هذه الرحلة.
ولكن، وعدا الملابس التي كان يرتديها، لم يمتلك عمار أي شيء، فلم تكن له حقيبة أو أي أمتعة أخرى.

وقالت نيكولسون في مقابلة تلفزيونية وقتها، "إنه يأتي، بعد فقد كل شيء: حياته وبيته وأسرته بأسرها".

من الصعب التصور فيما كان يفكر فيه الطفل الذي وصفته صحيفة الصنداي تايمز بأنه "الصبي الذي حاول صدام ابادته" عندما كان يستقل سيارة رانج روفر في شوارع لندن باتجاه المستشفى الذي كان سيعالج فيه.

فقبل أشهر قليلة فقط، كان عمار يحيا عيشة ريفية بسيطة مع أمه وشقيقيه وشقيقاته الثلاث في العراق.

يقول، "لم يسبق لي أن رأيت آلة تصوير، ولم أر جهاز تلفاز. لم أكن أعي بما كان يجري. ولكني شعرت بشيء من الأمان مع إيما، وشعرت بأن عليّ التوجه إلى لندن فقد كان ذلك الأسلوب الوحيد الذي يمكنني الحصول عن طريقه على العون الذي احتاجه. لم يكن لي أحد آخر، ولذا مشيت في ذلك السبيل."

في السنة التالية، خضع عمار لـ 27 عملية تجميل في مستشفى غاي في لندن.

ففي ردهة روتشايلد في الطابق العشر من المستشفى، قامت ثلة من أفضل جراحي التجميل في العالم بعمليات رائدة زرعوا فيها جلدا من فخذه في رقبته في نوع من الجراحة الترميمية تدعى "waltzing".

وتابعت بي بي سي تطور حالته. وعند متابعة أرشيف التقرير الذي أعدت حينها، ترى فتى خجولا يستعيد شيئا بشيء ثقته بنفسه ووعيه بمرور الأسابيع.

فلم يعد متحسسا للتشوهات التي أصيب بها، وبدأ بنطق بعض الكلمات بالانجليزية. وبدأ بممارسة بعض الألعاب الألكترونية على جهاز نينتيندو. وعادت البسمة إلى وجهه.

تقول نيكولسون اليوم، "لم يخطر ببالي أن عمار سيبقى في إنجلترا".

"فقد توقعت أنه سيعثر على أقارب له وأنه سيعود إلى العراق بعد انتهاء فترة علاجه. ولكن هذا لم يحصل لأن أخصائيي أمراض الأطفال في مستشفى ويستمينستر قالوا إنه لو نقل الى بلد آخر فأنه سيموت".

جرت محاولات لإيواء عمار مع أسرة بريطانية ذات أصول عراقية في لندن، ولكن نيكولسون تقول إنه لم يتمكن من التوائم مع الحياة في المدينة وكان يهرب دائما. ولذا، انتقل الى مسكنها في مقاطعة ديفون حيث تقيم مع زوجها، رجل الأعمال السير مايكل كاين.

ورغم أن الزوجيين أصبحا وليي أمر عمار من الناحية القانونية، رفض الصبي أن يتبنياه. كان يأمل في أن يعثر على أقارب له في يوم من الأيام وأن يعود إلى موطنه.

ولكنه يتحدث بمودة عن السنوات التي قضاها في جنوب غرب انجلترا، فهو يتذكر الإجازات التي كان يقضيها مع أسرة نيكولسون والهدايا التي كانا يهديانها إياها وصور مايكل جاكسون التي كانت تزين جدران الغرفة التي كان يقيم فيها.

أثار الصبي العراقي قدرا كبيرا من الاهتمام عندما وصل إلى تلك المنطقة الزراعية الانجليزية التقليدية، ولكنه سرعان ما تأقلم معها. فقد داوم في مدرسة القرية، وكوّن صداقات راسخة وعزف آلة الطبل في فريق الروك في القرية وأصبح محبا لكرة القدم وصيد الأسماك.

يقول عمار: "أنا من الشاكرين، فقد أنقذت إيما (نيكولسون) حياتي. شعرت بالأمان في الريف الإنجليزي، وأشعرني الناس بالترحيب. ولكن في لحظات الخلوة، كنت أحيانا أجد صعوبة في التأقلم. فقد فقدت كل أقاربي وكل شيء كنت أعرفه. تشعر أحيانا بالخواء التام، وكأن العالم كله تخلى عنك".

ويقول "أشعر بالوحدة في بعض الأحيان، وأشعر بأني لا استطيع أن أثق بأحد. وهذا وضع مخيف، لأنك تشعر بأنك لا تنتمي إلى أحد إذ لم تكن لك أسرة أو أقارب. تشعر وكأنك ولدت من لا شيء".

تأثر عمار تأثرا شديدا عندما توفي السير مايكل كاين في عام 1999 نتيجة اصابته بمرض السرطان. فقد كان رجل الأعمال بمثابة أب للصبي العراقي، ولذا كان لفقدانه أثر كبير.
يقول عمار، "تلك خسارة أخرى كان عليّ التعامل معها"، مضيفا أن وفاة كاين حولته إلى شاب غاضب. غادر عمار ديفون وتوجه إلى لندن حيث قضى فيها بضع سنوات متسكعا وكان يبيت عند أصدقاء وفي بعض الأحيان كان ينام في سيارته.

يقول "كان زمنا صعبا، فقد تركت إيما (نيكولسون) وقررت المضي بمفردي. لم أكن أعرف ما أريد ومن أكون أصلا".

يتذكر عمار اليوم الذي وقع فيه الهجوم في البصرة بكل وضوح. يقول: "كان عصرا جميلا، وعندما كنا نلعب، سمعنا دوي اطلاق نار وصوت صفارات انذار وأزيز طائرات في السماء. اختبأنا أنا وشقيقتي في الطابق السفلي لمخزن يعرف "بالسايلو" مع 30 من الأناس الآخرين."

"وقع انفجار كبير فوقنا، واخترقت قنبلة المخزن الذي كنا نختبئ فيه، وشهدنا وهجا أبيضا. لم أتمكن من العثور على شقيقتي، وكل ما كنت استطيع فعله هو تغطية عيناي".

"توجه الجميع إلاى أماكن أكثر عمقا في المخزن ولذا فقد حوصروا. أما أنا فقد كنت قرب الباب. كسرت الباب وهربت. اعتقد أني كنت الوحيد الذي نجا بحياته"؟“

"كنت أعرف أن شط العرب لا يبعد كثيرا عن المكان، ولذا توجهت إليه ورميت بنفسي في مياهه لوقف آلام الحروق التي أصبت بها، وربما فقدت الوعي عندئذ لأني لا أتذكر أي شيء آخر."

ما وقع بعد ذلك ليس واضحا، ولكن يبدو أن المسلحين المعادين لصدام عثروا على عمار وهو فاقد للوعي على حافة النهرونقلوه إلى معسكر للاجئين في إيران المجاورة.
يتذكر عمار كيف أنه استعاد الوعي في ردهة في احد المستشفيات وكانت الحروق قد التهمت اجزاء من جسمه. ويقول "كنت ملقى هناك، وكنت أشعر بالكثير من الألم". ويضيف "كل حركة كانت مؤلمة، فلم أكن أتمكن من الكلام أو الأكل أو الشرب أو البلع. لم أكن أعرف مكان أسرتي. كنت وحيدا ولم أكن أعرف ما اذا كنت سأتمكن من النجاة."
بعد شهور ستة، وفي أيلول / سبتمبر 1991، عثرت السياسية البريطانية إيما نيكولسون على عمار في ردهة احد مستشفيات مدينة الأهواز الإيرانية.

تقول نيكولسون، "كان منظرا مروعا، فقد كان هذا الطفل يجلس لوحده وهو مصاب بحروق امتدت من رأسه إلى أخمص قدميه ويعاني من آلام مبرحة".

