حدثَ في نهاية الأسبوع

كان عليّ أن أجد نفسي بمواجهة الباب الحديدي المغلق لمحطة القطار عدة مرات أيام السبت أو الأحد، وأن أتلفّت لأتتبع الأسهم التي تدل على الباصات البديلة للقطار، وأن أصل متأخرة جدا على أصدقائي، حتى أقتنع أن تنبيه "تفقد حركة النقل العام قبل مغادرة
منزلك كما تتفقد حالة الطقس" له هدف في لندن. فلا مكان للعفوية في هذه المدينة.

التخطيط ليومَي نهاية الأسبوع يبدأ مع بداية الأسبوع وأحيانا قبل ذلك بكثير؛ الزيارات المفاجئة ملغيّة، والاتصالات حتى بالأصدقاء تنسّق مسبقا. مؤخرا فقط بدأتُ محاولات التأقلم مع أسلوب الحياة هذا، وصرت مثل البقية أتمنى لزملائي عند نهاية ساعات العمل يوم الجمعة "عطلة أسبوع سعيدة"، وفور وصولي المكتب يوم الاثنين أطمئن على أنهم أمضوا عطلة جيدة. وإنستغرام يطلعني باستمرار على نشاطات أصدقائي حول العالم والتي تبدو دائما مميزة في نهاية الأسبوع.

مع ذلك، ورغم غياب تلقائية العطلة، تبدو لندن أحلى في نهاية الأسبوع، وتكون ملونة أكثر بسبب تخلي كثيرين عن ثياب العمل الرمادية والسوداء الرسمية الكئيبة. لكن عليّ الاعتراف، التخطيط لهذين اليومين مهم؛ فلندن واسعة جدا ويستغرق التنقل بين مكان وآخر فيها وقتا، كما تجري في أيام العطل أعمال صيانة لا تنتهي لشبكة المواصلات القديمة، وعمال ميترو الأنفاق - الخائفين من أن يستبدلوا بأجهزة تسيّر العربات بدلا منهم - يضربون عن العمل أحيانا في العطلة.

في محاولة للابتعاد عن جو هذه الحياة المنضبطة، تواصلت مع نساء من اليمن والعراق ومصر ليكتبن عن حياتهن في العطلة. كان ممكنا أن تكون مواضيع هذه المدونة الجديدة طريفة جدا، أو حتى أن تحوي تهكما - مثلا - على ما تمر به كثير من النساء اللاتي يجدن أنفسهن يقمن بأعمال منزلية أكثر في وقت من المفترض أن يكون مخصصا للراحة. لكن التدوينات من بغداد وعدن والقاهرة وصلت مغمسة تماما بالسياسة؛ نصوص عن وجود المرأة في المكان العام المحكوم بقواعد الرجال.

من الصعب تخيل ما تشعر به شهد وهي تكتب عن مكانها المفضل لقضاء العطلة في بغداد: حديقة حولتها القوات الأمريكية التي غزت العراق لقاعدة عسكرية قبل أن تغادر البلاد.
وحليمة تكتب حقيقة جغرافية: "اليمن شبه جزيرة"، لكنها تضيف حقيقة جديدة صنعها البشر: "لكن النساء محرومات من الاستراحة عند أحد أطراف البحر" بسبب التواجد العسكري.
أما الضغوط على هبة - ابنة القاهرة - فمختلفة؛ ليست ضغوطا مفروضة بقوة العسكر بل بقوة العائلة والمجتمع؛ مجرد عادات لكن يصعب التنازل عنها وذلك غالبا مراعاة لكبار السن في العائلة الذين ربما كانوا قد قُمعوا بعادات اجتماعية أخرى عندما كانوا شبابا، ونسوا ذاك الشعور بالخذلان والضعف. تخبرنا هبة، وهي طالبة ماجستير في لندن، عن قصة حبها التي قد تنتهي بسبب اختلاف الأديان لكنها تحاول أن تستمع بجو نهاية العطلة، هي وابنتها، هنا في لندن.

