مشروع السنكترون بادرة وحدة في منطقة الشرق الاوسط

آخر تحديث:  الاثنين، 26 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2012، 23:36 GMT

يشارك في المشروع علماء من العديد من الدول في الشرق الاوسط.

وسط تصاعد حدة التوتر في أحد اشد المناطق اضطرابا في العالم، برز مشروع جرئ يستعين بالعلوم لخدمة الدبلوماسية في قلب الشرق الاوسط.

ففي هذه الارض التي عجت قديما بمشاعر الكره، تبنى الاردن منشأة علمية عالية التطور.

ويحظى بناء المنشأة على دعم من دول تحمل دوما مشاعر العداء على نحو واضح فيما بينها.

ويتكلف بناء برنامج سيسامي، أو برنامج التسارع الضوئي للتجارب والتطبيقات العلمية في الشرق الاوسط، ملايين الجنيهات الاسترلينية.

ويدعم المشروع عدد من الدول العربية الى جانب تركيا وباكستان وقبرص وايران، ومما يثير الدهشة أن اسرائيل أيضا من المشاركين في المشروع.

ودوما تعلن الحكومة الايرانية صراحة عن رغبتها في تدمير اسرائيل، كما تهدد اسرائيل باستهداف المنشآت النووية الايرانية، كما اتهمت اسرائيل ايران مؤخرا بامداد المسلحين الفلسطينيين بالصواريخ لاطلاقها على مدن اسرائيلية.

وعلى الرغم من ذلك تعهدت حكومتا البلدين وحكومات دول اخرى بتقديم الدعم المالي اللازم لمشروع "سيسامي"، وكانت بي بي سي قد شهدت اجتماعا مطولا للعلماء والمسؤولين في الاردن مطلع الشهر الجاري.

وبعد سنوات من الشكوك بشأن جدوى المشروع، تجرى حاليا اعمال البناء في المراحل المتقدمة مع ضمان التأكيد على توافر معظم التمويلات المالية المقبلة. ومن المحتمل اطلاق أول بحث علمي للمشروع بحلول عام 2015.

وسوف يستخدم الباحثون السنكترون، الذي هو اشبه بمجهر عملاق، بغية دراسة اي شئ من الفيروسات الى العقاقير والمواد الجديدة.

اصبح السنكترون أداة مستقلة للعلوم الحديثة تستخدمها نحو 60 دولة في انحاء العالم، جميعها تقريبا في الدول المتقدمة، وهذه هي المرة الاولى في الشرق الاوسط.

تجاهل العقبات

تهدف منشأة سيسامي الى تعزيز البحوث المتقدمة في المنطقة.

القى مراسل بي بي سي نظرة حول منشأة سيسامي التي تهدف الى تعزيز البحوث المتقدمة في المنطقة، وفتح افاق جديدة للحوار وتعود فكرتها الى التسعينيات.

وبالمقارنة بالمركز الاوروبي للبحوث النووية الذي انشئ في اعقاب الحرب العالمية الثانية لجمع العلماء من الدول المتنازعة في السابق لدى اوروبا، تسمح منشأة سيسامي للباحثين بالتعاون في شتى ارجاء الشرق الاوسط.

ويرأس مجلس ادارة سيسامي سير كريس ليويلين سميث، عالم الفيزياء البريطاني، والمدير السابق للمركز الاوروبي للبحوث النووية.

وخلال زيارة للمنشأة التي تقع في منطقة جبلية تبعد 20 ميلا شمال غرب العاصمة عمان، قال سميث لبي بي سي نيوز "انه رائع وقد حدث بالفعل، وذلك يعزى الى ان الدوائر العلمية في هذه الدول تتحرك لتحقيق تقدم في ذلك الصدد مع تجاهل العقبات السياسية."

واضاف ان "العلوم لغة مشتركة، فان كنا نملك القدرة على التحدث معا، فربما نستطيع بناء جسور من الثقة تساعدنا في مجالات اخرى."

وعلى الرغم من الحساسية السياسية المحتملة، فتح المشروع بالفعل قنوات اتصال جديدة فعالة من حيث افاق النتائج الملموسة للمختبر.

يذكر ان بداية الشهر الجاري شهدت اجتماعات ضمت "المستخدمين" للمنشأة وهم فرق علمية تأمل في استخدام سيسامي الاستخدام الامثل الى جانب المستشارين الفنيين ومسؤولي الحكومة في الاردن.

وحصلت بي بي سي على اذن حصري بالدخول الى موقع منشأة سنكترون.

نظرة طويلة الاجل

وجلس اعضاء وفود قبرص وتركيا، اللتين لا تتمتعان بعلاقات دبلوماسية، وكذا اعضاء من اسرائيل وايران وباكستان، على الرغم من عدم وجود علاقات تجمع الاخيرتين باسرائيل، الى جانب الاردنيين والفلسطينيين والمصريين. وبالنظر الى حدة التوتر على المستوى السياسي، كان المناخ السائد مفعما بالهدوء والنشاط.

وبحسب اليازير رابينوفيتشي، عالم الفيزياء لدى الجامعة العبرية بالقدس، يعد المشروع "منارة أمل للعديد في المنطقة يجرأون على الاعتقاد "بأن الحياة في المنطقة يمكن تحسينها."

وقال رابينوفيتشي "نعيش حاليا فترة قاسية، فترة قاسية جدا، وقد تشتد قسوتها، لكني اعتقد كحال العلماء، انه يتعين علينا ان ننظر نظرة طويلة الاجل، وعليه سنجد عدم وجود تعارض للمصالح بين شعب ايران وشعب اسرائيل."

