مخاوف من أزمة دواء في مصر بعد قرار حكومي مثير للجدل

يعاني المواطن المصري من نقص في عدد كبير من الأدوية الأساسية مثل الأنسولين والضغط والسكر وألبان الأطفال

أثار قرار وزيرة الصحة المصرية هالة زايد بشأن رفع القيود نهائيا عن الأدوية "المماثلة"، التي تحتوي على نفس المادة الفعالة، حالة من الجدل داخل مصر، بين مؤيد يرى أن ذلك سوف يضبط السوق ويحد من احتكار شركات الدواء، ومعارض يقول إن القرار يأتي استجابة لضغوط المستثمرين في قطاع الدواء.

ويعاني المواطن المصري من نقص في عدد كبير من الأدوية الأساسية مثل الأنسولين والضغط والسكر وألبان الأطفال، والتي تحجم الشركات عن تصنيعها لعدم جدواها الاقتصادية وارتفاع تكلفة استيراد المواد الخام الداخلة في صناعتها.

قرار وزيرة الصحة المصرية الأخير هو تعديل لقرار سابق في العام 2015 يقصر عدد "الأدوية المماثلة" المتداولة لكل عقار علاجي بنحو 12 مثيلا فقط ليفتح الباب أمام تسجيل غير محدود لهذه المثائل من جانب مستوردي ومصنعي الأدوية.

ويشمل القرار المستحضرات التي يتقدم بها أصحاب المصانع تحت الإنشاء، والمستحضرات الطبية التي تنتج بغرض التداول المحلي أوالتصدير للخارج.

ضرورة لضبط السوق

"نظام صندوق المماثلات الذي كان معمولا به سابقا لم يحقق الهدف المرجو منه" هكذا قال دكتور أسامة رستم نائب رئيس غرفة صناعة الأدوية باتحاد الصناعات المصرية.

ويوضح رستم أن مماثلات الأدوية هي التي تحتوي على نفس المادة الفعالة والتركيبة الدوائية، بينما البدائل هي الأدوية التي تحتوي على مادة فعالة قريبة من الدواء الأصلي وقد لا يكون لها نفس الأثر العلاجي أو لها بعض الآثار الجانبية الأخرى.

نائب رئيس غرفة صناعة الأدوية يؤيد القرار الوزاري بفتح صندوق "المماثلات" ويقول إنه بالرغم من وجود هذا الصندوق الذي يحتوي على 12 مماثلا لكل دواء إلا أن السوق تعاني من نقص حاد في بعض صناديق المماثلات.

وأرجع رستم السب إلى أن هناك العديد من شركات الأدوية التي سجلت في صندوق مثائل للأدوية، لكنها لا تقوم بإنتاجها لأسباب مختلفة منها إن السعر غير مناسب أو لم يتمكن من تحقيق التسويق الجديد ولم يحقق مبيعات، وبالتالي فهو قام بحجز مثيل لا ينتجه بالفعل ويغلق الطريق أمام الشركات الجادة في الانتاج على حد قوله.

ووفقا لبيانات غرفة صناعة الأدوية في مصر يوجد نحو 14 ألف صنف دوائي مسجل لدى إدارة الشؤون الصيدلية بوزارة الصحة ينتج منها فقط نحو 6 آلاف صنف داخل السوق المحلي.

طلب إحاطة برلماني

النائب البرلماني أحمد العرجاوي عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري قال إن قرار فتح صندوق مماثلات الأدوية "سيدخلنا في منحى خطير يؤدي إلى زيادة أسعار الأدوية" مشيرا إلى أن الوزيرة لم ترجع إلى اللجنة المنوطة بدراسة القرار.

وأكد البرلماني المصري أنه سيقدم طلب إحاطة حول قرار وزيرة الصحة الذي يرى أنه سيكون في صالح شركات الأدوية التي ستستغله لتسجيل المزيد من الأدوية داخل السوق المصرية دون ضوابط واضحة.

وقال العرجاوي "كان الأولى بالوزيرة أن تقوم بتنقيح صناديق المماثلات الموجود فعلا بإزالة الأصناف التي لا يتم انتاجها .. ويحل محله بدائل جديدة أخداً في الاعتبار معايير حاجة السوق والسعر المناسب والجودة المطلوبة"

وحث عضو مجلس النواب الحكومة المصرية على سرعة إصدار قانون هيئة الدواء المصرية الذي يرى أنه سيضبط السوق من خلال تداول الدواء بالاسم العملي وليس العلامات أو الماركات التجارية.

الحق في الدواء

من جانبه يقول محمد فؤاد المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء إن مصر تعاني منذ 5 سنوات من ظاهرة النقص في الدواء، مضيفا "نستيقظ صباحا على طوابير لنقص أدوية مهمة مثل البنسلين مثلا ولا توجد جهة أو إدارة أو هيئة مسؤولة تتنبأ بوقوع الأزمة".

ويشير المحامي الحقوقي إلى بعض أمثلة "صارخة" في أزمة نقص بعض الأدوية المهمة فيقول "تخيل أن الشركات التسعة التي تقوم بانتاج البنسلين في مصر لا تنتجه منذ عام 2005 لأن سعره زهيد جدا رغم أنه ضروري".

وأوضح فؤاد أنه لا يوجد إلزام من جانب الدولة لحث الشركات المتوقفة عن إنتاج هذا الدواء المهم لاستئناف عمليات الانتاج.

ويقول المحامي الحقوقي في حديثه لبي بي سي إن هناك "تجارة خفية في ملفات المماثلات" تقوم خلالها بعض الشركات بحجز المثيل الدوائي نظير ملف يقدم لوزارة الصحة لا تزيد تكلفته عن 30 ألف جنيه ولكن بمجرد الحصول عليه يمكنها بيع حق انتاج هذا الدواء بمبالغ طائلة قد تصل إلى ملايين الجنيهات.

وقد حدث هذا الأمر بالفعل مع عقار "السوفالدي" المصري المخصص لعلاج الالتهاب الكبدي الفيروسي، وهو عقار مازال له احتياج قومي وشعبي حيث بيع الملف لأحد شركات الأدوية بمبلغ ضخم وصل إلى 28 مليون جنيه (1.6 مليون دولار أمريكي) فهي تجارة على حد قوله.

كارثة لدى الصيدليات

وفي اتصال هاتفي مع بي بي سي العربية، قال محمد سعودي وكيل نقابة الصيادلة في مصر إن قرار فتح صندوق "المماثلات" الأدوية الذي اتخذته وزيرة الصحة في مصر سوف يؤدي إلى كارثة في سوق الدواء المتشبع أصلا.

وأوضح سعودي أن سوق الدواء في مصر لا يحتاج إلى وجود المزيد من الأدوية المسجلة بالفعل والتي تحجم العديد من الشركات عن إنتاجها.

مصر: كيف سيؤثر قرار رفع سعر الأدوية الأخير على المرضى؟

وأضاف وكيل نقابة الصيادلة أن القرار الوزاري سوف يجبر الصيدليات على شراء "مماثلات" عديدة للدواء الواحد بعد أن كان مقصورا على 12 نوع فقط من كل دواء، الأمر الذي يحتاج لميزنيات ضخمة تؤدي إلى تراجع قدرة الصيدليات على مجاراة السوق وفق تعبيره.

ويوضح سعودي "العملية ستكون متوقفة على صفقات الأعمال والتربيطات بين الأطباء وشركات الدواء للترويج للأصناف التي تنتجها" وهو ما يؤدي وفق رأيه إلى تكدس بعض الأنواع على أرفف الصيدليات واستفحال ظاهرة الأدوية منتهية الصلاحية.

ويرد أسامة رستم نائب رئيس غرفة صناعة الأدوية على هذا التخوف بشأن تزايد نسبة الأدوية منتهية الصلاحية بأنه من حق الصيدليات إرجاع هذه الأدوية إلى الشركات المنتجة لها وتعويض الصيدليات عن هذه الأدوية وفق ضوابط لتطهير السوق ومكافحة الأدوية المغشوشة أو مجهولة المصدر، أو تلك التي تباع على الأرصفة كما نشاهد حاليا في بعض الأسواق الشعبية.

دخلاء على المهنة

ويوضح رستم "من يقوم بهذه الممارسات دخلاء على مهنة ورسالة الصيدلة" محذرا من أن تداول هذه الأدوية منتهية الصلاحية هي جريمة تصل إلى حد القتل العمد، لأن الأدوية منتهية الصلاحية هي أدوية بدون فعالية حقيقة والمادة الخام فيها فسدت وليس لها أثر دوائي.

كما يطالب المحامي الحقوقي محمد فؤاد من جمعية الحق في الدواء بأن تلزم الحكومة المصرية شركات الأدوية بسحب الأدوية "منتهية الصلاحية" من الصيدليات، ويجب اللجوء إلى الإسم العلمي لتداول الأدوية وهو أمر معمول به في أغلب دول العالم.

ووفقا لاحصائيات جمعية الحق في الدواء، فإن مصر مسجل بها 58.4 % من المواطنين على شبكة التأمين صحي التي يتم تداول العلاج فيها من خلال الاسم العلمي فقط بغض النظر عن الماركات التجارية أو شركات التصنيع.

ويقول فؤاد إن التعامل بالإسم العلمي للدواء يحقق العدالة والمساواة للكل، لكن هذا القرار يواجه بعقبات كثيرة وعلاقات بين الشركات منتجة الأدوية والأطباء؟، ونحتاج إلى 15 سنة على الأقل من تطبيق قانون التأمين الصحي الشامل حتى تنضبط سوق الدواء على حد قوله.

أما الدكتور أحمد السواح من جمعية الدواء المصرية فيقول إنه لا يهتم كثيرا بالقرارات الحكومية الصادرة في هذا الشأن لكن المهم لديه هو توافر الأدوية الضرورية للمصريين.

وحث السواح الحكومة المصرية على فتح السوق أمام الأدوية المستوردة مشيرا إلى أن الولايات المتحدة - التي كان يعيش فيها لفترة طويلة - "تفتح السوق تماما أمام الهنود الذين يوفرون ثلث احتياجات الأدوية المتداولة هناك، بينما نحن نترك المريض نهبا لصراع الشركات الكبرى".

وانتهت ندوة نظمتها نقابة الصيادلة بالتعاون مع جمعية الحق في الدواء إلى أنه لابد من فتح الباب لتوفير احتياجات المريض من الانتاج المحلي أو الاستيراد من الخارج على أن يكون من حق الصيدلي صرف الدواء بالإسم العلمي وإجبار الشركات على سحب الأدوية منتهية الصلاحية.

وأجمع المشاركون أن مصر تقوم باستيراد المواد الخام ومواد التغليف والتعبئة وخطوط الانتاج بالعملة الصعبة وهو ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأدوية ويجبر الحكومة على استحداث منظومة لتوفير الدواء من خلال شبكة تأمين صحي معتمدة أو مراقبة الأسواق.

--------------------------------------

يمكنكم تسلم إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة