أعمال الحفائر في البحرين تميط اللثام عن إحدى أقدم الحضارات

Image caption كان الموقع يزخر بالأنشطة التجارية

قال علماء الآثار إن موقع "سار" الذي أصبح مدينة حديثة نشطة تزخر بوجود المطاعم والمتاجر كشفت فيها الحفائر الأثرية عن إحدى أقدم الحضارات التجارية.

وقد خضع الموقع الأثري في البحرين، الذي يعتقد أنه موقع يضم حضارة الدلمون الغامضة، لمناقشات خلال مؤتمر عقد في العاصمة المنامة برعاية منظمة التربية والعلوم والثقافة (يونسكو) التابعة للأمم المتحدة.

وخصص المؤتمر لطرح مناقشات واسعة النطاق تتعلق بسياحة التراث، والبحرين هي المقر الاقليمي لمنظمة (يونيسكو) وأحد أبرز معالم الجذب لها وفرة المواقع القديمة بها.

وفي سار، (التي سميت باسم أقرب قرية حديثة) وتتميز بشمسها الحارقة، شرح أحد علماء الآثار البحرينيين باستفاضة لمجموعة من العاملين كيفية إقامة جدار منخفض في حالة اشبه بالانهيار.

ويمثل هذا الترميم الدقيق لموقع أثري نقطة تحول على طريق الاختصاصيين البحرينيين إذ يحوي مخزونا كبيرا من الآثار التاريخية في البلاد.

وقال سلمان المهاري، عالم الآثار بحريني، إن موقع سار ينقسم الى قسمين: منطقة سكنية، وهي منطقة تقع على مساحة صغيرة، ومقابر، يدفن فيها السكان موتاهم.

واضاف "هذا الموقع يتيح الكثير من المعلومات بشأن الحياة اليومية، كما يمكننا من مقارنة النتائج هنا بالقطع التي كشف عنها في مواقع أخرى في البلد. وهي دليل على أن هذه المدينة ومقابرها تعود إلى فترة حضارة ديلمون المبكرة."

ملتقى الحضارات

وحضارة ديلمون، التي تعد واحدة من أهم الحضارات القديمة في المنطقة ويقال إنها تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، كانت مركزا لطريق التجارة بين حضارة الميسوبوتاميا، وهي من أقدم حضارات العالم، وحضارة وادي السند في جنوب اسيا.

كما يعتقد أن حضارة ديلمون كانت تربطها روابط تجارية مع المواقع القديمة مع حضارات إيلام في عمان وإبلا في سوريا والحيثيين في تركيا.

ويؤكد سلمان المهاري إن فريق العمل حاليا يسعى إلى الحفاظ على ما عثر عليه لضمان الاستفادة من المكتشفات التاريخية.

واضاف "على مدار 4000 عام كان هذا الموقع مدفونا تحت الارض وهو ما ساعد في حفظها، وقد كشف عنه حاليا بعد الحفائر، ونحن لا نعتزم الآن اجراء المزيد من الحفائر، نريد أن نحمي الموقع وتفسير ما كشفنا عنه للزائرين."

وموقع سار أبعد من أن يصنف ضمن أهم مواقع الاطلال الاثرية خلال حقبة ديلمون. فعلى الطرف الشمالي للبلاد جرت اكتشافات أثرية لسبع مراحل متعاقبة لقرى في منطقة قلعة البحرين. وتحت هذه القلعة الأقدم الكبيرة جرى الكشف عن ثلاث مدن متتالية للديلمون فضلا عن اكشاف مدينة رومانية يعود تاريخها إلى عام 200 قبل الميلاد.

والموقع رائع، وتضم الجدران الخارجية منطقة تبلغ مساحتها مئات الامتار المربعة، حيث يقبع في منتصفها أحجار كبيرة انحنائية الشكل تمثل المدخل فضلا عن وجود جدران لغرفة تحتوي على مذبح كانت تضم يوما ما أعمدة مكسوة بالنحاس.

وإلى جانب البناية الأخرى يشير العثور على عظام سوداء لحيوانات وأرض متفحمة إلى أنها كانت غرفة تستخدم لتقديم القرابين للآلهة.

وعلى الجانب الآخر من المذبح، الذي يتوسط الموقع، تفضي مجموعة من درجات سلم منحني إلى أسفل إلى حوض عميق حجري البناء على نحو محكم فوق أحد ينابيع المياه المتعددة تحت الأرض حيث كان من المعتقد أن الاله إنكي، أحد الآلهة السومارية الرئيسية الثلاثة وهو اله الحكمة الذي كان يسكن في المياه، كان يعيش في هذا المكان.

وكانت المياه الحلوة الوفيرة المتدفقة من الينابيع، التي مازالت تمد البلاد بالكثير من مياه الشرب، من الاشياء المهمة لحضارة ديلمون.

وكانت الجزيرة واحة خصبة في العصور القديمة في منطقة مقفرة، وكان هذا منشأ الاسطورة التوراتية بأن البحرين ربما هي موقع جنات عدن.

النظم العقائدية

يقول عبد الله حسن يحيى، حارس قلعة البحرين، إن الطبيعة الخصبة للجزيرة شجعت على ما هو أكثر من الزراعة (وإن كانت ديلمون اشتهرت بانتاج الخضراوات)، فهناك أدلة دامغة على ممارسات شعائر دينية واعتناق معتقدات يمكن مقارنتها بتلك التي وجدت في مجتمعات أخرى متقدمة في هذا العصر.

واضاف "كان للنظام العقائدي هنا الكثير من أوجه الشبه مقارنة بتلك التي عرفتها حضارة الميسوبوتاميا وحضارة مصر القديمة. حيث برز الايمان بالعالم الآخر وهو ما يتضح من خلال دفن الموتى إلى جانب متعلقاتهم مثل الأدوات والغذاء وآنية الشرب والذهب، كما عثرنا ايضا على أسلحة."

وقال يحيى إن تجار ديلمون قد احتكروا تجارة النحاس والسلع الثمينة التي كان يجري شحنها من مناجم عمان الى مدن حضارة الميسوبوتاميا. لكنه يدحض نظرية تقول إن البحرين ربما استخدمها السكان القدامى في حقبة ما قبل التاريخ للبر الرئيسي العربي كمدافن.

وتضم الجزيرة نحو 170 ألف مدفن على مساحة تصل الى 30 كيلومترا مربعا أو ما يمثل 5 في المئة من مساحة الجزيرة الرئيسية.

ويعود تاريخ معظم المقابر إلى القرن الثاني والثالث قبل الميلاد، غير أن بعضها وهو الأحدث يعود تاريخه إلى ألفي عام.

وقد عثرعلى أقدم مدفن وأكبرها، وهي "مقبرة ملكية"، وهي بارتفاع 15 مترا و قطر 45 مترا

جذب الجمهور

ويوافق عالم الآثار سلمان المهاري على ذلك ويقول "كان هناك عدد من المراكز السكانية الكبيرة في الجزيرة. ونقدر وجود أعداد كبيرة من الموتى سواء البالغين أو الاطفال قد دفنوا هنا."

وهذا الجدل هو نفسه ما يدعمه خليفة أحمد آل خليفة، مساعد مدير البرامح لدى المركز الاقليمي العربي للتراث العالمي، اذ يفسر سبب ملائمة طرح "القطع غير التقليدية" للعرض للجمهور في الوقت الحالي.

واضاف "هناك الكثير من الاعمال الاكاديمية الجارية خلال العقود الماضية. وتنطوي الفكرة على تبسيط وتفسير كافة المعلومات الاكاديمية حتى يتمكن المحليون والزائرون الدوليون من الوقوف على أهمية تراثنا."

ويتابع خليفة قائلا ان منطقة سار على سبيل المثال "تضم منازل ومطاعم ومراكز تجارية ومقابر ومكان للعبادة. كل ذلك في مدينة حديثة."

وقال "أحد الخصائص المميزة لمنطقة سار هو وجوج تجمعات للدفن على شكل خلايا النحل، وهي من الأشياء التي تستهوي اعجاب الكثير من الناس.

وعلى الرغم من كون البحث الاكاديمي يواصل استكشاف ديلمون التي تعود الى قبل 4000 عام، وابراز ما يميزها من تجارة ونظام غذائي واعمال فخار وصناعات اخرى فضلا عن عادات الدفن المحلية، فهناك تركيز على ابراز أي شئ يهم المواطن في الشارع.

المزيد حول هذه القصة