كانت عضوة مجلس العموم نيكولسون في جولة لتقصي الحقائق في الشرق الأوسط الغرض منها زيادة الوعي بمعاناة سكان الأهوار في جنوب العراق.

كانت بريطانيا جزءا من "التحالف" الذي طرد القوات العراقية من الكويت، ولكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها شعرت نيكولسون بأن المجتمع الدولي لم يعد يولي اهتماما كافيا بما يفعله صدام بحق شعبه.

قيل لنيكولسون إن عمار هو الفرد الوحيد من أسرته الذي نجا، ولذا سألت الأطباء والعاملين على العناية به وعمل ما يمكنهم عمله لمساعدته.

لا يقدر على الإبتسام ولا يقدر على البكاء ولا يقدر على الضحك. لا يستطيع فعل أي شيء. لا توجد في وجهه أي عضلات أو أعصاب. لا شيء

إيما نيكولسون في كلمة أمام مجلس العموم في 12 كانون الأول / ديسمبر 1991

أخبر أخصائيون طبيون نيكولسون بأن عمار بحاجة إلى علاج تجميلي متخصص عاجل في المملكة المتحدة.

عندئذ، أطلقت نيكولسون حملة لجمع التبرعات بالمشاركة مع صحيفة الصنداي تايمز اللندنية. وأثرت صورت الصبي المشوه في القراء الذين ما كانوا للتو يتابعون صور الحرب، وتبرعوا بآلاف الجنيهات لجلب عمار إلى بريطانيا وعلاجه.

تمكنت نيكولسون من استصدار جواز سفر دبلوماسي إيراني لعمار، وفي شباط / فبراير 1992 كان العشرات من الصحفيين والمصورين ينتظرون وصول عمار في مطار هيثرو بلندن عندما اصطحبته نيكولسون يدا بيد.

كان منظرهما وهما يصلان المطار غير متناسق، فعضوة مجلس النواب نيكولسون كانت ترتدي زيا ازرق يتبع موضة الثمانينات، أما رفيقها الشاب فكان يرتدي الجينز وشدة عنق حمراء كانت الممرضات الإيرانيات قد اشترينها له خصيصا لأجل هذه الرحلة.

ولكن، وعدا الملابس التي كان يرتديها، لم يمتلك عمار أي شيء، فلم تكن له حقيبة أو أي أمتعة أخرى.

وقالت نيكولسون في مقابلة تلفزيونية وقتها، "إنه يأتي، بعد فقد كل شيء: حياته وبيته وأسرته بأسرها".

من الصعب التصور فيما كان يفكر فيه الطفل الذي وصفته صحيفة الصنداي تايمز بأنه "الصبي الذي حاول صدام ابادته" عندما كان يستقل سيارة رانج روفر في شوارع لندن باتجاه المستشفى الذي كان سيعالج فيه.

فقبل أشهر قليلة فقط، كان عمار يحيا عيشة ريفية بسيطة مع أمه وشقيقيه وشقيقاته الثلاث في العراق.

يقول، "لم يسبق لي أن رأيت آلة تصوير، ولم أر جهاز تلفاز. لم أكن أعي بما كان يجري. ولكني شعرت بشيء من الأمان مع إيما، وشعرت بأن عليّ التوجه إلى لندن فقد كان ذلك الأسلوب الوحيد الذي يمكنني الحصول عن طريقه على العون الذي احتاجه. لم يكن لي أحد آخر، ولذا مشيت في ذلك السبيل."

في السنة التالية، خضع عمار لـ 27 عملية تجميل في مستشفى غاي في لندن.
ففي ردهة روتشايلد في الطابق العشر من المستشفى، قامت ثلة من أفضل جراحي التجميل في العالم بعمليات رائدة زرعوا فيها جلدا من فخذه في رقبته في نوع من الجراحة الترميمية تدعى "waltzing".

وتابعت بي بي سي تطور حالته. وعند متابعة أرشيف التقرير الذي أعدت حينها، ترى فتى خجولا يستعيد شيئا بشيء ثقته بنفسه ووعيه بمرور الأسابيع.
فلم يعد متحسسا للتشوهات التي أصيب بها، وبدأ بنطق بعض الكلمات بالانجليزية. وبدأ بممارسة بعض الألعاب الألكترونية على جهاز نينتيندو. وعادت البسمة إلى وجهه.

تقول نيكولسون اليوم، "لم يخطر ببالي أن عمار سيبقى في إنجلترا".

"فقد توقعت أنه سيعثر على أقارب له وأنه سيعود إلى العراق بعد انتهاء فترة علاجه. ولكن هذا لم يحصل لأن أخصائيي أمراض الأطفال في مستشفى ويستمينستر قالوا إنه لو نقل الى بلد آخر فأنه سيموت".

جرت محاولات لإيواء عمار مع أسرة بريطانية ذات أصول عراقية في لندن، ولكن نيكولسون تقول إنه لم يتمكن من التوائم مع الحياة في المدينة وكان يهرب دائما. ولذا، انتقل الى مسكنها في مقاطعة ديفون حيث تقيم مع زوجها، رجل الأعمال السير مايكل كاين.

ورغم أن الزوجيين أصبحا وليي أمر عمار من الناحية القانونية، رفض الصبي أن يتبنياه. كان يأمل في أن يعثر على أقارب له في يوم من الأيام وأن يعود إلى موطنه.

ولكنه يتحدث بمودة عن السنوات التي قضاها في جنوب غرب انجلترا، فهو يتذكر الإجازات التي كان يقضيها مع أسرة نيكولسون والهدايا التي كانا يهديانها إياها وصور مايكل جاكسون التي كانت تزين جدران الغرفة التي كان يقيم فيها.

أثار الصبي العراقي قدرا كبيرا من الاهتمام عندما وصل إلى تلك المنطقة الزراعية الانجليزية التقليدية، ولكنه سرعان ما تأقلم معها. فقد داوم في مدرسة القرية، وكوّن صداقات راسخة وعزف آلة الطبل في فريق الروك في القرية وأصبح محبا لكرة القدم وصيد الأسماك.

يقول عمار: "أنا من الشاكرين، فقد أنقذت إيما (نيكولسون) حياتي. شعرت بالأمان في الريف الإنجليزي، وأشعرني الناس بالترحيب. ولكن في لحظات الخلوة، كنت أحيانا أجد صعوبة في التأقلم. فقد فقدت كل أقاربي وكل شيء كنت أعرفه. تشعر أحيانا بالخواء التام، وكأن العالم كله تخلى عنك".

ويقول "أشعر بالوحدة في بعض الأحيان، وأشعر بأني لا استطيع أن أثق بأحد. وهذا وضع مخيف، لأنك تشعر بأنك لا تنتمي إلى أحد إذ لم تكن لك أسرة أو أقارب. تشعر وكأنك ولدت من لا شيء".

تأثر عمار تأثرا شديدا عندما توفي السير مايكل كاين في عام 1999 نتيجة اصابته بمرض السرطان. فقد كان رجل الأعمال بمثابة أب للصبي العراقي، ولذا كان لفقدانه أثر كبير.

يقول عمار، "تلك خسارة أخرى كان عليّ التعامل معها"، مضيفا أن وفاة كاين حولته إلى شاب غاضب. غادر عمار ديفون وتوجه إلى لندن حيث قضى فيها بضع سنوات متسكعا وكان يبيت عند أصدقاء وفي بعض الأحيان كان ينام في سيارته.

يقول "كان زمنا صعبا، فقد تركت إيما (نيكولسون) وقررت المضي بمفردي. لم أكن أعرف ما أريد ومن أكون أصلا".

لقاء بالصدفة

في صيف عام 2018، كان مصور بي بي سي أندي ألكروفت ينتطر لتصوير مقابلة في محطة سانت ديفيد بمدينة أكسيتير جنوبي إنجلترا عندما اعترضه أحد أصدقاء عمار.