لم تكن مواضيع النصوص عن فترة العطلة وحدها غير متوقعة؛ كذلك كانت ظروف التقاط بعض الصور. يكتب لي ياسر، وهو مصور من اليمن، أنه التقط صورا عند شاطئ في عدن، لكنه سيرسل الصور في وقت لاحق لأنه متعب وشخّصت إصابته بالملاريا. يكتب معتذرا وكأنه مصاب بمجرد زكام.

الصور التي التقطها ياسر - رغم تعبه - وباقي الصور التي أخذت للنساء هي جزء أساسي من هذه المدونة. الصور توثيق لمكان ذي أهمية لدى النساء-المدوّنات، والنص يكمل باقي القصة (أو بالعكس)؛ فبعض الأماكن قد اختفت (كما حدث لبوابة في منطقة التواهي في عدن)، أو احتلت مؤقتا (مثل حديقة في بغداد).

ألمى حسون - محررة شؤون المرأة

على ضفاف دجلة

شهد رياض العزاوي (27 عاما)

درست الهندسة في جامعة دمشق، ثم انتقلت لإكمال دراستها في جامعة النهرين في بغداد. تعمل في مجال الهندسة الطبية. عام 2015 ، أصدرت رواية عن فتاة عراقية سكنت في دمشق، وعام 2017 أصدرت كتابا يضم قصصا عن أشخاص أصيبوا بالسرطان.

في داخلي طفلة تأبى أن تكبر، أطلق العنان لها كي لا تهرم الروح ويتعب القلب. لا أدّخر وقتا ً كلما كان الجو جميلاً بعد صيف حارق طويل لأذهب مع الأهل والأصدقاء لقضاء يوم مُميّز بعيداً عن روتين الحياة والأخبار والتفجيرات؛ حيث تسرقنا الطبيعة من كل هذا.
مكاني المفضل هو "جزيرة بغداد"، التي كانت قد تحولت إلى معسكر يقيم فيه الجنود الأمريكيون، وبعد خروجهم عادت حديقة عامة جميلة رغم كل ما حفرته الطلقات على جدران مبانيها.

نفتقد في بغداد توفر حدائق ومنتزهات عامة، وبسبب الجو الحار أصبح خيار الجميع الذهاب للمطاعم والمولات التي يتزايد عددها يوماً بعد يوم. وفي تلك الشهور القليلة من السنة حين يصبح الجو جميلا نحتاج لشيء من السكينة، ولكن لا يكون أمامنا سوى خياريَن: منتزه الزوراء، وجزيرة بغداد السياحية؛ الأول في جانب الكرخ والثانية في جانب الرصافة.

في جزيرة بغداد تمتد ُبساتين النخيل الذي أُعيدت زراعة الكثير منه بدل الذي أحرقته الصواريخ. أعيد ترميم المكان عام 2015 وتمت تهيئة مناطق للشواء وأخرى للجلوس علماً أن المكان كان فيه مطاعم ومسرح وبيوت سياحية لم يعاد تعميرها بعد ولا تزال مهجورة.

طبخنا الدولمة والبرياني، وأخذنا سمكا للشوي، وفور وصولنا جلسنا في مكاننا المعتاد أمام البحيرة. ذهبت مع أخواتي البنات الأصغر سنا لركوب الدراجات الهوائية؛ عدنا أطفالا ً بذاكرتنا إلى حيّنا القديم. كنا نخرج مع أطفال المنطقة نلعب بالشارع سوياً ونتسابق بالدراجات الهوائية. كانت أكبر مخاوفنا آنذاك عودة أبي ليقول حان موعد النوم. واليوم أكبر مخاوفي أن بغداد أصبحت ساحة مفتوحة بغياب قانون فعلي لذلك نخاف من مستقبل مجهول ينتظرنا، لكننا نستمر مع كثير من الأمل.

أنظر إلى أختي الأصغر التي ولدت عام 2003 - عام الغزو - وأتذكر كيف كنا نخاف عليها حتى من الوقوف عند باب البيت ومن التحدث مع الغرباء خشية احتمال خطفها؛ نخاف عليها من يوم يبدأ جميلاً بشمس مشرقة، وبعد قليل قد يحدث انفجار بسيط فتهب عاصفة تسرق عمر الأوراق اليانعة المتشبثة بالأشجار والتي كانت تنتظر أياماً جديدة بكل أمل.

سرق منا المجتمع وظروف الحياة فيه حرية التصرف كأطفال؛ وحرية تنقل الفتيات والنساء بالدراجة بشكل عادي في الشارع بسبب ظروف أمنية سيئة ولتجنب التعرض لبعض المضايقات. هذا المنتزه هو متنفسنا الوحيد، وعندما أنظر لأختي الأصغر أرى أننا كنا أفضل حالا منها بكثير.

أعود لتعليمها ركوب الدراجة والسباق معها حتى نهاية الشارع الطويل الذي تحتضن أشجار البرتقال والنارنج جانبيه، وتمد أغصانها عاليا لتحجب الشمس عنا قليلا. من غرس هذه الأشجار؟ ما دينه ما طائفته؟ هل تسأل الأشجار بعضها أسئلة كهذه؟ إن غرسنا أنواعا مختلفة من الشجر قرب بعض، هل يمكن أن تحتضن بعضها وهي مختلفة؟ لا أعلم ما إذا كنا وحدنا - نحن البشر - من يعاني عقدة الاختلاف أم أنها صفة جميع مخلوقات الله.
هنا في المنتزه، أرى من يلعب الكرة، ومن يستمع للأغاني الشعبية، ومن يرقص على أنغامها بعفوية تاركاً بشاعة ما يحدث خلفه لساعات ولو قليلة، بشاعة الواقع الاقتصادي والأمني الذي يعيشه العراقي يوميا. تذكرت الوضع قبل سنين؛ انفجارات مفاجئة في المناطق الشعبية المكتظة بالناس بعد دخول عناصر تنظيم داعش، أتذكر خوف الناس منهم، ونزوح عدد كبير من سكان المحافظات الأخرى لبغداد مما تسبب بأزمة في العاصمة، إضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي وغلاء الأسعار. حمدت الله أننا اليوم بحال أفضل.

ذهبنا لشراء حلوى "غزل البنات" من العربة المارة، تناولناها ونحن نواصل مسيرنا نحو البحيرة، مستمتعين بمنظر الغروب. أغمض عيني وأدعو الله أن تقف اللحظة هنا، دون خوف من الغد الذي نجهل بعيداً عن كل ما مضى. كلما آتي إلى هنا، أشعر أنّ كل شيء سيمضي. لكني أسمع صوت أبي، الذي رحل، يقول لي: "بغداد تبقى جميلة كما هي، وتزداد كل يوم جمالاً وسحراً. تعلمنا القوة والصمود وعدم الاستسلام، فلا تستسلمي".
تعودنا ونحن في إحدى النزهات أن نسمع صوت انفجار، فنترحم عمن مات ونكمل حياتنا، تعودنا أن نرى خطي الحياة والموت يسيران بشكل متواز. ربما أصبح الموت رفيق الحياة الدائم، وقتل داخلنا إحساس الرهبة منه لشدة قربه منا.

لم يعد البحر مكانا آمنا للنساء

حليمة محمد – عدن/ اليمن (39 عاما)

حاصلة على شهادة ماجستير في الدراسات النسوية، وعلى شهادة في الصحافة والإعلام من جامعة عدن، ناشطة مجتمعية، والمديرة التنفيذية لمؤسسة تعنى بالتنمية والإعلام.

أفكّر في عطلة نهاية الأسبوع وأحلم بالبحر والكورنيش، وبالمشي مع صديقاتي، والجلوس وحيدة عند رصيف السياح بمنطقة التواهي؛ أعبر بوابته التاريخية القديمة وأشعر بأني عبرت الزمن نحو مملكتي الخاصة؛ أُشاهد السفن والقوارب والبحر عن قرب وأختلي بنفسي لتصفية ذهني بعد أسبوع من العمل الشاق، ثم ألتقي بصديقاتي. هكذا كانت نهاية أسبوعي قبل الحرب.

أما الآن لم تعد هناك خيارات لقضاء نهاية الأسبوع في عدن.

أعيش في شبه جزيرة، والبحر جزء من حياتنا، لكني لم أعد أستطيع الذهاب إليه برفقة صديقاتي منذُ ثلاثة أعوام. البحر لم يعد مكانا آمنا بالنسبة لنا كنساء، فالمظاهر المسلحة المنتشرة تشعرنا بالقلق والخوف من أن نتعرض للاختطاف أو المضايقة؛ فنحن نعيش في مجتمع محافظ دائما ما يحمّل المرأة مسؤولية الأخطاء، لهذا نكون حذرات من فكرة الذهاب بمفردنا.

رصيف السياح في التواهي هدمت بوابته ومبناه القديم في الحرب بالكامل؛ هدمت مملكتي الخاصة ولم تعد كما كانت، وأغلب الأماكن إما تهدمت بفعل الحرب أو أغلقت.
عطلاتي أصبحت شبه مملة لذا نادرا ما أخرج للتنزه وأفضل قضاء الإجازة في المنزل، وتحولت العطلات إلى أيام روتينية يكسر هدوءها التوتر في وضع البلد أو أصوات طلقات الرصاص التي نسمعها في أغلب الأحيان لتقلق سكينتنا عند احتفال أحدهم بمناسبة خاصة غير آبه بالأرواح البريئة التي قد يحصدها الرصاص الراجع.

بعد انتهاء عطلتي المملة، وفي طريقي للعمل لفت انتباهي لافتة على شكل بطاقة عرس مكتوب عليها "مأمون ورشا يدعوان جميع سكان المدينة لحضور حفل زفافهما". رغم غرابة الموضوع إلا أنني شعرت بالفرحة. ضحكت في سري: عرس، والمدعوون مدينة عدن كلها. فقلت لنفسي: "وماله كلنا محتاجين نفرح".

مع المساء ازداد فضولي حول دعوة العرس وبدأت بالبحث فعلمت عن طريق "فيسبوك" أن هذه الدعوة هي دعاية لفيلم كاتبه ومخرجه وكل الممثلين فيه من عدن.

عدت لذكرياتي إلى الوراء، إلى ما قبل التسعينيات حين كانت دور السينما منتشرة في كل مكان في عدن، كنت أذهب بصحبة عائلتي لمشاهدة الأفلام في السينما القريبة من منزلنا.
ما زلت أذكر ملامح وجوه أمي وأخواتي وأعينهم المعلقة على الشاشة. كنت أتتبع الضوء لأعرف من أين يخرج، ولا يزال صفير الجماهير عند بداية ونهاية العرض حاضرا في ذهني كلما مررت قرب واحدة من دور السينما التي صارت خرابا ومرتعا للحشرات والقوارض، وكبّلت أبوابها بسلاسل الإغلاق.

أتذكر الخالة آسيا التي تسكن في الشارع المقابل لنا عندما كانت تعمل في السينما بقسم الأشرطة وكنا كلما صادفتها - أنا وأمي - في الشارع تطلعنا على الأفلام الجديدة. كم حزنت الخالة آسيا على إغلاق السينما حيث خسرت عملها هي والكثيرين ممن تم تسريحهم سواء من دور السينما أو المسارح أو المصانع بسبب الإغلاق لاعتبارات ثقافية ودينية لنظام ما بعد عام 1994 أو لاعتبارات سياسية ولتطبيق نظام الخصخصة.

السينما كانت جزءا من حياتنا وحياة الأجيال التي سبقتنا، ووجود عرض لفيلم سينمائي بعد مرور كل هذه الأعوام يعني لنا الكثير ويرجعنا لزمن الفنون المختلفة التي كانت تزخر بها عدن.

افتتح الفيلم في أول أيام عيد الأضحى في قاعتي أفراح وبمنطقتين مختلفتين؛ كان فرحة لمدينة انهكتها الحرب والوضع الاقتصادي المتدهور.

يحكي فيلم (10 أيام قبل الزفة) قصة شابين قبل حفلة زفافهما والتحديات التي تواجههما. طرح الفيلم الكثير من المواقف والقضايا التي يعيشها الناس وواقع الحياة المعيشة الصعبة بعد حرب 2015 في قالب تراجيدي-كوميدي. ورافق الفيلم أغنية خاصة به اسمها (أم المساكين) والمقصود بها عدن.

عيناي لم تفارقا الشاشة طوال العرض. في نهاية الفيلم يحتفل مأمون ورشا بعرسهما بطريقة تقليدية بسيطة ممزوجة بالزغاريد والرقص والبخور الذي فاحت رائحته في القاعة. صفير نهاية العرض جعل القاعة تهتز وأيقظ المشاعر الجميلة التي حملتها للسينما من طفولتي. كان الفيلم يستحق عناء البحث عن التذاكر بسبب الإقبال الكبير عليه، ويستحق أن أقضي إجازتي معه برفقة عائلتي وصديقاتي.

حب في نهاية الأسبوع

هبة كمال - القاهرة (35 عاما)

طالبة ماجستير في لندن، تحضرأطروحتها حول الجندر والتعليم.

لم أكن أعرف معنى لعطلة نهاية الأسبوع (أو الويك إند) عندما كنت أعيش في القاهرة؛ كان يوما الأحد والجمعة يومي الراحة من مدرستي الفرانكوفونية؛ نمكث يوم الأحد في المنزل أنا وأخي أمام التلفاز حتى تعود أمي من عملها. وكان يوم الجمعة هادئاً، تميزه "الطعمية" التي كانت تعدّها أمي، وأحيانا "البورك بالجبن" عندما كانت الحياةُ لا تزال تمنحها طاقة تسمح لها بتدليلنا.

بعد سنوات، وحين أصبحت أمّا بدوري، صار الويك إند مخصصا لدروس الباليه وأعياد ميلاد أصدقاء ابنتي "ليلة"، و صار يوما الخميس والجمعة خاصين بي حيث تمضي ليلة، التي يدعوها الجميع لولو، وقتها في منزل جدتها لأبيها – زوجي السابق.

أتحمس طوال الأسبوع للويك إند فتخذلني قواي من كثرة ما أرهقتني أيام الأسبوع فيغلبني النعاس ما إن يصل العقرب الصغير في ساعتي إلى التاسعة مساء، وأنجح مرات في اختلاس بعض الوقت لمقابلة حبيبي. علاقتنا تدخل عامها الخامس ونتقابل غالبا، فقط، في الويك إند.

مرت سنوات وانتقلتُ منذ عام إلى لندن لإنهاء دراستي العليا في مجال التعليم ودراسات الجندر. كانت البداية مليئة بالخطط لزيارة معالم المدينة أو قصد مدن أخرى، ولكن تحولت عطلة نهاية الأسبوع مرة أخرى إلى وقت مليء بأعياد الميلاد، أو كنا نقضيها ـ لولو وأناـ منتظرتين طقسا أخف قسوة.

أذكر كيف أجابت ليلة جدتها في زيارتنا الأخيرة لمصر حين سألتها: "لولو، شفت ساعة بيغ بن؟" فأجابت ليلة :"لسا.. احنا مستنيين الربيع".

أتى الربيع وشهدت لندن صيفا أحر من المعتاد، وبقيت خططنا للويك إند معلقة، ثم غرقت أنا في دراستي ولولو في اللعب في حديقة المنزل مع أبناء الجيران منبهرة بتوفر مساحة مفتوحة للعب حرمت منها وقت سكنا القاهرة.

كان ذاك الويك إند مختلفا، فقد كان ميعاد الكرنفال السنوي للاحتفال بحقوق المثليين (Brighton and Hove Pride)؛ فقررت الذهاب إلى مدينة برايتون لقضاء يوم السبت. رأينا أزياء مميزة وفنونا مختلفة ومسيرة كبيرة جابت شوارع المدينة. جذبتني الفكرة خصوصا أن لولو، ذات السبع سنوات، سألتني مرة عن نوعي المفضل من النساء، بعد أن سمعت صديقة لي تسألني عن نوعي المفضل من الرجال. قالت لتزيل عني الحرج: "ماما أنت ممكن تحبي ست وتتجوزيها كمان".

استدعت مقولتها تلك ذكرى حديث كان قد دار عن فكرة العائلة وكيف أنها - بسبب غياب أبيها لظروف طلاقنا - كانت قد استشعَرَت من مؤثرات خارجية لا علم لي بها أننا "أسرة ناقصة" لعدم وجود رجل. شرحت لها أن العائلة قد تكون لها أشكال أخرى غير تلك المؤسسة الاجتماعية المتعارف عليها. لذا تحمستُ كثيرا للأحاديث النبيهة التي ستخوضها ليلة كعادتها وتخيلت نفسي أشرح لها كيف ينتصر الحب دائما وقررت تجاهل مخاوفي عماّ قد يحدث إذا كررَت هذا الكلام في مصر.

قررت أن نقضي يومنا عند أحد شواطئ برايتون ونشاهد المسيرة. اشترت ليلة علم قوس قزح من نقودها الخاصة، وتوجهنا إلى هناك.

تذكرت عندما حضرت حفلا موسيقيا لفرقة "مشروع ليلى" في شهر أيار/مايو الماضي ومدى امتناني لرؤيتهم في لندن بعد منعهم من دخول مصر بعد حادثة رفع علم قوس قزح الشهيرة.

تذكرت أيضا وأنا أرى المئات حولي يرتدون الألوان والثياب التنكرية أنني فكرت مئة مرة قبل ارتداء هذه البلوزة التي تظهر نصف بطني بسبب تروما التحرش الجنسي التي عشتها في القاهرة لسنوات، وتردد صوت أبي في أذني حين قال لي، وأنا في الثامنة من عمري، بأن "صدري كبر ومينفعش أمشي كده في الشارع".

تذكرت كذلك وأنا أرى لافتة تقول "مثليين ومثليات يساندون اللاجئين" صديقاً من بلد عربي كان قد قرر تقديم ملف لجوء إلى دولة أوروبية كونه مثلي الجنس؛ فلا مال ولا سلطة تحميك إن كنت مثلي الجنس في بلادنا العربية.

وتذكرت أيضا ـ وبكثير من الألم ـ السبب الأساسي لهروبي من لندن تلك الويك إند، فاليوم لم يكن محبذاً وجودي مع حبيبي وسط عائلته لحضور إحدى المناسبات الاجتماعية، إذ أن علاقتنا توشك على الانتهاء بعد ما يقرب من خمس سنوات، لأننا من دينين مختلفين، ولكوني مطلقة وأم.

تذكرت كل هذا ونسيت ما كنت أود أن أقول لليلة عن كيف "ينتصر الحب دائما".

فريق العمل

المدوّنات:
حليمة محمد - اليمن/ عدن
شهد رياض العزاوي - العراق/ بغداد
هبة كمال - القاهرة/ مقيمة حاليا في لندن

المصورون:
حيدر هادي - منتج أخبار/ مكتب بي بي سي بغداد
عبد القادر حبق/ لندن
ياسر عبد الباقي - عدن

إعداد: ألمى حسون

تصميم الغلاف: أليس غرينيه

رئيس التحرير: مصطفى كاظم