هل يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في تجنب تدافع الحشود؟

Image caption سقط أكثر من 100 قتيل في حادث التدافع الأخير في الهند.

يبدو أن حوادث القتل الأشد قسوة وأكثرها وقوعا دون مبرر هي التي تسحق وسط حالات التدافع.

لكن حتى في القرن الحادي والعشرين فإن مثل هذه الوفيات لا تزال شائعة في الوقت الذي أثبت فيه تدافع في مهرجان هندوسي مؤخرا بالهند وقتل فيه نحو 115 شخصا ان هذا الأمر مؤسف تماما.

تحول الشعور بالرعب سريعا إلى غضب حيث ذكرت وسائل إعلام هندية أنه إذا كانت هناك إدارة للحشود بشكل أفضل لما وقعت هذه المأساة.

لكن هل يمكن للتكنولوجيا أيضا أن تلعب دورا في ضمان عدم تكرار مثل هذه الكوارث؟

وخلال أداء فريضة الحج، التي تمثل أكبر تجمع للمسلمين في العالم، والتي أقيمت في أكتوبر/تشرين الأول، يمكن للسلطات الآن استخدام برنامج لتحليل الحشود بشكل حي، والذي لا يمكنه فقط تحديد المشاكل وسط الحشود بل أيضا يزعم أنه يمكنه التنبؤ بالأماكن التي من المرجح أن تشهد تزاحما.

وعبر هذا البرنامج، يتم تغذية بيانات حية إلى غرفة عمليات كبيرة حيث يحللها أفراد الجيش والشرطة وغيرهم من مديري الحشود.

وقالت فيونا سترينس التي شاركت في تأسيس شركة "كراود فيشن" التي صنعت هذا البرنامج إن "الحشود قد تكون أماكن خطيرة، وسواء كان بسبب مجموعات داخل الحشد أو كوارث طبيعية أو سوء توجيه من مديري الحشود، فإن هناك تاريخ طويل من حالات التصادم والتدافع وفشل الإجلاء".

وأضافت "يحدد (البرنامج) أنماط سلوك الحشد التي تشير إلى المخاطر المحتملة مثل الكثافة العالية والضغط والاضطراب وموجات التوقف والتحرك وغيرها من السلوكيات الغريبة".

وفريضة الحج واحدة من أكبر الأحداث التي تشهد حشود غفيرة ولديها سجل سيء جدا في حالات التدافع، حيث سقط آلاف الضحايا على مدى السنوات الماضية.

وقعت واحدة من بين أسوأ الحوادث في عام 2006 حينما أسفر تدافع في اليوم الأخير للحج عن مقتل ما لا يقل عن 346 حاجا وإصابة 200 آخرين.

سلوك الحشد

وكجزء من البحث الذي أجراه لشهادة الدكتوراه، حلل الدكتور اندرز جوهانسن الذي شارك في تأسيس شركة "كرواد فيشن" الصور التي التقطتها كاميرات المراقبة للحجاج قبل و بعد عمليات السحق خلال التدافع عام 2006 ، وتوصل إلى أن هناك أنماطا من السلوك كان من الممكن تفاديها في حال جرى تحديدها في وقت مبكر بشكل كاف.

في عام 2007 جرى تنصيب هذا النظام في مكة، وهو يرصد حركة الحجاج كل عام منذ ذلك الحين.

ورغم أن الشركة لا تريد المخاطرة بصورة غير محسوبة، فإنها ومنذ انخراطها بتقديم هذا البرنامج لم يسقط وفيات.

لكن السيدة سترينس تقول إن هذا الأمر لا يعود الفضل فيه بالكامل إلى التكنولوجيا.

وقالت "في السنوات الأخيرة، استثمرت سلطات مكة في تحسين البنية التحتية والتخطيط والتكنولوجيا لضمان سلامة الحجاج، لكننا نلعب دورا مهما جدا في توفير البيانات في الوقت الحقيقي ورؤى ضرورية في توجيه عملية اتخاذ القرار على مستوى العمليات".

Image caption فريضة الحج واحدة من أكبر الأحداث التي تشهد حشود غفيرة ولديها سجل سيء جدا في حالات التدافع

من جانبها، أعربت السلطات السعودية عن سعادتها بأن يكون لديها هذا الشريك التكنولوجي.

وقال الدكتور سليم البوستة خبير إدارة الحشود في وزارة الشؤون البلدية والقروية "يحسن تحليل الحشود الحية بشكل كبير من سلامة الحجاج".

لكن خبير الحشود كيث ستيل الذي كان مستشارا خاصا لشؤون الحج بين عامي 2001 و2005 كان أكثر تشككا بشأن إلى أي مدى يمكن أن تساعد التكنولوجيا في هذه الأماكن.

وقال في تصريح لبي بي سي إن "أي تكنولوجيا يجب أن ترافقها خطة لإدارة الحشود".

وأعرب في الواقع عن اعتقاده بأن التكنولوجيا التي جرى تنصيبها في الحج عام 2006 قبل مشاركة "كراود فيشن" ساهمت بالفعل في المأساة التي وقعت.

وأضاف بأن "شركات تقنية قدمت للسعوديين أنظمة جديدة، وكان هناك اعتماد مفرط على التكنولوجيا، كان هناك الكثير من العلامات الرقمية التي ترشد الحشود، لكنها كانت فوضى تماما".

وأعرب عن شكوكه أيضا حول إذا ما كانت التكنولوجيا التي تستخدمها "كراود فيشن" قد تكون فعالة في موقف حي.

وقال "إنها تحدد موجات صادمة وسط الحشود، لكن إذا كانت هذه تحدث فإنك حينها تكون بالفعل في نقطة يمكن للناس أن يسحقوا أو يصابوا إصابات خطيرة، وأي كان الشخص الذي يتولى إدارة الأمور فإنه سيفقد السيطرة على الوضع حينها بشكل أساسي".

وأضاف "قد يصبح الأمر ممارسة بلا جدوى".

وبالنسبة لكيث ستيل، فإن القيمة التي تمثلها "كراود فيشن" تكمن أكثر في قدرتها على تحديد بدقة عدد الناس الموجودين في حدث ما.

وقال "إذا كنت بحاجة إلى تتبع السعة، فإن هذه الأدوات جيدة لكنها بعيدة جدا من أن تكون نظاما لإدارة المخاطر".

احتجاجات الشوارع

يتزايد الزحام بشدة في المدن حول العالم، وتتوقع الأمم المتحدة أنه بحلول 2050 سيتخطى سكان العالم تسعة مليارات، يعيش نحو 70 في المئة منهم في بلدات.

ويقضى الناس وقتا أكثر وسط الحشود، والحفلات الموسيقية والمناسبات الرياضية الكبيرة هي أماكن شائعة تجتذب أعداد غفيرة من الناس، وكذلك الشاشات الكبيرة التي تبث فعاليات في الأماكن العامة للسماح لهؤلاء في الخارج متابعتها.

وبدأت أيضا تتزايد احتجاجات الشوارع العفوية وذلك على خلفية انتشار مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية.

ويعتقد المحلل في شركة "اوفوم" جو ديغنان أن التكنولوجيا التي تراقب الحشود ستتزايد أهميتها.

Image caption هل يمكن للتكنولوجيا أن تلعب دورا في ضمان عدم تكرار حوادث التدافع؟

وقال إن "فهم كيفية تحرك الناس في أنحاء المدينة سيساعد في تطوير أنظمة نقل ذكية والحفاظ على سلامة الأشخاص في أوقات الخطر سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان".

وسواء تجمعت الحشود من أجل الاحتجاج أو المشاركة في حفل أو فقط للاستمتاع، فإن الأمور قد تسوء في لحظة.

وتوضح خرائط طورتها كراود فيشن لإظهار سلوك الأشخاص خلال تجربة إجلاء لإحدى ناطحات السحاب في المدينة كيف تتزايد نقاط الخطر حتى حينما يتحرك الحشد بشكل جيد ووسط هدوء نسبي.

وأظهرت الخرائط أنه حتى حينما يدخل الحشد مرة أخرى إلى المبنى بعد عملية الإجلاء، كانت هناك بعض الطوابير الخطيرة تتزايد.

ولا يوجد مكان آخر يكون فيه الحشد أكثر أهمية من مهرجان موسيقي، ويشير البرنامج الذي طورته "كراود فيشن" أن المنظمين قد يرتكبون أخطاء كبيرة من خلال وضع موجهين في مقدمة الحشود.

وأوضحت السيدة سترينس أن "الخرائط أشارت إلى أن المشكلات كانت بالفعل وسط الحشد".

وأضافت "إذا كان الموجهون لديهم حواسيب لوحية وبها معلومات في الوقت الحقيقي عن تحركاتهم، فإنهم كانوا سيدركون بالضبط المكان الذي ينبغي أن يكونوا موجودين فيه".

وهذا الحل ربما لم يكن واقعيا لولاية ماديا براديش الهندية حيث وقع التدافع المميت مؤخرا.

يبدو على الأرجح أن التدافع نجم عن الإحساس بالذعر عقب شائعات بأن الجسر الذي كان يعبره الأشخاص على وشك الانهيار.

وشيد الجسر ذاته ردا على تدافع عند نفس المعبد قبل سبع سنوات سحق فيه المشاركون أثناء عبورهم النهر.

وهذا يوضح أنه بغض النظر عن دقة تنظيم الحدث، فإن هناك في أغلب الأحيان غياب لمراقبة سلوك البشر.

ويرى البروفيسور ستيل بأن التكنولوجيا قد تكون مجدية، لكنها وحدها ستكون فقط جزء من الحل.

وقال إن "الطريقة الأفضل لتفادي هذا في المستقبل هو التثقيف بشأن سلامة الحشود".

المزيد حول هذه القصة