قال له، "عليك أن تعمل تقريرا عنه، عن عمار، الصبي الذي قدم من العراق. أتتذكره؟ لديه قصة مذهلة".

حصل أندي على معلومات حول كيفية الإتصال بعمار وتوجه إلى القرية ل(في ديفون) حيث ما زال يقيم.

اعتقدنا حينها أننا سننتهي ببرنامج استعراضي مثل "ما الذي حصل لعمار اليتيم" أو شيء مشابه.

ولكن، وعندما كشف عمار عن أنه يستلم رسائل من شخص غريب من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، اتخذ الموضوع شكلا آخر.

وجدنا عمار في شقة شبه فارغة.

أقام عمار في هذه الشقة لعشر سنوات تقريبا بعد عودته من لندن، ولكن لم يكن فيها أي شيء يشير إلى ذلك.

فلم تكن هناك فيها أي مقتنيات شخصية أو أي صور. لم يكن فيها إلا كومة من الفواتير على الطاولة وكم من الصحون في مغسلة المطبخ.

لابد أن يكون عمار في أواخر الثلاثينيات من عمره الآن، ولكنه يبدو أصغر سنا. وفي حقيقة الأمر، يشبه إلى حد كبير الصبي الذي ظهر للمرة الأولى في التقارير التلفزيونية. فهو ضعيف البنية وهادئ الصوت.

قال لنا عمار إن شركة الغاز قطعت عنه خدماتها منذ عام كامل لأنه لم يتمكن من الوفاء بديونه لها. ولم تكن لديه أي تدفئة خلال برد الشتاء القارس.

وقال إنه بصدد بيع عدة صيد السمك التي يحبها ودراجته الهوائية العزيزة من أجل الحصول على قدر من المال. فهو عازب وعاطل عن العمل ويعيش على الاعانات الحكومية. يقول "الحياة صعبة عندما تكون على خط الفقر".

في احدى غرف الشقة، لاحظت رسوما خطت بقلم على أحد الجدران. يبدو الوجل على عمار.

فلم يكن يتمكن من تفسير ما الذي رسمه على الجدار، ولكنه يقول إنها صور من ذكرياته البعيدة. صور يتذكرها من طفولته في العراق، صور لأنهار وأهوار، ولأسماك تقفز وطيور تحلق في السماء.

وقال، " إن الصدمة التي أصبت بها تمنعني من تذكر الكثير من تلك الفترة في حياتي. لا أتذكر الكثير عن أسرتي أو بيتي، ولكني أعلم بأني كنت سعيدا قبل بدء القصف. ورسم هذه الصور يساعدني إلى حد ما".

في احدى غرف الشقة، لاحظت رسوما خطت بقلم على أحد الجدران. يبدو الوجل على عمار.

فلم يكن يتمكن من تفسير ما الذي رسمه على الجدار، ولكنه يقول إنها صور من ذكرياته البعيدة. صور يتذكرها من طفولته في العراق، صور لأنهار وأهوار، ولأسماك تقفز وطيور تحلق في السماء.

وقال، " إن الصدمة التي أصبت بها تمنعني من تذكر الكثير من تلك الفترة في حياتي. لا أتذكر الكثير عن أسرتي أو بيتي، ولكني أعلم بأني كنت سعيدا قبل بدء القصف. ورسم هذه الصور يساعدني إلى حد ما".

"هو إبني"

ولكن رتابة حياة عمار اليومية تغيرت إلى حد بعيد في الآونة الأخيرة.

فقد قال لنا إنه بدأ يستلم رسائل مبهمة من خلال موقع فيسبوك من شخص لا يعرفه في الشرق الأوسط.

عرض عمار هذه الرسائل علينا، ومنها أشرطة غير واضحة لإمرأة تدعي أنها والدته، كان عمار قد قال أنها قتلت في البصرة قبل عقود ثلاث.

يتطلع عمار إلى الشاشة ويهز برأسه ويقول "اعتقدت أنها محض حيلة في البداية، ولذا محوتها. اعتقدت بأن أحدهم يحاول ابتزازي، ولكن بعد ذلك استلمت العديد من الرسائل. لا يمكن أن يكون ذلك صدقا، والا ماذا؟"

في حقيقة الأمر، فأن الشريط مشوه إلى درجة كبيرة، كما أن شاشة هاتف عمار متصدعة الى حد بعيد مما منعنا من التوصل إلى ما يحصل. ولكن الشريط مأخوذ من محطة تلفزة كردية ويظهر عجوزا تتحدث إلى مراسل في سوق للخضار.

وتقول العجوز بصوت متكسر إن وضعها الصحي ضعيف وإنها على وشك أن تفقد بصرها.

بعد ذلك، ترفع صورة وتظهرها للكاميرا. إنها صوره عمار عند وصوله إلى مطار هيثرو في لندن مع إيما نيكولسون في عام 1992.

وتقول منتحبة، "هذا إبني، هو عمار".

وعلى بعد آلاف الكيلومترات، وهو يجلس وحيدا في شقته في مقاطعة ديفون، كان عمار يعيد النظر في هذا الشريط مرات ومرات.

يقول وتبدو عليه الصدمة، "تشبه أمي، ولكنها أكبر بكثير مما أتذكر. تشبهني إلى حد ما، ولكن من الصعب الجزم حكما على الصورة".

"أريد أن يكون الأمر حقيقة"

يطلب عمار منا أن نساعده، ولذا قمنا أنا وأندي والمنتج أليكس ليتلوود برحلة نقلتنا من حقول دارتمور الإنجليزية الخضراء إلى صحارى العراق.

الشيء الأول الذي علينا التأكد منه هو مصدر الشريط.

كان الشريط قد أرسل إلى عمار بواسطة فيسبوك من قبل عراقي يدعى مصطفى.

اتصلنا به هاتفيا ولكنه قال لنا إنه ليس من أقارب عمار. وقال لنا إنه موظف يبلغ من العمر 36 عاما له زوجة وثلاثة أطفال ويقيم في مدينة أربيل.

وقال، "لا أعرف أي شيء عن عمار أو عن قصته، ولكن عندما شاهدت العجوز في التلفزيون عرفت بأن عليّ المساعدة". وقال مصطفى لنا إن قلبه انفطر عندما رآها وهي تقاطع تقرير مراسل أن آر تي في نيسان / أبريل 2018.

وروى لنا مصطفى كيف أنه قضى أياما وأسابيع يبحث في الانترنت عن الصبي الظاهر في الصورة

وبعد طول عناء، توصل إلى أن يتيما يدعى عمار من البصرة قد أخذ إلى بريطانيا في عام 1992 وأن سيرته قد ألهمت إيما نيكولسون لتأسيس مؤسسة عمار. كانت التواريخ والتفاصيل والصور تبدو متوافقة، ولذا حاول مصطفى أن يقتفي أثر عمار وعثر عليه في مقاطعة ديفون من خلال فيسبوك.محاولة التأكد من صحة ما قالته السيدة ستتطلب الكثير من الوقت والصبر، ولكن، وفي الأسابيع التالية، وبمساعدة مصطفى وأصدقاء عمار من الناطقين بالعربية في انجلترا وزملائنا في بي بي سي العربية، تمكننا من تحقيق تقدم لا بأس به. فمن خلال استخدام وسائط التواصل الاجتماعي والاتصال بمعارفنا في العراق توصلنا إلى شخص يدعى "جمعة" وبدأنا بالتواصل معه.

قال لنا جمعة إنه مقترن بالسيدة التي تدعي أنها أم عمار. ويقول إن اسمها زهراء وأن والد عمار توفي في حادث سير قبل الهجمات التي نفذها صدام. وأكد عمار هذه الحقيقة.

ويقول جمعة إنهم يقيمون الآن في مدينة كربلاء التي تبعد عن البصرة بمسافة 500 كيلومتر.

وقال لنا باكيا إنه وعد زوجته بأنه سيعمل كل ما بوسعه للعثور على ابنها، مضيفا أنه لا يمكن أن يصدق بأنه تمكن من الإتصال به في نهاية المطاف.

فالاتصالات الهاتفية ضعيفة في أغلب الأحيان، كما أن المحادثات، وإن حصلت، تسودها العواطف الجياشة. يجد عمار أحيانا صعوبة في الاستماع إلى ما يقال له، ويقول "أشعر باضطراب".

بعث لنا الزوجان صورة قديمة متهرئة تقول زهراء إنها لعمار، ولكن عمار قال إنه لا يستطيع التأكد بأن الصورة له.

فالصورة تظهر طفلا بلا ندب أو تقرحات، وعمار لا يغرف كيف كان شكله قبل أن يحترق وجهه.

وأرسلت زهراء لنا نسخا من وثائق قالت إنها تثبت بأنها والدة عمار. وقال عمار إن بعض التفاصيل المذكورة في تلك الوثائق لا تخلو من الصحة.

فأسماء أشقائه وشقيقاته صحيحة، والأماكن والأحداث التي ذكرتها زهراء تبدو معروفة، أما ما روته عن هجوم النابالم فقد توافق مع ما يتذكره.

تنتحب زهراء عندما تروي قصة مقتل ابنتها الصغرى زينب في الهجوم، وتقول "حملت جثتها إلى المقبرة ثم عدت إلى المبنى المدمر لأبحث عن عمار الصغير. قضيت عدة أيام وأنا أفتش في الركام، ولكني لم أعثر على أي أثر له."

سمعت شائعات تقول إنه جُرِح وإن جنودا نقلوه من المكان، وبعد عدة سنوات، قيل لي إنه ربما أُخذ إلى أوروبا. أبحث عنه منذ 30 عاما.

وقالت إنه قبل سنتين، عثر أحد أصدقاء الأسرة على صورة في الانترنت لصبي يدعى عمار وهو يمسك بيد سياسية بريطانية في تسعينيات القرن الماضي.

شكت زهراء بأن الصبي هو ابنها، ولكنها لم تتمكن من التأكد من ذلك للتشوهات التي أصابته. وقالت، "منذ ذلك الحين ونحن نحاول الاتصال بالهيئات الخيرية والسفارات والمسؤولين الحكوميين ولكن أحدا لم يساعدنا. طلبنا المساعدة من الصحفيين في الشوارع، ولكنه من العسير لأناس مثلنا أن نتصل بمسؤولين في العراق."

ما زالت الشكوك تساور عمار، فذاكرته مشوشة ولا يمكنه تقبل ما يقال له. الأمر يبدو فوق طاقته، فهو قلق من أن المرأة (زهراء) أو اولئك الذين حولها قد يكونون اختلقوا القصة من أجل الخروج من العراق أو للبحث عن المال.

لكن مصطفى يعتقد أن فقر زهراء يجعل قصتها أكثر مصداقية، ويقول "هؤلاء الناس ليس لديهم أي شيء".

"فهم معدمون، وغير متعلمين. ليس لديهم انترنت أو هواتف محمولة، وليس لديهم أي تواصل مع السلطات الحكومية. وهذا هو سبب عجزهم في الوصول له".

هل ارتكب خطأ شنيع في خضم فوضى وارتباك الحرب؟

يقول عمار متنهدا، "أريد أن يكون الأمر حقيقيا. أريد فعلا أن أصدقه، ولكني كنت وحيدا لثلاثين عاما. لثلاثين عاما يقولون لي إن أسرتي أفنيت، والآن يبدو الأمر مختلفا. إنه يشبه الفيلم السينمائي، الأمر يستعصي على الفهم. أريد أن أرى البرهان".

وافقت زهراء على طلب عمار باجراء فحص للحامض النووي لكليهما.

جاء خبر احتمال أن يكون عمار قد وجد والدته بمثابة الصدمة بالنسبة لنيكولسون، إذ قالت "العائلة هي أهم شيء في الحياة، فهي تحدد هويتك وشخصيتك. منذ البداية، فعلت كل ما استطيع للعثور على أقارب عمار في العراق. كنت آمل أن أجد احدا، ولكنه كان جهدا مضنيا".

بعد أن أنقذت عمار من العراق، أسست نيكولسون مؤسسة خيرية دولية تحمل اسمه. واليوم تتمتع مؤسسة عمار بنجاح كبير وتعمل لمساعدة المتضررين في مناطق النزاعات في الشرق الأوسط بمن فيهم الأيتام في البصرة، مسقط رأس عمار.

تقول نيكولسون إن عدة نسوة تقدمن وادعين ان عمار ابنهن في السنوات التي تلت وصوله الى المملكة المتحدة، ولكن تبين بعد ذلك انهن كاذبات.

وقالت نيكولسون، "في أواسط التسعينيات، نجحنا في العثور على عمة له في بغداد، ولكنها كانت مرتعدة وخائفة عندما توصلنا اليها تحت ظل نظام صدام، فقد فقدت وعيها وقال لنا زوجها ألا نعود اليهم أبدا".

النتائج

بعد أطول أسبوعين قضاهما في حياته، يقف عمار في شقته ويداه ترتجفان. يقول، "أتمنى أن يكون الأمر صحيحا، فقد عييت. لم أنم ليالي بسبب هذا الأمر، إذ أني أشعر بأني كنت أنتظر هذه اللحظة لوقت طويل".

يفتح المظروف ويقرأ محتوياته التي تبدو وكأنها مزيج محير من الأرقام والحروف والرموز. يتفحص عمار المعلومات الفنية والشفرة الجينية التي احتوتها الرسالة، ولكن، وفي أسفل الرسالة، يجد الكلمات التي كان يبحث عنها.

قالت الرسالة إن زهراء هي والدته وإن الاحتمالات 99,9999 في المئة. أخيرا، وبالأسود والأبيض ثبتت بنوة عمار.

ينظر عمار إلى الرسالة بصمت مطبق، فقد صُدِم. وقال "لدي أم، لا يمكنني أن أكون أكثر فرحا فلا أحد يحبك أكثر من أمك".

وللمرة الأولى منذ أن التقينا به قبل ستة شهور، رأينا البسمة على وجه عمار. وقال "سأضع هذه الرسالة في إطار، وقد أتناول قدحا أو إثنين هذه الليلة احتفالا. أما الخطوة المقبلة فهي اللقاء بهم".

"أريد أن يكون الأمر حقيقة"

يطلب عمار منا أن نساعده، ولذا قمنا أنا وأندي والمنتج أليكس ليتلوود برحلة نقلتنا من حقول دارتمور الإنجليزية الخضراء إلى صحارى العراق.

الشيء الأول الذي علينا التأكد منه هو مصدر الشريط.

كان الشريط قد أرسل إلى عمار بواسطة فيسبوك من قبل عراقي يدعى مصطفى.
اتصلنا به هاتفيا ولكنه قال لنا إنه ليس من أقارب عمار. وقال لنا إنه موظف يبلغ من العمر 36 عاما له زوجة وثلاثة أطفال ويقيم في مدينة أربيل.

وقال، "لا أعرف أي شيء عن عمار أو عن قصته، ولكن عندما شاهدت العجوز في التلفزيون عرفت بأن عليّ المساعدة". وقال مصطفى لنا إن قلبه انفطر عندما رآها وهي تقاطع تقرير مراسل أن آر تي في نيسان / أبريل 2018.

وروى لنا مصطفى كيف أنه قضى أياما وأسابيع يبحث في الانترنت عن الصبي الظاهر في الصورة

وبعد طول عناء، توصل إلى أن يتيما يدعى عمار من البصرة قد أخذ إلى بريطانيا في عام 1992 وأن سيرته قد ألهمت إيما نيكولسون لتأسيس مؤسسة عمار. كانت التواريخ والتفاصيل والصور تبدو متوافقة، ولذا حاول مصطفى أن يقتفي أثر عمار وعثر عليه في مقاطعة ديفون من خلال فيسبوك.

محاولة التأكد من صحة ما قالته السيدة ستتطلب الكثير من الوقت والصبر، ولكن، وفي الأسابيع التالية، وبمساعدة مصطفى وأصدقاء عمار من الناطقين بالعربية في انجلترا وزملائنا في بي بي سي العربية، تمكننا من تحقيق تقدم لا بأس به. فمن خلال استخدام وسائط التواصل الاجتماعي والاتصال بمعارفنا في العراق توصلنا إلى شخص يدعى "جمعة" وبدأنا بالتواصل معه.

قال لنا جمعة إنه مقترن بالسيدة التي تدعي أنها أم عمار. ويقول إن اسمها زهراء وأن والد عمار توفي في حادث سير قبل الهجمات التي نفذها صدام. وأكد عمار هذه الحقيقة.
ويقول جمعة إنهم يقيمون الآن في مدينة كربلاء التي تبعد عن البصرة بمسافة 500 كيلومتر.

وقال لنا باكيا إنه وعد زوجته بأنه سيعمل كل ما بوسعه للعثور على ابنها، مضيفا أنه لا يمكن أن يصدق بأنه تمكن من الإتصال به في نهاية المطاف.

فالاتصالات الهاتفية ضعيفة في أغلب الأحيان، كما أن المحادثات، وإن حصلت، تسودها العواطف الجياشة. يجد عمار أحيانا صعوبة في الاستماع إلى ما يقال له، ويقول "أشعر باضطراب".

بعث لنا الزوجان صورة قديمة متهرئة تقول زهراء إنها لعمار، ولكن عمار قال إنه لا يستطيع التأكد بأن الصورة له.

فالصورة تظهر طفلا بلا ندب أو تقرحات، وعمار لا يغرف كيف كان شكله قبل أن يحترق وجهه.

وأرسلت زهراء لنا نسخا من وثائق قالت إنها تثبت بأنها والدة عمار. وقال عمار إن بعض التفاصيل المذكورة في تلك الوثائق لا تخلو من الصحة.

فأسماء أشقائه وشقيقاته صحيحة، والأماكن والأحداث التي ذكرتها زهراء تبدو معروفة، أما ما روته عن هجوم النابالم فقد توافق مع ما يتذكره.

تنتحب زهراء عندما تروي قصة مقتل ابنتها الصغرى زينب في الهجوم، وتقول "حملت جثتها إلى المقبرة ثم عدت إلى المبنى المدمر لأبحث عن عمار الصغير. قضيت عدة أيام وأنا أفتش في الركام، ولكني لم أعثر على أي أثر له."

سمعت شائعات تقول إنه جُرِح وإن جنودا نقلوه من المكان، وبعد عدة سنوات، قيل لي إنه ربما أُخذ إلى أوروبا. أبحث عنه منذ 30 عاما.

وقالت إنه قبل سنتين، عثر أحد أصدقاء الأسرة على صورة في الانترنت لصبي يدعى عمار وهو يمسك بيد سياسية بريطانية في تسعينيات القرن الماضي.

شكت زهراء بأن الصبي هو ابنها، ولكنها لم تتمكن من التأكد من ذلك للتشوهات التي أصابته. وقالت، "منذ ذلك الحين ونحن نحاول الاتصال بالهيئات الخيرية والسفارات والمسؤولين الحكوميين ولكن أحدا لم يساعدنا. طلبنا المساعدة من الصحفيين في الشوارع، ولكنه من العسير لأناس مثلنا أن نتصل بمسؤولين في العراق."

ما زالت الشكوك تساور عمار، فذاكرته مشوشة ولا يمكنه تقبل ما يقال له. الأمر يبدو فوق طاقته، فهو قلق من أن المرأة (زهراء) أو اولئك الذين حولها قد يكونون اختلقوا القصة من أجل الخروج من العراق أو للبحث عن المال.

لكن مصطفى يعتقد أن فقر زهراء يجعل قصتها أكثر مصداقية، ويقول "هؤلاء الناس ليس لديهم أي شيء".

"فهم معدمون، وغير متعلمين. ليس لديهم انترنت أو هواتف محمولة، وليس لديهم أي تواصل مع السلطات الحكومية. وهذا هو سبب عجزهم في الوصول له".

وأرسلت زهراء لنا نسخا من وثائق قالت إنها تثبت بأنها والدة عمار. وقال عمار إن بعض التفاصيل المذكورة في تلك الوثائق لا تخلو من الصحة.

فأسماء أشقائه وشقيقاته صحيحة، والأماكن والأحداث التي ذكرتها زهراء تبدو معروفة، أما ما روته عن هجوم النابالم فقد توافق مع ما يتذكره.

تنتحب زهراء عندما تروي قصة مقتل ابنتها الصغرى زينب في الهجوم، وتقول "حملت جثتها إلى المقبرة ثم عدت إلى المبنى المدمر لأبحث عن عمار الصغير. قضيت عدة أيام وأنا أفتش في الركام، ولكني لم أعثر على أي أثر له."

سمعت شائعات تقول إنه جُرِح وإن جنودا نقلوه من المكان، وبعد عدة سنوات، قيل لي إنه ربما أُخذ إلى أوروبا. أبحث عنه منذ 30 عاما.

وقالت إنه قبل سنتين، عثر أحد أصدقاء الأسرة على صورة في الانترنت لصبي يدعى عمار وهو يمسك بيد سياسية بريطانية في تسعينيات القرن الماضي.

شكت زهراء بأن الصبي هو ابنها، ولكنها لم تتمكن من التأكد من ذلك للتشوهات التي أصابته. وقالت، "منذ ذلك الحين ونحن نحاول الاتصال بالهيئات الخيرية والسفارات والمسؤولين الحكوميين ولكن أحدا لم يساعدنا. طلبنا المساعدة من الصحفيين في الشوارع، ولكنه من العسير لأناس مثلنا أن نتصل بمسؤولين في العراق."

ما زالت الشكوك تساور عمار، فذاكرته مشوشة ولا يمكنه تقبل ما يقال له. الأمر يبدو فوق طاقته، فهو قلق من أن المرأة (زهراء) أو اولئك الذين حولها قد يكونون اختلقوا القصة من أجل الخروج من العراق أو للبحث عن المال.

لكن مصطفى يعتقد أن فقر زهراء يجعل قصتها أكثر مصداقية، ويقول "هؤلاء الناس ليس لديهم أي شيء".

"فهم معدمون، وغير متعلمين. ليس لديهم انترنت أو هواتف محمولة، وليس لديهم أي تواصل مع السلطات الحكومية. وهذا هو سبب عجزهم في الوصول له".

جاء خبر احتمال أن يكون عمار قد وجد والدته بمثابة الصدمة بالنسبة لنيكولسون، إذ قالت "العائلة هي أهم شيء في الحياة، فهي تحدد هويتك وشخصيتك. منذ البداية، فعلت كل ما استطيع للعثور على أقارب عمار في العراق. كنت آمل أن أجد احدا، ولكنه كان جهدا مضنيا".

بعد أن أنقذت عمار من العراق، أسست نيكولسون مؤسسة خيرية دولية تحمل اسمه. واليوم تتمتع مؤسسة عمار بنجاح كبير وتعمل لمساعدة المتضررين في مناطق النزاعات في الشرق الأوسط بمن فيهم الأيتام في البصرة، مسقط رأس عمار.

تقول نيكولسون إن عدة نسوة تقدمن وادعين ان عمار ابنهن في السنوات التي تلت وصوله الى المملكة المتحدة، ولكن تبين بعد ذلك انهن كاذبات.

وقالت نيكولسون، "في أواسط التسعينيات، نجحنا في العثور على عمة له في بغداد، ولكنها كانت مرتعدة وخائفة عندما توصلنا اليها تحت ظل نظام صدام، فقد فقدت وعيها وقال لنا زوجها ألا نعود اليهم أبدا".

النتائج

جاء خبر احتمال أن يكون عمار قد وجد والدته بمثابة الصدمة بالنسبة لنيكولسون، إذ قالت "العائلة هي أهم شيء في الحياة، فهي تحدد هويتك وشخصيتك. منذ البداية، فعلت كل ما استطيع للعثور على أقارب عمار في العراق. كنت آمل أن أجد احدا، ولكنه كان جهدا مضنيا".

بعد أن أنقذت عمار من العراق، أسست نيكولسون مؤسسة خيرية دولية تحمل اسمه. واليوم تتمتع مؤسسة عمار بنجاح كبير وتعمل لمساعدة المتضررين في مناطق النزاعات في الشرق الأوسط بمن فيهم الأيتام في البصرة، مسقط رأس عمار.

تقول نيكولسون إن عدة نسوة تقدمن وادعين ان عمار ابنهن في السنوات التي تلت وصوله الى المملكة المتحدة، ولكن تبين بعد ذلك انهن كاذبات.

وقالت نيكولسون، "في أواسط التسعينيات، نجحنا في العثور على عمة له في بغداد، ولكنها كانت مرتعدة وخائفة عندما توصلنا اليها تحت ظل نظام صدام، فقد فقدت وعيها وقال لنا زوجها ألا نعود اليهم أبدا".

العودة

بعد ثلاثة عقود من وصول هذا الصبي المرعوب إلى مطار هيثرو بلندن وهو يمسك بيد إيما نيكولسون، مر عمار من خلال المطار نفسه متوجها إلى بغداد حاملا جواز سفر بريطانيا.

ستكون هذه أول رحلة يقوم بها إلى العراق منذ أن غادر البلد عم 1992. ويقول، "أنا قلق ولكن منفعل في ذات الوقت. هذا أهم شيء يحصل لي في حياتي".

خلال الرحلة الجوية الطويلة التي استغرقت عشر ساعات كانت عينا عمار مشدودتين إلى خارطة الرحلة الظاهرة على الشاشة الصغيرة التي أمام مقعده.

كانت الخارطة تتجدد كل بضع ثوان، بينما يتابع عمار سير الرحلة من لندن إلى الشرق الأوسط.

يقول، "يبدو الأمر عصيا على التصديق، فمن الصعب استيعاب سرعة ما يحصل|".

وبينما تتحول التضاريس على الأرض من الخضرة إلى الصحارى، ازداد قلق عمار حول رد فعله عندما يلتقي بأمه.

من أجل الاستعداد لهذه الرحلة، استشار عمار أخصائيين ومرشدين نفسيين وسألهم عن صراعه للتعبير عن مشاعره. ويقول، "تعودت على كبت مشاعري، ولا أسمح لنفسي بابدائها أبدا. فبسبب الحرب وما عانيته بسببها والجروح التي أصبت بها تعودت على أن أتعايش مع الظروف. تعودت على كبت مشاعري".

"أمي"

كانت الساعة الحادية عشرة صباحا، وكانت الشمس تزداد قوة وسطوعا. وكان الحمام يحلق في السماء، وصوت المؤذن يدوي في سماء بغداد داعيا الناس إلى الصلاة.

يقف عمار في ظل نخلة لحماية جلده المتقرح، ويعيد ترتيب ياقة قميصه الجديد. فقد حانت ساعة اللقاء.

وقال، "الغرض من هذه الرحلة كان من أجلها فقط، فقط من أجل تلك المرأة." ويردف قائلا، "يجب أن أقول أمي، فعلي أن أتعود على استخدام هذا اللفظ. أمي".

اختار عمار أن يلتقي بأمه في حديقة مكتب بي بي سي في بغداد، وهي حديقة معزولة وبعيدة عن صخب الحياة اليومية في العاصمة العراقية.

يسمع صوت سيارة قادمة، وصوت أبوابها وهي تغلق. ثم يسمع يسمع وقع أقدام متجهة نحوه. تفتح باب الحديقة وتظهر سيدة في الباب ترتدي عباءة سوداء.

"أمي...أمي"

تجيب الأم "عموري، عموري". لا يمكن إلا أن يحس المرء بدهشتها وهو يسمع صوتها المتكسر.

تتعانق الأمم وولدها بحرارة وكأنهما لا يريدان أن يترك أحدهما الآخر.

يربت أحدهما على الآخر، ويقبلان بعضهما ويتطلع أحدهما في وجه الآخر ويتبادلان الهمسات ويكرر أحدهما اسم الآخر. ولكن لا داعي للكلمات.

تتأمل زهراء بحنو الندب والجراح على وجه ابنها عمار، ثم ترتب على ذراعيه وساقيه.

تتفحص كفيه، وتقول له إنها تبحث عن أي دلائل لجروح كان قد أصيب بها. كانت تظن أنه لا يقوى على المشي، وكانت تتوقع إنه قد أصيب بأضرار أشد نتيجة الحروق التي أصيب بها. ولكن ها هو منتصب ويعانقها.

أما عمار، فقد تذكر في تلك اللحظة اللغة العربية التي اعتقد إنه قد نسيها.

زهراء: إنك أسدي، ولدي.

عمار: أنا ابنك.

زهراء: أتتذكرني؟ أنا أمك التي ربتك.

عمار: بالتأكيد أتذكر.

زهراء: أنظروا. هذا ولدي، ولدي الشجاع. يا الله، لقد أعدتم ولدي إليّ. لا تأخذوه مني ثانية.

عمار: كلا. لن يأخذني أحد. كل الأمور بيد الله.

زهراء: هو القدر يا حبيبي، إنها ارادة الله. لا استطيع أن أصدق، فقد رأيت صغيري عمار.
عند النظر من مسافة ليست بالبعيدة، كان تواصل الإثنين وسلاسته مثيرا للاعجاب. فعمار نسي كل القلق الذي كان يشعر به حول ابداء مشاعره، والحب الذي كان يخشى ألا يكون موجودا عاد بشكل واضح وجلي. انفتحت مشاعره بشكل ظاهر.

وبمرور الدقائق وخفوت المشاعر الآنية الجياشة، استرسل عمار وأمه في حوار هادئ جميل. ولكن كيف تواصل حوار انقطع قبل ثلاثة عقود؟

لا يوجد الكثير مما يجمع الأم وابنها، ولكن مع ذلك يتشاركان في كل الأمور. وبالنسبة لكليهما، تغير كل شيء، ولكن في نفس الوقت لم يتغير أي شيء، فالعلاقة التي طالما كان عمار يشعر بقلق ازاءها ما زالت موجودة.

صرخت زهراء وهي تضم عمار إلى صدرها، "ولدي بطل، بل بطل جبّار".

"افتقدني، يقلق عليّ وكان يريد أن يجدني. وهذا كل ما كنت أن أتمناه. شهدنا حروبا، حروبا كثيرة. خسرت عمار، نجوت ولكني كنت دوما أفكر بعمار، والآن عاد إلي. كم أنا سعيدة اليوم. أنا مستعدة لفعل أي أشيء لعمار. أي شيء".

بدأ الإثنان بمناقشة الأمور التي افتقدانها.

أخرج عمار هاتفه وأطلع أمه على الصور التقطها للأسماك التي اصطادها في ديفون بإنجلترا. ولكن بسبب تدهور بصرها كان على الأم أن تحمل الهاتف قريبا إلى وجهها.

انفردت أساريرها فخرا، وذكرته بالزمن الذي كانوا يقومون فيه بصيد السمك في البصرة. كان ذلك منذ أمد بعيد، ولكن بالنسبة لعمار وأمه لم يبد إلا لبضعة أيام.

كما التقى عمار بشقيقه الأصغر تحرير.

ومرة ثانية، كانت هناك الكثير من الدموع والمشاعر الجياشة، ولكنها كانت تخلو من أي حرج أو صمت . فقد تحدثا وتفاعلا ولمس أحدهما الآخر بسلاسة وطبيعية. بدا الأمر بسيطا إلى أبعد الحدود.

يتذكران الحيّل والخدع التي كانا يمارسانها مع والديهما، ويتندران حول مباريات كرة القدم ورحلات صيد الطيور. وكانا يتبادلان النكات والطرائف بينما كانا يتناولان وجبة من "القيمة" و"تكة الدجاج". لقد أصبحا جزءا من أسرة واحدة بعد وقت طويل.

تحرير وجمعة وعمار وزهراء ينظرون إلى صور في جهاز عمار اللوحي


تحرير وجمعة وعمار وزهراء ينظرون إلى صور في جهاز عمار اللوحي

في اليوم التالي، قال عمار إنه ينوي زيارة مسكن أسرته في كربلاء التي تبعد عن بغداد بساعتين.

ولكن الذي وجده هناك كان مختلفا تماما من البيت الريفي الذي يتذكره من طفولته في البصرة. فأمه وشقيقه وزوجته وزوج أمه يعيشون في كوخ يقع في أرض ملوثة.

سقف المسكن عبارة عن قطعة قماش، ولا تتوفر فيه أي من وسائل الصرف الصحي. وتتدلى فوقه أسلاك كهربائية سحبت من خطوط توزيع الطاقة الكهربائية.

قبل عودته إلى العراق، كان عمار يشعر بالقلق من أن زيارة مسكن الأسرة قد يكون محزنا له. ويقول إنه يشعر بالذنب لوضع أسرته المزري. ولكن هذه المشاعر سرعان ما تبددت.

فبدل أن يركز النظر إلى أرضية الدار القذرة، ابتسم عندما شاهد صور العائلة القديمة وهي معلقة على الجدران. ويضحك عندما تلقي أمه كيسا من الحلوى على رأسه تيمنا بعودته، فقد عاد صبيا صغيرا مرة أخرى. وسرعان ما يمتلئ المكان بأصوات الضحك.

ورغم أن عمارا لم يعش في هذا البيت من قبل، بدأ على الفور بالشعور أنه بيته.

"أمي"

كانت الساعة الحادية عشرة صباحا، وكانت الشمس تزداد قوة وسطوعا. وكان الحمام يحلق في السماء، وصوت المؤذن يدوي في سماء بغداد داعيا الناس إلى الصلاة.يقف عمار في ظل نخلة لحماية جلده المتقرح، ويعيد ترتيب ياقة قميصه الجديد. فقد حانت ساعة اللقاء.وقال، "الغرض من هذه الرحلة كان من أجلها فقط، فقط من أجل تلك المرأة." ويردف قائلا، "يجب أن أقول أمي، فعلي أن أتعود على استخدام هذا اللفظ. أمي".اختار عمار أن يلتقي بأمه في حديقة مكتب بي بي سي في بغداد، وهي حديقة معزولة وبعيدة عن صخب الحياة اليومية في العاصمة العراقية.

يسمع صوت سيارة قادمة، وصوت أبوابها وهي تغلق. ثم يسمع يسمع وقع أقدام متجهة نحوه. تفتح باب الحديقة وتظهر سيدة في الباب ترتدي عباءة سوداء.
"أمي...أمي"

تجيب الأم "عموري، عموري". لا يمكن إلا أن يحس المرء بدهشتها وهو يسمع صوتها المتكسر.

تتعانق الأمم وولدها بحرارة وكأنهما لا يريدان أن يترك أحدهما الآخر.
يربت أحدهما على الآخر، ويقبلان بعضهما ويتطلع أحدهما في وجه الآخر ويتبادلان الهمسات ويكرر أحدهما اسم الآخر. ولكن لا داعي للكلمات.

تتأمل زهراء بحنو الندب والجراح على وجه ابنها عمار، ثم ترتب على ذراعيه وساقيه.
تتفحص كفيه، وتقول له إنها تبحث عن أي دلائل لجروح كان قد أصيب بها. كانت تظن أنه لا يقوى على المشي، وكانت تتوقع إنه قد أصيب بأضرار أشد نتيجة الحروق التي أصيب بها. ولكن ها هو منتصب ويعانقها.

أما عمار، فقد تذكر في تلك اللحظة اللغة العربية التي اعتقد إنه قد نسيها.
زهراء: إنك أسدي، ولدي.عمار: أنا ابنك.زهراء: أتتذكرني؟ أنا أمك التي ربتك.عمار: بالتأكيد أتذكر.زهراء: أنظروا. هذا ولدي، ولدي الشجاع. يا الله، لقد أعدتم ولدي إليّ. لا تأخذوه مني ثانية.عمار: كلا. لن يأخذني أحد. كل الأمور بيد الله.زهراء: هو القدر يا حبيبي، إنها ارادة الله. لا استطيع أن أصدق، فقد رأيت صغيري عمار.عند النظر من مسافة ليست بالبعيدة، كان تواصل الإثنين وسلاسته مثيرا للاعجاب. فعمار نسي كل القلق الذي كان يشعر به حول ابداء مشاعره، والحب الذي كان يخشى ألا يكون موجودا عاد بشكل واضح وجلي. انفتحت مشاعره بشكل ظاهر.وبمرور الدقائق وخفوت المشاعر الآنية الجياشة، استرسل عمار وأمه في حوار هادئ جميل. ولكن كيف تواصل حوار انقطع قبل ثلاثة عقود؟

لا يوجد الكثير مما يجمع الأم وابنها، ولكن مع ذلك يتشاركان في كل الأمور. وبالنسبة لكليهما، تغير كل شيء، ولكن في نفس الوقت لم يتغير أي شيء، فالعلاقة التي طالما كان عمار يشعر بقلق ازاءها ما زالت موجودة.

صرخت زهراء وهي تضم عمار إلى صدرها، "ولدي بطل، بل بطل جبّار".
"افتقدني، يقلق عليّ وكان يريد أن يجدني. وهذا كل ما كنت أن أتمناه. شهدنا حروبا، حروبا كثيرة. خسرت عمار، نجوت ولكني كنت دوما أفكر بعمار، والآن عاد إلي. كم أنا سعيدة اليوم. أنا مستعدة لفعل أي أشيء لعمار. أي شيء".

بدأ الإثنان بمناقشة الأمور التي افتقدانها.

أخرج عمار هاتفه وأطلع أمه على الصور التقطها للأسماك التي اصطادها في ديفون بإنجلترا. ولكن بسبب تدهور بصرها كان على الأم أن تحمل الهاتف قريبا إلى وجهها.
انفردت أساريرها فخرا، وذكرته بالزمن الذي كانوا يقومون فيه بصيد السمك في البصرة. كان ذلك منذ أمد بعيد، ولكن بالنسبة لعمار وأمه لم يبد إلا لبضعة أيام.

كما التقى عمار بشقيقه الأصغر تحرير.

ومرة ثانية، كانت هناك الكثير من الدموع والمشاعر الجياشة، ولكنها كانت تخلو من أي حرج أو صمت . فقد تحدثا وتفاعلا ولمس أحدهما الآخر بسلاسة وطبيعية. بدا الأمر بسيطا إلى أبعد الحدود.

يتذكران الحيّل والخدع التي كانا يمارسانها مع والديهما، ويتندران حول مباريات كرة القدم ورحلات صيد الطيور. وكانا يتبادلان النكات والطرائف بينما كانا يتناولان وجبة من "القيمة" و"تكة الدجاج". لقد أصبحا جزءا من أسرة واحدة بعد وقت طويل.

في اليوم التالي، قال عمار إنه ينوي زيارة مسكن أسرته في كربلاء التي تبعد عن بغداد بساعتين.

ولكن الذي وجده هناك كان مختلفا تماما من البيت الريفي الذي يتذكره من طفولته في البصرة. فأمه وشقيقه وزوجته وزوج أمه يعيشون في كوخ يقع في أرض ملوثة.

سقف المسكن عبارة عن قطعة قماش، ولا تتوفر فيه أي من وسائل الصرف الصحي. وتتدلى فوقه أسلاك كهربائية سحبت من خطوط توزيع الطاقة الكهربائية.

قبل عودته إلى العراق، كان عمار يشعر بالقلق من أن زيارة مسكن الأسرة قد يكون محزنا له. ويقول إنه يشعر بالذنب لوضع أسرته المزري. ولكن هذه المشاعر سرعان ما تبددت.

فبدل أن يركز النظر إلى أرضية الدار القذرة، ابتسم عندما شاهد صور العائلة القديمة وهي معلقة على الجدران. ويضحك عندما تلقي أمه كيسا من الحلوى على رأسه تيمنا بعودته، فقد عاد صبيا صغيرا مرة أخرى. وسرعان ما يمتلئ المكان بأصوات الضحك.
ورغم أن عمارا لم يعش في هذا البيت من قبل، بدأ على الفور بالشعور أنه بيته.

عيد الميلاد

تفتح زهراء كيسا يحتوي على وثائق وصور احتفظت به لسنوات على أمل أن تعثر في يوم من الأيام على ولدها عمار. وتطلعنا على شهادة ميلاده التي تكشف عن تاريخ ولادته الحقيقي.

كان الأطباء في بريطانيا، الذين لم تكن لديهم أي وثائق رسمية عن ولادة عمار، اعتمدوا على عمر أسنانه وطول عظامه لتحديد عمره عندما وصل الى البلاد كلاجئ.

ويبدو أن هؤلاء الأطباء لم يكونوا على صواب، إذ تبين أن عمر عمار يزيد بثلاث سنوات عن تقديراتهم. ويقول عمار ضاحكا "سأبلغ من العمر 40 عاما في الأسبوع المقبل، وأخيرا ستكون لي مناسبة أحتفل بها".

وثمة مفاجأة أخرى، فقد تبين أن الوشم الظاهر على ذراع عمار الأيمن هو وشم تشترك به أسرته، فأمه وشقيقه لديهم نفس الوشم.

لا يتذكر عمار مصدر هذا الوشم وسبب وجوده، ولكن تحرير يقول إنه أعطى كل فرد من الأسرة الوشم الأزرق لأجل التعرف عليهم اذا فقدوا لأي سبب من الأسباب.

وقال "والآن عثرنا على عمارنا"، قبل أن يصمت الإثنان وهما يتأملان الأوشام في ذراعيهما.

بعد أيام خمسة من وصوله إلى بغداد، آن الأوان لعمار أن يعود إلى بريطانيا. وداع أقاربه مؤلم في كل الأحوال، ولكنه وداع اتسم بالثقة. كان وداعا ذا وقار وواقعية، ولم يكن وداعا عاطفيا.

وعد عمار بأنه سيعود الى العراق يوما، وقال إنه سيرسل الى اسرته كما من المال، ولكن أفراد الأسرة يعلمون بأنه ضعيف الحال.

قال لهم، "شكرا لكم لأنكم عثرتم عليّ".

ورد أفراد الأسرة قائلين، "شكرا لك على عودتك".

عيد الميلاد

تفتح زهراء كيسا يحتوي على وثائق وصور احتفظت به لسنوات على أمل أن تعثر في يوم من الأيام على ولدها عمار. وتطلعنا على شهادة ميلاده التي تكشف عن تاريخ ولادته الحقيقي.

كان الأطباء في بريطانيا، الذين لم تكن لديهم أي وثائق رسمية عن ولادة عمار، اعتمدوا على عمر أسنانه وطول عظامه لتحديد عمره عندما وصل الى البلاد كلاجئ.

ويبدو أن هؤلاء الأطباء لم يكونوا على صواب، إذ تبين أن عمر عمار يزيد بثلاث سنوات عن تقديراتهم. ويقول عمار ضاحكا "سأبلغ من العمر 40 عاما في الأسبوع المقبل، وأخيرا ستكون لي مناسبة أحتفل بها".

وثمة مفاجأة أخرى، فقد تبين أن الوشم الظاهر على ذراع عمار الأيمن هو وشم تشترك به أسرته، فأمه وشقيقه لديهم نفس الوشم.

لا يتذكر عمار مصدر هذا الوشم وسبب وجوده، ولكن تحرير يقول إنه أعطى كل فرد من الأسرة الوشم الأزرق لأجل التعرف عليهم اذا فقدوا لأي سبب من الأسباب.

وقال "والآن عثرنا على عمارنا"، قبل أن يصمت الإثنان وهما يتأملان الأوشام في ذراعيهما.

بعد أيام خمسة من وصوله إلى بغداد، آن الأوان لعمار أن يعود إلى بريطانيا. وداع أقاربه مؤلم في كل الأحوال، ولكنه وداع اتسم بالثقة. كان وداعا ذا وقار وواقعية، ولم يكن وداعا عاطفيا.

وعد عمار بأنه سيعود الى العراق يوما، وقال إنه سيرسل الى اسرته كما من المال، ولكن أفراد الأسرة يعلمون بأنه ضعيف الحال.

قال لهم، "شكرا لكم لأنكم عثرتم عليّ".

ورد أفراد الأسرة قائلين، "شكرا لك على عودتك".

"أشعر بأني مرزوق"

ينظر عمار إلى الشمس وهي تغرب على نهر دجلة من الطابق الأعلى لمبنى من المباني. فهذه هي آخر ليلة يقضيها في العراق.، ويلقي النظر على ما وصفه بأنه "أسبوع مليء بالعواطف".

"عشت وحيدا لعدة سنوات مع جراحي واصاباتي، ولكني الآن أشعر بأني ولدت من جديد. كل ما كنت أطمح له أن تشعر أمي بالفخر بي، وأنا أعتقد إنها تشعر بذلك الآن".

وقال، "كانت حياتي خاوية لفترة طويلة، ولكن لدي الآن أمل. أريد أن أعود لزيارة أسرتي في القريب العاجل".

كان بعض الصبية يلعبون كرة القدم في الساحة القريبة من شقة عمار. كانوا بنفس عمره عندما فقد أسرته. يبتسم ويقول، "كانت تلك أعظم لحظة في حياتي".

في شقته في مقاطعة ديفون الإنجليزية، علّق عمار صورا و الحلي على الجدران، فهناك مسابح منحته غياها أمه وأحجار جمعها قرب مدفن الأسرة في النجف.

ومنذ عودته إلى بريطانيا، حرص عمار على التواصل مع أسرته في العراق، إذ يتبادل مع أفراد الأسرة الصور والرسائل ليليا.

ويفكر عمار الآن بالانتقال إلى العاصمة البريطانية لندن من أجل العمل، فهو يريد أن يحصل على المال الكافي لتمكينه من السفر إلى العراق ومساعدة أسرته ماليا.

وصفت نيكولسون عودة عمار إلى كنف أسرته بأنها "معجزة حقيقية". وبعد سنوات عدة من شبه القطيعة، أعاد عمار اتصاله بالسياسية البريطانية وأطلعها على أخباره.

وبعد أن التقى بها مرة ثانية في مقر البرلمان البريطاني في ويستمينستر، يعبر عمار عن أمله في اعادة ترميم العلاقات بينهما وربما القيام بعمل في مؤسسة عمار.

وعدت نيكولسون بمساعدة عمار بكل ما تستطيع، ودعته لزيارة بعض المشاريع التي أقامتها مؤسسة عمار، وخصوصا مدرسة الأيتام في البصرة.

بعد سنة من استلامه لتلك الرسالة عبر فيسبوك، يتطلع عمار من شباك شقته نحو دارتمور وجوارها.

وقال إذ ذاك، "أشعر بأني مرزوق، فحياتي اكتملت أخيرا".