وأكد وجهة نظر رابينوفيتشي احد العلماء البارزين في ايران وهو محمود تابريتشي لدى جامعة اصفهان، حيث قال لبي بي سي "يحتاج كل عالم الى ادوات للعمل مع طلابه وتدريبهم غير ان ذلك يتكلف الكثير لشراء الادوات لاسيما الادوات الجيدة. لكن هذه المنشآت تغطي نسبة كبيرة من احتياجات العلماء في هذه المنطقة."

وتتكلف المرحلة التالية للبناء 5 ملايين دولار تشارك في سدادها اسرائيل وايران والاردن وتركيا، علاوة على 5 ملايين دولار من الاتحاد الاوروبي لتوفير نظام مغناطيسي، كما وافقت باكستان على تقديم 5 ملايين دولار.

خطوة للامام

منشأة سيسامي

ديفيد شوكمان في منشأة سيسامي

يعمل السنكترون من خلال مسارع الالكترونات حول انبوب مستدير، يتم من خلاله دفع طاقة هائلة في شكل ضوء – من اشعة اكس الى اشعة تحت الحمراء – تحول الى حزم اشعاع، وبتركيز ضوء مكثف على عينات، يمكن رسم تفاصيل لأدق البنايات حجما.

برزت فكرة سيسامي حال تفكيك سنكترون ألماني يعرف باسم (بيسي) واقترح هرمان فينيك، الاستاذ لدى جامعة ستانفورد، انه بدلا من تفكيكه بالامكان شحنه الى الشرق الاوسط.

واشار فينيك الى دور السنكترون في البرازيل وكوريا الجنوبية وتايوان من حيث توليد خبرات علمية محلية ومواجهة "استقطاب العلماء"، وقال ان اثارا مماثلة محتملة في الشرق الاوسط.

وقال فينيك لبي بي سي ان منشأة سيسامي بامكانها احراز نجاح بالفعل نتيجة ان الاجتماعات التحضيرية ضمت علماء من دول لا تجتمع بطريقة عادية.

واضاف "حتى وان لم ينتج سيسامي اشعة اكس او ينتج بحثا، فسيكون لهو دور جيد محتمل في هذه المنطقة. ويمكن تمثيل ذلك من خلال اجتماعات المستخدمين التي يجتمع بها نحو مئة عالم من المنطقة."

ويشارك في وجهة النظر الكثير من العلماء المشاركين في المشروع الذي يحتل قيمة كبيرة للعلم.

قال جمال غبون، عالم الفيزياء الفلسطيني لدى جامعة بيت لحم، انه لم يتصور قط التعاون بهذه الطريقة.

واضاف "ما نرجوه هو ان يفتح العلم بابا لفهم اكثر للقضايا الاخرى – سنبدأ بالعلم وسنفتح أبوابا كانت مؤصدة لسنوات او قرون."

ووصف زهير البياري، لدى جامعة فيلاديلفيا في الاردن، العلم بانه "شئ رائع للتعاون."

واضاف "بالعلم يمكننا ان نبعث رسالة سلام وبوصفنا بشر نتعامل معا على هذا الاساس، وان تكون لدينا المعرفة التي تصب في مصلحة جميع الحضارات والعالم اجمع.

تحديات سياسية

يعمل السنكترون من خلال مسارع الالكترونات حول انبوب مستدير.

وبالنسبة لمهدية درزي، وهي إيرانية شابة درست العلوم في إيران، فإن تلك كانت أول زيارة لها خارج بلادها، كما أنها كانت أول مرة، كما هو الحال مع كثيرين، تلتقي فيها بأشخاص من إسرائيل.

وقالت إن مشروع سيسامي يمثل "تقنية حديثة ستساعد سكان الشرق الأوسط على تنمية معرفتهم وتطويرها".

وقد وجهت سؤالا إلى روي بيك، وهو أستاذ بجامعة تل أبيب، عن انطباعه وهو يشارك العلماء من دولة إيران، التي توعدت حكومتها بتدمير دولته.

إلا أنه قال: "إذا ما أخذنا ذلك في الاعتبار، فإن العلماء الإيرانيين لم يتوعدوا بتدميري، وأعني بذلك أن العلماء من إيران وفلسطين وباكستان هم أصدقائي، فنحن نقف على نفس الأرضية. وذلك هو الجوهر الحقيقي لما قد يحدثه مشروع سيسامي في المنطقة."

كما لا يزال المشروع في مواجهة بعض التحديات الفنية، وذلك علاوة على التهديد الدائم الذي يواجهه اذا ما حدث أي صراع أو انهيار سياسي قد يجبر الدول الرئيسية المشاركة فيه على أن تنسحب أو أن توقف تمويلها له.

ويقر ليوييلين سميث أنه لا تزال ثمة عدد من الأمور غير الواضحة تواجه المشروع. وقال: "من المؤكد أنه إذا ما وقعت حرب حقيقية فإن ذلك قد يتسبب في توقف العمل الذي نقوم به، إلا أنه ينبغي لنا أن نعمل ونكون متفائلين."

وعلى الرغم من اشتعال الصراع الأخير بين إسرائيل ومقاتلي حماس في غزة، فليست هناك أية دلائل حتى الآن تشير إلى انسحاب أي من الدول المشاركة في المشروع.

وتقول زهرة سايرس، الأستاذة بجامعة سابانجي باسطنبول، إن مشروع "سيسامي مشروع قيم لا يمكن السماح له بالفشل".

وتابعت قائلة: "قد لا يؤدي ذلك المشروع إلى تحقيق السلام في المنطقة، إلا أنه يمكنه أن يحقق جزءا ولو قليلا من التواصل بين الشعوب التي تعيش في هذه المنطقة، وذلك ما ينبغي لهذا المشروع أن يعمله. فنحن في حاجة إلى ذلك الجزء الصغير الهش من التواصل."

موضوعات ذات صلة

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك